الدرس في كتاب الصلاة 12، الدرس الثاني عشر:من( الحديث الحادي والخمسون:ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها ... ما لها سبب إلا الخواطر الناشئة عن حب الدنيا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع كراهة الصلاة بحضرة الطعام أو مدافعة الأخبثين، ويشرح آراء العلماء حول صحة الصلاة في مثل هذه الحالات. يُستنتج أن الصلاة تكون باطلة إذا كانت مدافعة الأخبثين شديدة وتُذهب الخشوع.
يجب على المسلم أن يقدم الحاجات الضرورية على الصلاة إذا كانت تمنعه من الخشوع أو تؤدي إلى ضرر، ويجب عليه أن يستعد للصلاة مسبقًا ولا يتأخر عنها بسبب أمور يمكن التحكم فيها.
يشرح المقطع معنى الخشوع في الصلاة وأهمية حضور القلب أثناء أداء العبادة، ويوضح أن الصلاة هي مناجاة لله تعالى وأن حضور القلب هو تفريغه من كل ما هو ملابس له.
إذا شعرت المرأة بآلام الولادة أثناء وقت الصلاة، فيجب عليها أن تصلي إذا استطاعت ذلك، ولو كانت جالسة أو ماشية، ولا إثم عليها إذا لم تستطع الصلاة بسبب الآلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الحادي والخمسون، قال: ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثان». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام مواقف الصلاة، ومناسبته ظاهرة؛ إذ فيه رخصة تأخير وقت الصلاة عن الجماعة إذا كان عنده طعام، أو وهو يدافع الأخبثان، أي البول والغائط. أقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام مسلم في حديث خمسمائة وستين، قال رحمه الله: وحدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وابن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر، قال: أخبرني أبو حزرة القاص عن عبد الله بن أبي عتيق عن عائشة رضي الله عنها، فذكر مثله. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي تقدم في الحديث السابق ذكر رغبة الشارع الأكيدة في حضور القلب في الصلاة بين يدي ربه، والمراد بالشارع النبي عليه الصلاة والسلام. ولا يكون ذلك إلا بقطع الشواغل التي يسبب وجودها عدم الطمأنينة والخشوع، ومن هذه الشواغل حضور الطعام ومدافعة الأخبثين. لهذا فإن الشارع ينهى عن الصلاة بحضور الطعام الذي نفس المصلي تتوق إليه وقلبه متعلق به، وسبق الكلام على هذا في الحديث المتقدم. وكذلك ينهى عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين اللذين هما البول والغائط؛ لأن صلاة الحاقن أو الحاقب غير تامة لانشغال خاطره بمدافعة الأذى. والحاقن هو من احتبس بوله، والحاقب من احتبس غائطه، والحازق من احتبس هواءه، فكل هؤلاء الثلاثة يدافعون خبثًا يشغل المصلي عن صلاته. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة». اختلف العلماء؛ أخذ بظاهر الحديث الظاهرية وشيخ الإسلام ابن تيمية، فلم يصححوا الصلاة مع وجود الطعام ولا مع مدافعة أحد الأخبثين، وعدوا الصلاة باطلة. إلا أن شيخ الإسلام لم يصححها مع الحاجة إلى الطعام، والظاهرية شددوا فلم يصححوها مطلقًا. وفي كلام شيخ الإسلام في مواضع من كتبه إشارة إلى التفصيل؛ التفصيل فيما إذا كان هذا الإشغال يأخذ بقلبه فالصلاة تبطل، وإن كان لا يأخذ بقلبه فالأجر ينقص، وهذا هو الصواب. ذهب جمهور العلماء إلى صحة الصلاة مع كراهتها على هذه الحال، وقالوا: إن نفي الصلاة في هذا الحديث نفي لكمالها لا لصحتها. والصحيح أن الحديث تناول المعنيين جميعًا؛ يكون في بعض الناس نفيًا لصحتها، مثل الإنسان الذي يدافع الأخبثين فهو يصلي وليس عقله في الصلاة لشدة مدافعته للأخبثين، فمثل هذا صلاته باطلة لشدة هذه المدافعة. فإذا اشتدت المدافعة حتى صار المصلي لا يعي ما يصلي ويقول، وربما نقر صلاته نقرًا أذهب أركانها وواجباتها وشروطها، أذهب بالواجبات والأركان والشروط، فمثل هذا صلاته لا تصح. وأما من كان الأمر ليس كذلك فهو للكراهة؛ فهو نفي للكمال لا للصحة. ما يؤخذ من الحديث: أولًا، كراهة الصلاة عند حضور الطعام المحتاج إليه، وفي حال مدافعة الأخبثين ما لم يضق الوقت فتقدم مطلقًا، أي الصلاة. كما سبق الكلام عليه؛ فمثلًا صلاة المغرب التي وقتها ضيق، لو حضر الطعام لا ينبغي له أن يترك الطعام أو يقبل على الطعام ويضيع وقت الصلاة، اللهم إلا إذا خشي على نفسه الضرر، وعلى صلاته بعدم الفقه، فيجوز له ولو خرج وقت الصلاة؛ الضرورات تبيح المحظورات. كرجل على شفا هلكة، إما لفقد الطعام والشراب فترة، فوافق إدراكه للطعام والشراب وقت الصلاة، فمثل هذا يرخص له أن يقدم الطعام على الصلاة؛ لأن به نجاة حياته، والضرورات تبيح المحظورات. ومثله مدافعة الأخبثين؛ لو أن رجلًا ابتلي بشدة مدافعة خبث طرأ عليه، يدفع ذلك إلى التأخر عن الصلاة، ولو كان ذلك على حساب خروج وقت الصلاة، ما دام أن ذلك شديد ولا يفقه الصلاة معه، فالضرورات تبيح المحظورات. كرجل قام من نومه قبل الإشراق بقليل وهو يدافع الأخبثان، يدافعه الأخبثان، فماذا يصنع؟ إذا دخل إلى الصلاة بوضوء دون التخلص من الأخبثين، فإنه عند ذلك لا يفقه الصلاة، بل ربما لا يطيق أن يصلي، ربما يقطع الصلاة لاجل التخلص من الأخبثين، فإذا لا فائدة من دخوله في الصلاة ولو خرج وقت الصلاة. ثانيًا: إن حضور القلب والخشوع مطلوبان في الصلاة، وهذا ظاهر. ثالثًا: ينبغي للمصلي إبعاد كل ما يشغله في صلاته، كما تقدم. فذكر هذين الجنسين ليس حصرًا، بل هو مثال لغالب ما يبتلى به الناس، فما كان بمعناه هو من باب أولى. فإذا كان هذا قبل الصلاة ففي الصلاة كذلك من باب أولى. مثاله: لو أن امرأة تصلي، واستيقظ ولد لها من نومه صغير عمره سنة مثلًا، وأراد أن يعبث بالتنور، هي تصلي، ويقوم الولد من النوم ويتجه للتنور مباشرة، ماذا نقول لها؟ أكمل الصلاة بخشوع، يمكنها أن تكمل الصلاة بخشوع، ما يمكنها أن تكمل الصلاة بخشوع، تقطع الصلاة وتدرك الولد قبل أن يرمي بنفسه في التنور. لأن هذا سؤال ورد علينا؛ بعض الإخوة في سقطرى، امرأة تركت ولدها نائمًا وأوقدت التنور، ثم أرادت أن تصلي، صلت، دخلت في الصلاة، استيقظ الولد عمره سنة واتجه إلى التنور، المرأة مسكينة زيادة خشوع وحب للصلاة وإخلاص، نكست رأسها واحتسبت ولدها لله سبحانه وتعالى، هذا غير صحيح، تحتسب ولدها لله سبحانه وتعالى. فالشاهد: الحمد لله الذي نجى الله ولدها، لكن مثل هذا خطأ كبير، بل مثل هذا يرخص فيه بلا شك، الذي رخص أن يترك الصلاة لاجل الطعام ومدافعة الأخبثين، كيف لا يرخص بمثل هذه الصورة والحالة؟ لا شك أن هذا مما يرخص به. وهكذا قل في نظائر وأمثال تأتي هي بمعنى ذلك وزيادة، والشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. رابعًا: قال رحمه الله تعالى: إن الحاجة إلى الطعام والشراب أو التبول أو التغوط، كل أولئك عذر في ترك الجمعة والجماعة، بشرط ألا يجعل أوقات الصلوات مواعيد لما ذكر، ما هو في مقدور الإنسان منها، يعني لا يتلاعب على أوقات الصلوات. بعض الناس لا يريد يدخل الخلاء إلا وقت الصلاة، إذا أذن مؤذن لصلاة المغرب دخل الحمام، وهو يعرف أنه إذا دخل الحمام ما يخرج إلا بعد أن تنتهي الصلاة، هذا مفرط، الواجب عليه أن يستعد للصلاة من قبل، ومثله إذا أذن المؤذن للفجر دخل الحمام، وهو يعرف أنه ما يخرج إلا بعد أن ينتهي الناس من صلاة الفجر، مثل هذا ينبغي أن يستعد قبل ذلك. خامسًا: قال الصنعاني رحمه الله: واعلم أن هذا ليس في باب تقديم حق العبد على حق الله، بل هو صيانة لحق الباري؛ لأنه لا يدخل في عبادته بقلب غير مقبل على مناجاته. ومراده بهذا التنبيه رحمه الله: ألا يظن أن هذه المسألة من هذه القاعدة التي ذكرها العلماء: تقديم حق المخلوق على حق الخالق، فليس هذا منه. لماذا؟ قال: ليس منه؛ لأنه كذلك في الحقيقة، ولأجل أنه إذا علم العلة استطاع أن يقيس عليها غيرها، ويلحق بها من الأمثال والنظائر الشيء الكثير. فهو من باب صيانة حق الباري؛ لأنه لا يدخل في العبادة بغير قلب مقبل، فكل ما كان بمعنى مما هو مضاف إلى دخول المصلي الصلاة بغير قلب مقبل، فإنه يلحق بهذا الحكم. وهل منه ترك صلاة الجماعة للمتزوج حديثًا؟ بعض العامة يفتي بأن المتزوج حديثًا تسقط عنه صلاة الجماعة، الجواب: هذا خطأ، ليس بصحيح؛ لأنه عنده وقت طويل، ليس يعجز عن شأنه وأمره إلا في أوقات الصلوات، لا عنده وقت طويل، ما شاء الله. بخلاف الذي يأتي الطعام يوافق الطعام وقت الصلاة، وانظر: الموافقة شيء، وأن يجعل ذلك دندنه شيء آخر، ومثله يقال في مثل هذا الرجل، الموافقة شيء، وأن يجعله دندنه شيء آخر، وهكذا قل في كل ما كان بمعناه. سادسًا: فسر بعضهم الخشوع بأنه مجموع من الخوف والسكون، فهو معنى يقوم في النفس، يظهر منه سكون في الأعضاء يلائم مقصود العبادة، فهو سكون في الأعضاء والأقوال ثمرة لثبات القلب، عدم التفاته. فالالتفات بالأعضاء ثمرة لالتفات القلب، إذا صار القلب ملتفتًا إلى ما سوى الله، فإن الأعضاء تلتفت كذلك. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام معنى ذلك في أن الاختلاف اختلاس يختلسه الشيطان من الإنسان. قال: فائدة، قال العلماء: الصلاة مناجاة لله تعالى، فكيف تكون مع الغفلة؟ وقد أجمع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل منها، أي من الصلاة. لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾، ولما رواه أبو داود والنسائي وابن حبان مرفوعًا: «إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له عشرها، ولا سدسها»، يعني: يكتب له بقدر ما حضر له منها. قال: فالصلاة إنما فرضت لإقامة ذكر الله، فإن لم يكن في قلب المصلي تعظيم وهيبة له نقصت قيمة الصلاة. وحضور القلب هو تفريغه من كل ما هو ملابس له، فيقترن إذ ذاك العلم والعمل؛ العلم في القلب والعمل في الجوارح، فيكون القلب منشغلًا بالله، والجوارح بأعمال الصلاة القولية والفعلية. قال: ولا يجري الفكر في غيرهما، وغفلة القلب في الصلاة عن المناجاة ما لها سبب إلا الخواطر الناشئة عن حب الدنيا، أو الناشئة عن الانشغال. قد يكون ليس حبًا، لكن انشغالًا؛ لأن بعض الصالحين قد ينشغلون ليس حبًا في الدنيا، لكن بما يقع لهم في الدنيا، قد ينشغلون، يعني هموم الدنيا قد تشغل المصلي. كما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام حين سلم من ركعتين، فشبك بين أصابعه ووضع رأسه أو ذقنه أو خده عليه، فهو مهموم بما شغله من هموم الدنيا التي هي من أعمال الآخرة أو للآخرة. فالمهم الانشغال هو سبب الذي ينبغي أن الإنسان إذا دخل الصلاة يحاول يفرغ قلبه ما استطاع. امرأة تتألم الوضع الساعة الثانية عشر ظهرًا، وولدت الساعة الثانية ظهرًا، فكيف تفعل بصلاة الظهر؟ إذا كانت تستطيع أن تصلي ولو قاعدة ولو ماشية لأجل الآلام التي أتتها، فتصلي، خصوصًا وأنها تعلم أن هذه الآلام لا يتبعها إلا الولادة. فما دام أن الآلام جاءتها بعد دخول وقت صلاة الظهر، فتصلي، إذا لم تستطع أن تصلي فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، إذا استطاعت أن تصلي على أي كيفية صلت، والمرأة تعرف نفسها كيف تكون صلاتها مع مثل هذه الآلام، والله تعالى أعلم.