الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 7، الدرس السابع:من( وأما كون التوراة معجزة من حيث المعاني ... وذلك الفساد يناقض حال الصادق على الله وقد بسط هذا في غير هذا الموضع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش دلائل النبوة في الكتب السماوية مثل التوراة والإنجيل، ويوضح دور العلماء في فهم هذه الكتب والفرق بينهم وبين الأنبياء في الإخبار بالغيوب.
يشرح الفروق بين الأنبياء الصادقين ومدعي النبوة الكاذبين، مبينا أن الكاذبين يخدمون مصالحهم الدنيوية بينما الصادقون يأمرون بالإصلاح.
يتناول كيفية كشف أمر مدعي النبوة وكيف يبدأون بتقليد الأنبياء ثم ينكشف أمرهم بمخالفة الشريعة واستحلال المحرمات.
يلخص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول التمييز بين آية النبي ودلائل النبوة، ويشير إلى اكتفاء الدرس الحالي وتأجيل الباقي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»، في سياق ذكره ونقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسائل هي مقدمة فيما يتعلق بدلائل النبوة. قال رحمه الله تعالى: «وأما كون التوراة معجز من حيث المعاني لما فيها من الإخبار عن الغيوب أو الأمر والنهي، فهذا لا ريب فيه. ومما يدل على أن كتب الأنبياء معجزة أن فيها الإخبار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بمدة طويلة، وهذا لا يمكن علمه بدون إعلام الله لهم. وهذا بخلاف من أخبر بنبوته من الكهان والهواتف، فإن هذا إنما كان عند قرب مبعته، لما ظهرت دلائل ذلك، واسترقته الجن من الملائكة، كما جاء بحديث عائشة وغيرها من أن الكاهن يأتيه الشيطان ببعض ما يسترقه من الغيب مما يخبر به الملائكة، فيسترق كلمة ويضع معها ما يضع من الكذب. وعند ذلك ينجو من ينجو ويحرق بالشهب من يحرق. وقد جعل الله عز وجل ذلك لحكمة، وهو سبحانه وتعالى قادر على أن لا يقدر هؤلاء الجن أن يطلعوا على مثل ذلك من الملائكة، لكن لحكمة منه سبحانه وتعالى. ومن حكمته في ذلك - وله حكم أخرى كثيرة - أنه يبتلي بذلك عباده بما يكون من تسلط الشيطان بعض التسلط على الإنسان». قال رحمه الله تعالى: «استرقته الجن من الملائكة فتحدثت به وسمعته الجن من أتباع الأنبياء، فالنبي الثاني إذا كان قد أخبر بما هو موجود في كتاب النبي الأول، وقد وصل إليه من جهته لم يكن آية له. فإن العلماء يشاركون في هذا، يعني أن العلماء يطلعون على كتاب النبي الأول السابق ويجدون فيه الإخبار عن النبي الثاني، ويطلعون في كتاب النبي الثاني فيجدون فيه تصديق خبر النبي الأول. فمثل ذلك يطلع عليه ويعلمه النبي والعالم - يعني بالكتاب - فإذا كان كذلك، فالعلم بمثل هذا بواسطة الكتب ليس هو من خصائص الأنبياء». والمراد أن يبين رحمه الله تعالى أن الأنبياء قد خصوا بدلائل ومعجزات هي ليست من جنس ما يكون للناس. قال رحمه الله تعالى: «وقد وصل إليه من جهته لم يكن آية له. فإن العلماء يشاركون في هذا. وأما إذا أخبر بقدر زائد لم يوجد في خبر الأول، أو كان ممن لم يصل إليه خبر نبي غيره، كان ذلك آية له، كما يوجد في نبوة أشعيا وداود وغيرهما من صفات النبي ما لا يوجد مثله في توراة موسى. فهذه الكتب معجزة لما فيها من أخبار الغيب الذي لا يعلمه إلا نبي. وكذلك فيها من الأمر والنهي والوعد والوعيد ما لا يأتي به إلا نبي أو تابع نبي». وما أتى أتباع الأنبياء من جهة كونهم أتباعا لهم - مثل أمرهم بما أمروا به ونهيهم عما نهوا عنه ووعدهم بما وعدوا به ووعيدهم بما يعدون به - فإنه من خصائص الأنبياء. والكذاب المدعي للنبوة لا يأمر بجميع ما أمرت به الأنبياء وينهى عن كل ما نهوا عنه، فإن ذلك يفسد مقصوده، لأن مقصوده الدنيا - مدعي النبوة مقصوده الدنيا، إما الملك والرئاسة وإما المال أو غير ذلك. فلما كان كذلك، كان من أعظم الفوارق بين مدعي النبوة وبين النبي الصادق أن النبي الصادق يأمر وينهى بما فيه صلاح الناس في الدنيا والآخرة. وأما الكاذب فيأمر وينهى ويكون أكثر ما يأمر وينهى ما لا يعارض ملكه ومصلحته في الدنيا. هذا من أعظم الفوارق بين النبي الصادق ومدعي النبوة. فلذلك لا يمكن أن يأمر مدعي النبوة بكل ما يأمر به من جاء بالنبوة بحق وصدق على وجه التمام، لأن ذلك ينافي ما يطمع من ادعائه بالنبوة، كما أنه لا يستطيع أن ينهى عن كل ما نهى عنه النبي الصادق، لعلمه أنه إن فعل ذلك كان ذلك معارضا لما يطمع من ادعاء النبوة. قال رحمه الله تعالى: «والكذاب المدعي للنبوة لا يأمر بجميع ما أمرت به الأنبياء وينهى عن كل ما نهوا عنه، فإن ذلك يفسد مقصوده. وهو كاذب فاجر شيطان من أعظم شياطين الإنس، والذي يعينه على ذلك من أعظم شياطين الجن، لأن غالب مدعي النبوة هم من الكهان ومن لهم علاقة بالشياطين، فيسترق شيطانه المارد ما لا يستطيع أن يسترقه غيره من صغار الشياطين. فإن في الإنس شياطين، والشيطان هو من خرج عن طاعة الله عز وجل، سواء من الإنس أو من الجن. فمن خرج عن طاعة الله من الإنس سمي شيطانا إنسيا، ومن خرج عن طاعة الله من الجن سمي شيطانا جنيا. ثم شياطين الإنس يتفاوتون في الكفر والشر، وشياطين الجن كذلك يتفاوتون في الكفر والشر». وهذا قوله رحمه الله: «أن شيطان هذا الذي يدعي النبوة من أعظم شياطين الجن، كما أن مدعي النبوة فعل كفرا كبيرا عظيما فهو من أعظم شياطين الإنس. فكذلك بالمثل في الجن». قال رحمه الله: «وهؤلاء لا يتصور أن يأمروا بما أمرت به الأنبياء - يعني إذا كان هو من أشر الناس وصفا وخبثا - كيف يمكن أن يأتي ويدعو إلى ما أتت ودعت به الأنبياء؟ هذا مستحيل». قال: «وهؤلاء لا يتصور أن يأمروا بما أمرت به الأنبياء وينهوا عما نهوا عنه، لأن ذلك يناقض مقصودهم. بل وإن أمروا بالبعض في ابتداء الأمر من يخدعونه ويربطونه، فلابد أن يناقضوا فيأمروا بما نهت عنه الأنبياء. وهذا حال الكاذبين في كل مسألة وفي كل باب، أنه قد يدعي أنه متلبس أو صاحب تلك الصفة الحسنة، لكن لا يستطيع أن يستديم هذه الصفة. لابد أن يأتي عليه وقت وينتقل إلى مقصوده وحقيقة ما يريد من هذه الدعوة. فهو لم يدعي النبوة لأجل أن يكون عبدا لله عز وجل، إذ لو كان عبدا لله لكان متابعا للنبي الصادق، لكن تخصيص دعوة النبوة لنفسه كانت لأغراض أخرى دنيوية محضة». فلذلك هو قد يخادع في أحيان أو في أول أمره بأن يتظاهر بما جاء به الأنبياء، وليس الأمر كذلك، فسرعان ما ينكشف أمره. قال رحمه الله: «ويربطونه فلابد أن يناقضوا فيأمروا بما نهت عنه الأنبياء، ولا يوجبوا ما أمرت به الأنبياء، كما جرى مثل ذلك لمدعي النبوة من الكذابين، ولمن أظهر موافقة الأنبياء وهو في الباطن من الموافقين، كالملاحدة الباطنية الذين يظهرون الإسلام والتشيع ابتداء، ثم إنهم يستحلون الشرك والفواحش والظلم ويسقطون الصلاة والصيام وغير ذلك مما جاءت به الشريعة. وهذا كثير في المتصوفة والشيعة، فإنهم يفعلون نحو ذلك، إما بدعوى النبوة كما وجد غير مرة في هؤلاء، أو بدعوى الولاية والكرامة. والهدف والمقصد من ذلك ليس حقيقة النبوة والكرامة، مع أن ذلك كفر - يعني ادعاءه كذبا - وإظهار الغيبيات والشركيات في ذلك. هذا باب وأمر، إلا أنهم يريدون ويطمعون من ذلك في الحقيقة ما يريدون من الدنيا، ولا يصلون إلى ذلك إلا بتحريف شريعة الله». ولهذا كما قال: «أنهم سرعان ما يستحلون الشرك ويبيحون الفواحش والظلم ويسقطون الفرائض، كحال الكثير من الباطنية القرامطة وغيرهم. وفي زماننا المعاصر كالقاديانية ونحوهم». قال رحمه الله تعالى: «فمن أظهر خلاف ما أبطن وكان مطاعا في الناس، فلابد أن يظهر من باطنه ما يناقض ما أظهره، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾﴾ لابد أن ينكشف ما في باطنه. وكما قال القائل: مهما تكون عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلمي، لابد أن تظهر هذه الخليقة السيئة». قال: «فكيف بمن ادعى النبوة وأظهر أنه صادق على الله وهو في الباطن كاذب على الله؟ بل من أظهر خلاف ما أبطن من أحد الناس يظهر حاله لمن خبره - يعني لمن عاشره وخالطه وعرفه عن قرب - قال: في مدة - يعني في الغالب لا تطول - لكن الناس تفاوتوا في ماذا؟ في الفهم والإدراك. قال: فإن الجسد مطيع للقلب، والقلب هو الملك المدبر له - يعني لذاك الجسد - كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب». ولذلك تجد شواهد الكاذبين في أقوالهم وأفعالهم، وشواهد الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. وهكذا كذلك من أعظم ما يفرق بين مدعي النبوة والنبي الحق والصادق هذا الأمر». قال: «فإذا كان القلب كاذبا على الله فاجرا كان ذلك أعظم الفساد، فلابد أن يظهر الفساد على الجوارح، وذلك الفساد يناقض الحال الصادق على الله. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع». طيب، انتهى بهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيما كان المقصود منه التمييز بين آية النبي وغيره مما بعث به الأنبياء وأيد، وهو ما يتعلق بدلائل النبوة. نكتفي بهذا، ونترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.