الصحيح المسند من دلائل النبوة  182

الصحيح المسند من دلائل النبوة 182

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 182، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

كرامات الحسن والحسين ودلائل النبوة

يروي المقطع قصة كرامة جعلها الله تعالى للحسن والحسين، حيث سار الحسن والحسين في ضوء ناتج عن برقة حتى دخلا على أمهما، ويعتبر هذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. هذا يدل على مكانة الحسن والحسين وكرامتهما عند الله تعالى.

مسائل فقهية مستنبطة من حديث النبي مع الحسن والحسين

يتناول المقطع مسائل فقهية متعددة مستنبطة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع الحسن والحسين في الصلاة، مثل جواز الحركة اليسيرة في الصلاة عند الضرورة وكرامات الأولياء. كما يشير إلى رفق النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأطفال أثناء الصلاة.

أحكام الصلاة بحضور الأطفال وكرامات الأولياء

يستنبط المقطع مسائل فقهية متعلقة بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو حامل لابن ابنته، مثل جواز دخول الصبيان إلى المساجد وحمل المصلي للصبي في الصلاة. كما يبرز حرص الصحابة على حفظ العلم ونقله وتأييد الله لعباده بالكرامات.

التفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابا مهما بعنوان «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» يتناول التفريق بين أولياء الله وأولياء الشيطان. هذا الكتاب يمثل مرجعا هاما في فهم هذه القضية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا أسود بن عامر قال: حدثنا كامل وأبو المنذر قال: حدثنا كامل أبو كامل قال: أسود قال: أخبرنا المعنى عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أحدهما -أو قال: فإذا رفع رأسه- أخذهما بيده من خلفه أخذا رفيقا ويضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى إذا قضى صلاته أقعدهما على فخذيه. قال: فقمت إليه وقلت: يا رسول الله، أردهما؟ قال: فبرقت برقة، فقال لهما: «إلحقا بأمكما». قال: فمكث ضوءها حتى دخلا. قال: حدثنا أبو أحمد بإسناده عن أبي صالح قال: حدثنا أبو هريرة قال: حتى دخلا على أمهما. قال شيخنا: هذا حديث حسن، وكامل ابن العلاء فيه كلام لا ينزل حديثه عن الحسن، وقد تفرد بهذا الحديث. وقد ذكر الحافظ الذهبي هذا الحديث في ترجمته في الميزان. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لكرامات أتباع النبي صلى الله عليه وسلم من أمته، التي هي من دلائل النبوة لتصديق رسالته عليه الصلاة والسلام. ووجه الشاهد في هذا الحديث -كما نرى- ما جعل من نور وضوء بين يدي الحسن والحسين يمشيان عليه حتى دخلا على أمهما. فقد روى الحاكم هذا الحديث في مستدركه، وزاد فيه: «فما زال يمشيان في ضوئها حتى دخلا إلى أمهما»، أي في ضوء تلك البرقة التي أعطت ضوءا. ومعنى البرقة: أي مثل الشرارة التي يكون بها ضوء، ثم يبقى هذا الضوء. وهذه كرامة جعلها الله عز وجل للحسن والحسين، وهي في محضر النبي صلى الله عليه وسلم، فيتأكد كونها من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. وقد أورد شيخنا هذا الحديث -كما نرى- من طريق أسود بن عامر، في رواية الإمام أحمد، وهو أبو عبد الرحمن الشامي الملقب بشاذان، فقيه أحد الرجال الصحيحين، يحدث به عن كامل -يعني كامل ابن العلاء- أبو كامل أو أبو العلاء، والصواب أنه يقال أبو العلاء، يكنى بأبي العلاء، ويكنى بأبي عبد الله -كما علق شيخنا رحمه الله-، فكأن قول: «كامل أبو كامل» فيه خطأ. وقوله: «قال أسود قال: حدثنا كامل أبو كامل قال أسود»: معناه أن أسود بن عامر يرويه عن كامل أبي العلاء وأبي المنذر. وقال أسود: «أخبرنا المعنى» -يعني في روايته عن كامل أبي العلاء- قال: حدثنا، وفي روايته عن أبي المنذر قال: أخبرنا. والمعنى واحد -يعني يروي الحديث من طريقين- سمعه من هذا أو الحديث من رواية أسود بن عامر عن كامل، ومن رواية أبي المنذر عن كامل. فأبو المنذر قال: حدثنا كامل، وأسود قال: أخبرنا كامل؛ لأن الحديث مداره على كامل. وهذا هو أبو صالح ها هنا: هو ذكوان السمان، وإن كان أحد لئمة الثقاة المعروفين. وإن كان قد رواه وإن كان قد رواه كذلك كامل عن أبي صالح آخر مجهول. وقول الشيخ رحمه الله: «أن الحديث حسن لأجل كامل بن العلاء؛ لأن فيه كلاما لا ينزل عن الحسن»: معناه أن الحديث مداره على كامل -كما ذكر ذلك الحفاظ-، وبعض أهل العلم ضعف هذا الحديث لأجل الكلام الذي قيل في كامل بن العلاء. وقد قال فيه الحافظ في التهذيب: «صدوق يخطئ». وهو وإن كان يقع منه الخطأ، لكنه لا ينزل عن رتبة الحسن. وإن كان تعبير الحافظ بـ«صدوق يخطئ» كثيرا ما يأتي لمن حديثه في الشواهد، لمن حديثه في الشواهد. وهذا الحديث تفرد به، ولهذا بعض أهل العلم ضعفه. ولكن الصواب -كما رجح شيخنا رحمه الله- أن كامل بن العلاء أرقى وأرفع من أن يكون حديثه في الشواهد، فحديثه لا يقل عن الحسن، فتفرده لا يكون سببا في تضعيف الحديث. فكون مدار الحديث على كامل بن العلاء لا يضر؛ فقد وثق ابن معين كامل بن العلاء، وإن كان النسائي وجماعة قالوا: «ليس بالقوي». لكن يجمع هذا مع هذا، فيكون حاله -كما قال شيخنا- لا ينزل عن رتبة الحديث الحسن. ثم إن الحديث قد جاء بمعناه عن أنس رضي الله عنه أرضاه. وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة»، أي هذا الحديث صححه في حديث تسعمائة واحد. والحديث تضمن مسائل كثيرة، من أهم مسائله ما أشير إليه مما لأجله أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث. ففيه كرامة للحسن والحسين، وفيه دليل من دلائل نبوة عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته؛ لأن كرامات الأولياء تدل على صدق رسالة الأنبياء، فهي دلائل للأنبياء. وفيه من المسائل كذلك فضل الحسن والحسين رضي الله عنهما. وفيه من المسائل جواز الحركة اليسيرة التي لا تضر بالصلاة التي يحتاج إليها. وقد ثبت هذا في أحاديث كثيرة، ومنه هذا الحديث؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعدهما، فيرجعان، ثم يبعدهما، فيرجعان. وهذا يحتاج لحركة. فهذه الحركة اليسيرة لا تضر ولا تبطل الصلاة. وفي هذا وغيره من الأحاديث الأخرى دليل على صحة هذه المسألة، خلافا لمن زعم أن الحركة مهما كانت تبطل الصلاة، أو كذلك قيدها بثلاث حركات. والصواب أن الحركة التي تبطل الصلاة هي الحركة التي تخرج المصلي عن كونه مصليا. فأما حركة يسيرة لمصلحة للمصلي أو لدفع مضرة عن غيره، فلا يضر ذلك بالصلاة. ولكن عليه أن يتحرك حركة لا تخرجه عن كونه مصليا -يعني لا ينحرف عن القبلة- لا يتخلى عن صفات حركات الصلاة، فيبقى على وضعيته ويحرك ما يحتاج تحريكه بغير أن يخرج عن كونه مصليا. بل نص العلماء -بما دلت عليه النصوص الصحيحة- أن الحركة للضرورة يجوز ولو كثرت، ولو خرج صاحبه عن كونه مصليا، فهي لا تبطل الصلاة -مثل أن يتحرك لقتل الحية أو العقرب-، فهنا يتحرك حركة كثيرة، ولكن مع ذلك إذا استطاع أن يحرص على الإبقاء على ما يستطيع إبقاؤه من صفة الصلاة أبقاها. فمثلا إذا استطاع أن يقتل العقرب أو الحية وهو مستقبل القبلة، وهو على ما هو عليه، فقط يتناول النعل ويضرب، فيبقى على هذا. فإن كان الأمر يحتاج إلى شيء أكثر من هذا، فليفعل الأكثر، ويرجع إلى صلاته، ولا يستأنف من جديد إلا إذا طال الفصل، ودخل في تلك الحركة ما يبطل الصلاة من كلام وغير ذلك، فهنا يستأنف الصلاة من جديد. هذا هو الأقرب في هذه المسائل. وإن كان في هذه المسائل خلاف، ولكن الأدلة تدل على هذا المعنى والله أعلم. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الإذن بذلك. وهكذا كذلك ثبت معناه من فعله عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث مما يدل على أن في الضرورة يجوز ما هو أعلى من هذا. فقد صح أنه فتح لعائشة رضي الله عنها الباب وهو يصلي، حين طرقت الباب، تأخر وفتح لها الباب، واستمر في صلاته. وصح عليه الصلاة والسلام أنه تقدم إلى السارية حين أرادت بهمة أن تسبقه، فتمر بين يديه، فتقدم وألصق صدره في السارية، ومرت البهمة من خلفه. وصح عن عمر رضي الله عنه أنه جر رجلا كان يصلي إلى غير سترة، حتى وضعه إلى جهة السترة، وهو في البخاري. وغير هذا كثير مما يدل على هذا المعنى والله أعلم. وفيه من المسائل كذلك رفق النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا موضع من مواضع كثيرة تدل على حسن خلقه عليه الصلاة والسلام وكمال خصاله صلى الله عليه وسلم. وهكذا ينبغي أن يقتدي به المسلمون، فيحرصون على الرفق، ولو كان في مثل هذا الموضع -يعني في الصلاة-، ربما بعض الناس لأجل الصلاة، وربما يظن هذا عبادة، ينهر الصبي إذا فعل مثل هذا، أو يكون منه شيء من الشدة القولية أو الفعلية. وهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم. بل هذا الحديث يدل على رفقه عليه الصلاة والسلام. فإذا شوش عليك الصبي في الصلاة، فحاول أن تدفع تشويشه برفق، تدفع تشويشه برفق. وإن كان ينبغي أن يحرص مرة أخرى أن يبتعد المصلي عن أسباب التشويش، أن يبتعد عن أسباب التشويش. لكن متى ابتدأ -يعني قبل أن تدخل في الصلاة-، وأما وقد دخلت في الصلاة، فوقع هذا الأمر، فاستعمل الرفق، وما كان بمعناه مما يكون فيه المحافظة على الصلاة والرفق بهذا الصبي. وفيه كذلك من المسائل جواز دخول الصبيان إلى المساجد، خلافا للأحاديث الضعيفة والموضوعة التي فيها التحذير من إدخال الصبيان إلى المساجد وتحريم ذلك؛ فلم يصح حديث صحيح صريح يدل على هذا. بل هذا الحديث يدل على هذه المسألة. وفيه من المسائل كذلك ما نص عليه بعض أهل العلم من جواز حمل المصلي المتطهر للمحدث. فهذه المسألة تدل على هذا. وشيء زائد: وهو إذا كان في هذا المحدث نجاسة، لكنها بحائل، لا يمسها المصلي مباشرة، فلا يبطل ذلك الصلاة. وإن كان بعض أهل العلم قال ببطلان الصلاة، لكنه خطأ. وهذا الحديث يدل على خطأ ذلكم القول؛ فهو عام يدل على جواز حمل الصبي في الصلاة، ولو كان في الصبي شيء من النجاسة، ما دام بحائل، فلا يضر. لأن الصبي مظنة الطهارة، من نجاسة الغالب أنه لا يكون متنجسا، فضلا أن يحمل نجاسة معه، ما دامت النجاسة لا تلامس المصلي، فلا يضر. مثلا لو قال قائل: هل يجب علي إذا أنا أصلي ومعي ولد وهو متحفظ بحفاظه، لكن أحدث في هذه الحفاظة، هل لا يجوز لي أن أحمله إذا احتجت أن أحمله؟ الجواب: يجوز. والدليل هذا الحديث بعمومه، خلافا لمن منع ذلك وأبطل الصلاة، فهذا ليس بصواب والله أعلم. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم من حرصهم على العلم ونقله وحفظه. فانظروا إلى تفصيل هذا الحديث كيف رواه الصحابة؛ فقد جاء من حديث أبي هريرة وأنس، وروي معناه عن غيرهما. بل أصله في الصحيح، لكن بغير هذه الزيادات. فهذا يدل على حرص الصحابة على حفظ العلم ونقله. وهكذا ينبغي أن يكون أهل الإسلام يحرصون على حفظ العلم ونقله. ومن ذلك أنهم إذا جالسوا العلماء، فسمعوا منهم الفتاوى، أو رأوا منهم تطبيق السنن، حفظوا ذلك، وأفادوا من خلفهم، وأفادوا من خلفهم. وكم ترى في تراجم العلماء وسيرهم من العلم الذي حفظه تلاميذهم، ومن خالطهم، ما ينفع من بعدهم، ما ينفع من بعدهم. وفيه كذلك من المسائل سنة الله جل وعلا في تأييد عباده، ومن شاء من خلقه، وجعل بعض الكرامات. وليس ذلك بغريب، ولا ينبغي أن يرد؛ لأن بعض الناس ممن ينتسب إلى الدين، فضلا عن غيرهم، قد يرد مثل هذا بأنه لا يوافق العقل، أو أنه ربما يفقل ويحيل العقل مثل ذلك. وهذا لا ينبغي أن يكون. بل المسلم إذا صح الخبر أثبته، وعلم أن الله جل وعلا على كل شيء قدير. فما أكثر الأشياء التي يحيلها العقل، ثم يثبتها ويقر بها إذا ما رآها ووجد أمرها في الواقع. ولهذا نظائر كثيرة تكرر معنا في دروس سابقة كثيرة، ذكر أمثلة على ذلك. فالعقل يحيل أشياء، ولكنه إذا رآه في الواقع أثبته، ولم يجد بدا إلا أن يقر به. لو قيل لبعض الناس: هل يمكن لإنسان أن يطير في الهواء حتى يرتفع على السحب؟ لقالوا قبل خمسمائة سنة أو نحوها: هذا مستحيل، العقل يحيل هذا. لكن اليوم بعد ثبوت هذا في الواقع، هل العقل يحيل هذا؟ الجواب: لا، العقل لا يحيل هذا. إذن ما الذي غير هذا العقل؟ ما الذي غير وجوده في الواقع؟ وجوده في الواقع، وإلا العقل هو العقل، لكن لأنه لم يوجد في الواقع في ذاك الزمان، كان العقل يحيله، واليوم لما وجد صار العقل لا يحيله. فكذلك يقال: ينبغي أن تؤمن وتصدق بكل ما صح في خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيح. وهذا من تمام التصديق بالغيب. والله عز وجل على كل شيء قدير. وكرامات الأولياء دلت عليها دلالة الكتاب والسنة، ولكن بدون إفراط ولا تفريط، حتى لا تختلط بشعودة المشعودين والسحر السحرة وأفعال الجن والشياطين، وما كان بمعناها، فينبغي أن يفرق. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابا عظيما سماه «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان».