الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 16، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تحدث عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم للنصارى وتخلف بعض المسلمين عن الجهاد. يذكر المقطع إرسال النبي لجيش بقيادة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، ثم غزوه بنفسه في غزوة تبوك.
يتكلم عن قدوم عمر بن الخطاب إلى الشام وفتح بيت المقدس، حيث صالح النصارى على شروط معينة ثم دخل المسجد وأمر بتنظيفه وبنائه. فرض شروطًا على أهل الذمة مثل عدم بناء كنائس جديدة وعدم إظهار شرك.
يتناول شروط التعامل مع أهل الذمة في الإسلام وأحكام من أسلم منهم، مشيرًا إلى عدم جواز إكراههم على الإسلام وأهمية الوفاء بالعهد. يذكر أيضًا أحكام الجزية وأثر إسلام أهل الكتاب على حقوقهم وواجباتهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في غزو النصارى. فأرسل أولًا زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة في جيش، فقاتلوا النصارى بمؤتة من أرض الشام. وقال لأصحابه: أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل عبد الله بن رواحة. فقتل الثلاثة، وأقبر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الثلاثة في اليوم الذي قتلوا فيه. وأخبر أنه أخذ الراية قائد من القواد، ففتح الله على يديه. ثم إنه بعد هذا غزا النصارى بنفسه، وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه في الغزوة، ولم يأذن في التخلف عنه لأحد. وغزا في عشرات آلاف، غزوة تبوك، وقدم تبوك، وأقام بها عشرين ليلة يغزو النصارى، عربهم ورومهم وغيرهم، وأقام ينتظرهم ليقاتلهم. فسمعوا به وأحجموا عن قتاله، ولم يقدموا عليه. وأنزل الله تعالى في ذلك أكثر سورة براءة، وذم تعالى الذين تخلفوا عن جهاد النصارى ذمًا عظيمًا، والذين لم يروا جهادهم طاعة جعلهم منافقين كافرين لا يغفر الله لهم إذا لم يتوبوا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم». فقال تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية. فإذا كان هذا حكم الله ورسوله فيمن تخلف عن جهادهم، إذ لم يره طاعة ولا رآه واجبًا، فكيف حكمه فيهم أنفسهم؟ حتى قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْغَبُونَ فِيهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. ثم عند موته صلى الله عليه وسلم أمرنا بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. ففي صحيح مسلم: «أمر عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا». وروى الإمام أحمد وأبو عبيد عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: «آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أخرجوا يهود آل الحجاز ونصارى آل نجران من جزيرة العرب». وقام خلفاؤه رضي الله عنهم بدينه صلى الله عليه وسلم. فأرسل أبو بكر الصديق الجيوش لغزو النصارى بالشام، وجرت بين المسلمين وبينهم عدة غزوات. ومات أبو بكر وهم محاصرون دمشق. ثم ولي عمر بن الخطاب، ففتح عامة الشام ومصر والعراق وبعض الجزيرة في خلافته. وقدم إلى الشام في خلافته وسلم إليه النصارى بيت المقدس. قال أبو عبد الله محمد المعافري في كتاب الفتوح: قال عطاء الخرساني: لما نزل المسلمون ببيت المقدس قال لهم رؤساؤهم: إنا قد أجمعنا لمصالحتكم، وقد عرفتم منزلة بيت المقدس وأنه المسجد الذي أسرى بنبيكم إليه، ونحن نحب أن يفتحها ملككم، وكان ذلك عمر بن الخطاب. فبعث المسلمون وفدًا وبعث الروم أيضًا وفدًا مع المسلمين حتى أتوا المدينة، فجعلوا يسألون عن أمير المؤمنين. وقال الروم لترجمانهم: عمن يسألون؟ قالوا: عن أمير المؤمنين. فاشتد عجبهم وقالوا: هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر، وليس له مكان يعرف به! فوجدوه قد ألقى نفسه حين أصابه الحر نائمًا، فازدادوا تعجبًا. فلما قرأ كتاب أبي عبيدة أقبل حتى نزل ببيت المقدس، وفيها اثنا عشر ألفًا من الروم وخمسون ألفًا من أهل الأرض، فصالحهم. وكان من جملة المصالحة أن لا يدخل عليها من اليهود أحد. ثم دخل المسجد فوجد زبالة عظيمة على الصخرة، وأمر بكنس الزبالة وتنظيف المسجد، وأمر ببنائه، وجعل مصلاه في مقدمه. ثم رجع إلى المدينة، وقصته مشهورة في كتاب الفتوحات. ثم قدم مرة ثانية إلى أرض الشام لما تم فتحها، فأشرف على وضع الجزية وفرض الأعطيات، وشَرَطَ على أهل الذمة شروط المسلمين، فأتم بها المسلمون بعده. وقد ذكر أهل السير وغيرهم: فروى سفيان الثوري عن مسعود عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم: ألا يحدثوا في مدينتهم ولا ما حولها ديرًا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما قُرِّبَ من ذلك، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوسًا، ولا يكتموا غشًا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركًا، ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين بشيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتسموا بأسماء المسلمين، ولا يركبوا سرجًا، ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يتخذوا شيئًا من سلاح، ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمر، وأن يجزوا مقاديم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا، وأن يشدوا الزنانير، ولا يجاوروا المسلمين بنجاساتهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيفًا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا صليبًا، ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم، ولا يضربوا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين. فإن قالوا في شيء مما شرطوا فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق. أخرجه أبو داود في سننه. قال أبو عبيد في كتاب الأموال: حدثنا النضر بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن قبيصة بن ذؤيب قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر فيكتب لأهل الأمصار في أهل الكتاب: أن يجزوا نواصيهم، وأن يربطوا الكتفجات في أرساطهم ليعرف زيهم من زي المسلمين. وحدثنا أبو المنذر ومصعب بن المقدام كلاهما عن سفيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن أسلم قال: كتب عمر إلى أمراء الأجناد أن يختموا رقاب أهل الذمة. قال أبو عبيد: وحدثنا عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر عن نافع عن أسلم أن عمر أمر في أهل الذمة: أن يجزوا نواصيهم، وأن يركبوا على الأكاف، وأن يركبوا عرضًا لا يركبوا كما يركب المسلمون، وأن يؤثقوا المناطق. قال أبو عبيد: عن الزنانير. وكما كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الذمة هذه الشروط والتزمها، أوصى بهم مواليه ومن يأتي بعده من الخلفاء وغيرهم. وهذا هو العدل الذي أمر الله به ورسوله. أبي سعيد البطريق عن عمر بن الخطاب أنه قال في كتابه عند وفاته: وأوصي الخليفة من بعدي لذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهد الله، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم. وهذا امتثال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه من حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة». رواه أبو داود. فكان هذا بالنصارى الذين أدوا إليه الجزية. وعمر بن الخطاب لما فتح الشام وأدوا إليه الجزية عن يد وهم صاغرون، أسلم منهم خلق كثير لا يحصي عددهم إلا الله تبارك وتعالى. فإن العامة والفلاحين وغيرهم كان عامتهم نصارى، ولم يكن في المسلمين من يعمل فلاحًا، ولم يكن للمسلمين في دمشق مسجد يصلون فيه إلا مسجد واحد لقلتهم. ثم صار أكثر أهل الشام وغيرهم من المسلمين طوعًا لا كرهًا. فإن إكراه أهل الذمة مع الإسلام غير جائز، كما قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال أبو عبيد في كتاب الأموال عن ابن الزبير قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: أنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليهم ما عليهم، ومن كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها وعليه الجزية.