الصحيح المسند من دلائل النبوة 39

الصحيح المسند من دلائل النبوة 39

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 39، الدرس التاسع والثلاثون:من( قال البخاري رحمه الله:حدثني عبدالله بن محمد ... ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينهم وبين البيت ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة وتوطئة لصلح الحديبية

نزل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية، وبركت ناقته، فقال: "ما خلأت القصوى، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم جاء بديل بن ورقاء الخزاعي وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشا قد اجتمعوا لمنعه من دخول مكة.

مفاوضات صلح الحديبية وردود الأفعال

أرسلت قريش عدة وفود للتفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من بينهم عروة بن مسعود ومكرز بن حفص وسهيل بن عمرو، وتظهر ردود أفعالهم وتعليقاتهم على تعظيم أصحاب النبي للنبي صلى الله عليه وسلم.

تفاصيل صلح الحديبية وأحداثه الهامة

تم الاتفاق على شروط معينة، بما في ذلك عدم دخول المسلمين مكة هذا العام والعودة في العام المقبل، ووقعت حادثة أبي جندل بن سهيل بن عمرو الذي فر من المشركين وأتى إلى المسلمين وهو مقيد.

تتمة الكلام عن أحداث صلح الحديبية

هروب أبي بصير وإنقاذه لنفسه من الرجلين اللذين أرسلا لاستعادته، وتجمع المسلمين الفارين من قريش حوله لمهاجمة قوافل قريش، ومراسلات قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم لوقف هذه الأعمال العدائية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: أخبرنا الزهرى قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين». فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: «حل حل». فألحت. قال: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. يعني مثل ما تقول: «أوح أوح» ونحوه إذا أردت شيئا من البهيمة تريدها تتحرك. فقالوا: «خلأت القصوى». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصوى، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: «ومعنى أنه لم يصبها شيء حتى أنها عجزت عن المشي، ولكن حبسها حابس الفيل». ومعنى: أن المكان مكان وقع فيه عذاب، وفيه أن البهائم تشعر ما لا يشعر به بن آدم. وهكذا كذلك أن مكان عذاب أصحاب الفيل كان في جهة الحديبية، لا كما يظنه بعض الناس أنه في وادي محسر. ووادي محسر بين مزدلفة ومنى. قال: ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا. قال: التبرض هو الأخذ قليلا قليلا، والماء إذا كان قليل فلا يستطاع أن نزع منه، وإنما يؤخذ ما في فوهة العين أو البئر، فما زاد بعد ذلك أخذ مرة أخرى، وهذا هو التبرض. يعني يؤخذ المجتمع، فإذا اجتمع قليلا قليلا مرة أخرى أخذ الآخر. قال: فلم يلبثوا - الناس - حتى نزحوه - يعني كل الماء - وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. يعني وضعوا السهم في موضع الماء القليل الذي نشف، فصار يجيش - يعني يتجمع - حتى صار كثيرا، فأخذ الناس الماء وشربوا حتى ارتوى الجميع وصدروا عن الماء، وما زال كثيرا. قال: وهذا هو الشاهد أن الله عز وجل كثر لرسوله عليه الصلاة والسلام هذا الماء القليل وبارك فيه. قال: فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة. وهذا كما مر معنا في درس السيرة: أنه قبل أن يسلم، وإلا فقد أسلم بعد ذلك. فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن نجئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا مددناهم مدة ويخلوا بيننا وبين الناس - يعني أن نعتمر - قال: فإن أظهر - فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا - وإنهم أبوا - فوالذي نفسي بيده، لو قاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره». ومعناه: أنه أخبره عليه الصلاة والسلام حين أخبره أن قريشا قد اجتمعوا عدادا كثيرة لا يريدون الإذن للنبي عليه الصلاة والسلام ومن معه بالدخول إلى مكة والإتيان بالعمرة. ولو وقع القتال، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يأت لقتال، ولكن جاء ومن معه للعمرة، وأنه يكفي قريش قتالا، فإنه قد أتعبهم القتال، ويريد ما وقع يوم بدر ويوم أحد. فيوم بدر أصابتهم الهزيمة، وقتل من قتل منهم، وذهب ما ذهب من أموالهم. ويوم أحد كذلك قتل من قتل منهم، وذهب ما ذهب من أموالهم. ولو كانوا ظنوا أنفسهم أنهم كان لهم الغلب، لكن ليس الأمر كذلك؛ لأنهم في الحقيقة في آخر الوقعة والغزوة كانوا من الفارين، فحصل بهم ما حصل. فالنبي عليه الصلاة والسلام عرض عليهم عند ذلك صلحا - يعني مدة - يعني مدة يكون الناس في أمان ولا قتال، ويأتي بعمرته عليه الصلاة والسلام. فإن أبوا إلا القتال، فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر أنه مستعد لذلك، ولن يرجع، ولو انفصل عظم عنقه عن جسده. وهذا قوله: «حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره». يعني ما شاء من النصر أو الشهادة. قال: فقال بديل: «سأبلغهم ما تقول». قال: فانطلق حتى أتى قريشا. قال: «إن نجئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا». وكان بديل بن ورقاء كما مر معنا قبل: له ود عند النبي صلى الله عليه وسلم على كفره. قال: «فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا». فقال سفهاؤهم: «لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء». وقال ذو الرأي منهم: «هات ما سمعته يقول». قال: «سمعته يقول كذا وكذا». فحدثهم. وفيه: أن السفهاء دائما أصحاب عجلة في الجاهلية، وهكذا لو أسلموا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خياركم خياركم في الجاهلية - أو قال: خياركم في الإسلام - خياركم في الجاهلية إذا فقهوا». فالعجلة لا تأتي إلا بالسوء والشر، وليست من صفات أهل الحل والعقد، وإنما هو قول رعاع من الناس. قال: وقال ذو الرأي منهم: «هات ما سمعته يقول». قال: «سمعته يقول كذا وكذا». فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فقام عروة بن مسعود فقال: «أي قوم، ألست بالوالد؟» قالوا: «بلى». قال: «أولست بالولد؟» قالوا: «بلى». يعني: أنا والد بالنسبة لمن أصغر مني، وولد بالنسبة لمن أكبر مني، إذن أنا واحد منكم، ولن أرضى لكم إلا ما أرضى لنفسي. هذا معنى كلامه. قالوا: «بلى». قال: «فهل تتهموني - يعني أن أنصح لكم بغير النصح - ؟» قالوا: «لا». قال: «ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاب، فلما جاؤوا جئتكم بأهلي ومالي وولدي ومن أطاعني؟» قالوا: «بلى». وهو يذكرهم بيوم استنصر لأجل قريش، فكان ما كان منه، ويريد أن يبرهم بذلك أنه لن يخذل قومه. قالوا: «بلى». قال: «فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشيدة، فاقبلوها ودعوني آته». ويريد بذلك: أن ما أشار به النبي صلى الله عليه وسلم أنفع لهم من العناد فيما يريدون. قالوا: «ائته». قال: فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: «أي محمد - وكان كافرا - أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك». ومعنى: يعني أرأيت لو عزمت القتال وقاتلت قومك فاستأصلتهم - يعني من أصلهم - ولم تبق أحدا منهم، فهل وجدت مثل ذلك أحد من الناس يفعل بأهله؟ ويريد أن أهل مكة هم أهل النبي صلى الله عليه وسلم. «وإن تكن الأخرى» يعني: أهلك هم الذين قتلوك أو قاتلوك، ليس أنت الذي قاتلتهم وهلكتهم، بل العكس. لأنه يقول: والثاني أقرب. لماذا أقرب؟ لأنه لا يرى معه أحد له صلة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيفديه؛ لأن العرب كانوا يظنون أن الفداء والشجاعة تأتي بقدر حصول القرابة والنسب. ولهذا كانوا يتحالفون على قدر قرب أنسابهم. وقوله: «إني لا أرى أشوابا من الناس» يعني: طوائف متفرقين من جهات مختلفة. والغالب أن الناس إذا تفرقت جهاتهم تفرقت كلمتهم. هكذا يظن. وجهل أن الإسلام جعل ما بين المسلمين ما هو أعظم من الوالد والولد. قال: فقال له أبو بكر: «أمصص بضر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟» قالها غضبا رضي الله عنه أرضاه. وهي كلمة قد يقولها بعض الناس عند الغضب. قال: «من ذا - يعني الذي قال هذه الكلمة - ؟» قالوا: «أبو بكر». قال: «أما والذي نفسي بيده، لولا يد - يعني نعمة - كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك». لولا سابق نعمة منك علي. وكان أبو بكر صاحب إفضال رضي الله عنه في جاهليته وإسلامه، له تفضل على أناس كثر، صاحب إفضال وإحسان، يحسن إلى الناس. فقال عروة بن مسعود: «لولا أن لك نعمة علي - يعني فضل سبقت به - لما سكت على مثل هذه الكلمة والسبة، ولرددت عليك». قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم بكلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف عليه المغفر. فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم - يعني يكلمه ويمس لحية النبي عليه الصلاة والسلام متوددا - ويرى المغيرة أن هذا ينافي إعظام النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ضرب يده بنعل السيف، وقال له: «أخر - يعني بطرف كيس السيف - يضربه حتى يؤخر يده». قال: فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: «أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم». فرفع عروة رأسه فقال: «من هذا؟» قال: «المغيرة بن شعبة». فقال: «أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟» وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء». ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه. قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده. وهذا من خواصه عليه الصلاة والسلام، كما أن الصحابة رضي الله عنهم فعلوا ذلك لإظهار حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم عند هذا المشرك، فيرجع فيخبر قومه بما رأى، وذلك أدعى أن يهابوهم ويخافوهم. قال: «وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له». قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال: «أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك - يعني قدمت ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي - وكان هؤلاء أكبر ملوك الأرض في ذاك الزمان - والله، إن رأيت ملكا قد يعظم أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا». لكن يريد: أنه ما أحد يعظم ملكا مثل ما عظم النبي صلى الله عليه وسلم، لكن تعظيم بغير ما ينافي العبودية لله سبحانه وتعالى. بخلاف تعظيم الناس لملوكهم، فإنه ربما كان فيه شائبة شرك أصغر أو أكبر. قال: «والله، إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده». وذلك لأنه ثبت حصول النفع بذلك والبركة لما خص الله نبيه عليه الصلاة والسلام. والله على كل شيء قدير. ولهذا ليس هذا لأحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. قال: «وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له». وإنه قد عرض عليكم خطة رشيدة، فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: «أهدعوا آته». قالوا: «ائته». فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له». وفيه: السياسة الشرعية التي ينبغي أن يسلكها ولي الأمر، فإنه يخاطب الناس بما يعرفون، ويجعل لهم من القول والفعل ما يكون سببا لحصول المقصود. وفيه: أهمية فقه أحوال الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعرف الناس بالناس عليه الصلاة والسلام. ويريد: أن هذه القبيلة مشهورة بتعظيم البدن، والبدن هي الإبل إذا بعثت إلى الحرم تسمى بدن، إذا بعثت إلى الحرم متصدق بها سميت بدن. فكان العرب يعظمون ذلك، وأشد العرب تعظيما لذلك بنو كنانة. قال: قال: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له - يعني أرسلوها - وقد أشعرت في جانبها - يعني ما يظهر أنها مرسلة إلى الحرم - قال: فبعثت له، واستقبله الناس لبونا - يعني مع هذه البدن - قال: فلما رأى ذلك، قال: «سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت». لما وقع في قلبه من تعظيم البدن. قال: فلما رجع إلى أصحابه، قال: «رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت». فقال رجل منهم يقال له مكرز بن حفص: «دعوني آته». قالوا: «ائته». فلما أشرف عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا مكرز، وهو رجل فاجر». وفيه: أن أهل الكفر والفسوق ليس لهم غيبة، كما استدل بذلك العلماء. قال: فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد سهل لكم من أمركم». لعلمه بحال سهل وتفاؤله باسمه. قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: «هات، أكتب بيننا وبينكم كتابا». فدع النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «باسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل: «أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هي». يعني: أن العرب ما كانوا يعرفون اسم الرحمن. وفيه: أن شرك وكفر العرب لم يكن منحصرا في الربوبية كما ظنه بعض الجهال، بل كان في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. قال: «أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هي، ولكن أكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب». فقال المسلمون: «والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكتب باسمك اللهم». وفيه كذلك ارتكاب أدنى المصلحتين وترك الأعلى لما في ذلك نفع الإسلام والمسلمين. فبسم الله الرحمن الرحيم مشروع، وباسمك اللهم مشروع، والأفضل بسم الله الرحمن الرحيم، لكن درءا لمفسدة ترك الأفضل وانتقل إلى المفضول. قال: ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». فقال سهيل: «والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن أكتب محمد بن عبد الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله». وفيه ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررا. وفيه: التنازل عن بعض الحق لما في ذلك من نصرة الإسلام والمسلمين. قال الزهري: وذلك لقوله: «لا يسألون خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». قال: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به». فقال سهيل: «والله لا تتحدث العرب أن أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل». منعهم الكبر أن يقول الناس: أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ويريد العمرة، فخاف أهل مكة وسمحوا له بالعمرة. فقالوا: «لا، ما تعتمر الآن، لكن اعتمر السنة القادمة حتى لا يقول العرب أنهم أخذوا ضغطة - يعني كانوا ضعاف - فكانت الغلبة للنبي صلى الله عليه وسلم - فقبل النبي صلى الله عليه وسلم لما في ذلك المصلحة للإسلام والمسلمين». وفيه كذلك تأكيد العمل بقاعدة المصالح والمفاسد. وجهل الإسلام من جهل هذه القاعدة من جهلها بلسانه وعلمه، أو من جهلها بالعمل بها. قال: فكتب. فقال سهيل: «وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا». قال المسلمون: «سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟». قال: فبينهم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرصف في قيوده - يعني فر من المشركين والقيود ما زالت عليه - عليه أثر التعب وأثر التعذيب وغير ذلك مما فعل به المشركون. قال: وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: «هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلينا». ونظر ونرى كيف هو أثر الكفر على صاحبه أو على أصحابه، يبعد عنهم الرحمة حتى الرحمة تزول. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نقض الكتاب بعد». قال: «فوالله إذن لم أصالحك على شيء أبدا». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأجزه لي - يعني اسمح لي بهذا فقط - ومن بعده من جاء رددناه إليك؛ لأن من يأتي بعد سيسمع الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عقد صلحا فيه هذا الشرط، إذن لن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «ما أنا بمجيزه لك». قال: «بلى، فافعل». قال: «ما أنا بفاعل». قال مكرز: «قد أجزناه لك». قال أبو جندل: «أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟» وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. قال: فقال عمر بن الخطاب: وهذه كلها مواقف امتحان وابتلاء وتمحيص لأهل الإسلام. وهو في نفس الوقت كذلك فيه مقام عظيم من مقام الصبر. وكذلك السياسة التي ساس بها نبينا عليه الصلاة والسلام هذه الأمة كيف يعامل المشركين، وكيف يصل بالصبر والرفق ما يصل به الإسلام كما يصل بالسيف والسنان. قال: فقال عمر بن الخطاب: «أجيز هذا الرجل». فأصر النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يجاز. فأجيز. قال: فقال عمر بن الخطاب: «فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟» قال: «بلى». قال: «قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟» قال: «بلى». قال: «قلت: فلما نعطي الدنية في ديننا؟ إذن». قال: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري». يعني: ما يفعله عليه الصلاة والسلام يفعله بوحي. قال: «قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت نطوف به؟» قال: «بلى». قال: «فأخبرتك أن نأتيه هذا العام؟» قال: «قلت: لا». قال: «فإنك آتيه ومطوف به». قال: فأتيت أبا بكر فقلت له: «يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا؟» قال: «بلى». قال: «قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟» قال: «بلى». قال: «قلت: فلما نعطي الدنية في ديننا؟ إذن». قال: «أيها الرجل، إنه لرسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه». قال: فوالله إنه على الحق. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا - يعني لهذا الموقف - لأنه استعتب نفسه ولوم نفسه أن كان منه الاعتراض القولي على النبي صلى الله عليه وسلم. حتى لما نزل القرآن خشي أن يكون نزل فيه قرآن. فلما علم آيات الفتح فرح بذلك. قال: قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». يعني: تحللوا من عمرتكم؛ لأنكم حبستم. كما قال سبحانه: «فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي». قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، وهم تأخروا بسبب ضنهم أو شيء يغير الحكم فيكون لهم ما يحبون من إكمال العمرة أو قتال المشركين. قال: فلما لم يقم منهم أحد - يعني بعد ثلاث مرات - دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: «يا نبي الله، أتحب ذلك؟ أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك». فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك. نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. علموا أنه لابد من التحلل. ثم جاء نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن...» حتى بلغ «عصم الكوافر». ومعناه: أن النساء المؤمنات لم يدخلن في هذا الصلح، ولم يرجعن إلى المشركين على ما كتب في الصلح. وفيه كذلك أهمية الاعتناء والإعظام لأعراض المؤمنات. وفيه كذلك أن ما وقع من صلح أو ما كان بمعناه، فكان في ثناياه ما يمكن استثناء شيء للضرورة، وجب استثناؤه ما دام اللفظ لا يساعده؛ لأن اللفظ ظاهره أنه للرجال. قال: فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية - يعني قبل إسلامهما - ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين. فقالوا: «العهد الذي جعلت لنا». فدفعه إلى الرجلين. فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: «والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا». فاستله الآخر. فقال: «أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به». فقال أبو بصير: «أرني أنظر إليه». فأمكنه منه، فضربه حتى برد - يعني تحايل عليه حتى أخذ السيف فقتله به - قال: وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد - يعني يجري من شدة الخوف - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: «لقد رآه هذا ذعرا - يعني شيئا مخيفا أخافه - فلما انتهى للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: «قتل والله صاحبي - يعني أبو بصير - وإني لمقتول». فجاء أبو بصير فقال: «يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك - يعني أوفيت العهد - ورددتني إليهم، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإلى أمه مسعر حرب لو كان له أحد». وهي كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم يلمح له بالمخرج، يلمح لأبي بصير بالمخرج. أي: أن المخرج أن لا تقعد عندنا، وأن تكون في جهة ويتبعك من هو على مثلك. قال: فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرجا حتى أتى سيف البحر - يعني جلس في جهة الساحل - قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير. فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة - يعني جماعة - فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش للشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل. فمن أتاه فهو آمن. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. يعني: أنهم قالوا: خلاص تنازلنا عن الشرط أن يرد إلينا من خرج منا إليك؛ لأجل أن يكفوا شر ما يأتيهم من أبي بصير رضي الله عنه ومن معهم. قال: فأرسلت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل. فما أتاه فهو آمن. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. فأنزل الله تعالى: «وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم...» حتى بلغ «حمية الجاهلية». وكانت حميتهم: أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. فكان هذا الخير الذي حصل كما قال جابر: دخل في الإسلام بهذا الصلح ما لم يدخل في غيره. قال رجل: تيمم عن الجنابة وتوضأ للصلاة بسبب أنه لا يستطيع الغسل؛ لأن الجو كان باردا. فما حكم ذلك؟ حكم ذلك أنه أخطأ؛ إذا كان لا يستطيع فيتيمم للجنابة، ولا حاجة للوضوء؛ لأن التيمم يغني عن الوضوء وعن الغسل. لكن إذا جاء وقت الصلاة الأخرى وهو لا يستطيع الاغتسال وعليه حدث أصغر، فهو يتوضأ فقط. يقول: ما حكم تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة أكثر من مرة؟ إذا كان يتعبد بذلك لله عز وجل فهو جائز في النافلة، ليس في الفرض. فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة كاملة بآية من القرآن يكررها ويرددها، فلا بأس في ذلك. وأما إذا كان في الفرض فهو خلاف السنة، أو كان ذلك لشك ووسوسة فهذا أشد، فلا يجوز، ولا يفتح المسلم على نفسه باب الوسوسة. يقول: قد يرد إشكال، والله أعلمه. وكيف الجمع بين نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السكن في مواضع عذب فيها قوم، وبين الناس الذين يسكنون حول البيت الحرام، علما أن أصحاب الفيل عذبوا هناك؟ فهل يشكل هذا؟ الجواب: بعض أهل العلم يقول: أن مكان أصحاب الفيل غير معلوم بعينه، مجهول العين. علمه النبي صلى الله عليه وسلم بوحي، ثم جهل هذا المكان؛ لأن الحديبية مكان واسع، فلا يعلم مكانه بعينه، فالمشقة تجلب التيسير، لأجل هذا تسامح العلماء في ذلك. ومع ذلك، السكن إلى الآن لم يصل إلى الحديبية. السكن في مكة لم يصل إلى الآن إلى الحديبية. إلى هنا والله تعالى أعلم، وانتهى الوقت. نعتذر عن الدرس الثاني.