الدرس التاسع والأربعون بعد المائة:من( فصل:ومنها رفع بيت المقدس إلى مكة حتى يراه ويصفه ... قال قائل:يامحمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام ).
رفع بيت المقدس للنبي صلى الله عليه وسلم دليل على نبوته، حيث وصفه بدقة بعد رؤيته في رحلة الإسراء. هذا يبرز صدق رسالته ودعوته.
دلائل صدق رسالة النبي تظهر في حادثة الإسراء ووصفه الدقيق لبيت المقدس، وتبرز أهمية الصبر والرفق في الدعوة إلى الله.
يجب عدم التردد في بذل العلم والدعوة إلى الله رغم المعاندين أو الإيذاء، مع الإيمان بحياة الأنبياء الخاصة وتصديق الأحاديث عنهم.
توجد اختلافات في النسخ حول إثبات كلمة معينة، مما يدل على تباين النسخ في التفاصيل الدقيقة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. اشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال: فصل، ومنها رفع بيت المقدس له إلى مكة حتى يراه ويصفه. قال البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير، أحد رجاله الصحيحين الثقات، وهو من الثقات في الليث بن سعد. وأما ما ذكر في ترجمته من كون بعض الأئمة ضعفه، فإنما ضعفه في بعض مروياته، كروايته عن الإمام مالك، أو كذلك كما ذكر عن البخاري في روايته عن أهل الحجاز. قال: حدثنا الليث، وهو بن سعد أبو الحارث الفهمي، وهو كما ترون ليس من أهل الحجاز. قال: عن عقيل، وهو بن خالد، قال: عن ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، اشتهر بكنيته، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما كذبني قريش -أو كذبني- يجوز هذا وهذا. قال: قمت في الحجر، فجل الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه». والحديث في الصحيحين، رواه البخاري، وكذا الإمام مسلم. قال: وقال الإمام مسلم، رحمه الله: وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا حجين بن المثنى، قال: حدثنا عبد العزيز، وهو بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي -يعني عن الإسراء- قال: فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط. قال: فرفعه الله لي، أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبتهم به». وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد، كأنه من رجال شنوءة. وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي. وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم -يعني نفسه- قال: فحانت الصلاة، فأممتهم. فلما فرغت من الصلاة، قال قائل: يا محمد، هذا مالك صاحب النار، فسلم عليه. فالتفت إليه، فبدأني بالسلام». أورد شيخنا، رحمه الله، هذين الحديثين في سياق ذكره للأحاديث التي فيها دلائل من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام، وخصوصًا فيما يتعلق بهذا الفصل: رفع بيت المقدس له إلى مكة حتى يراه يصفه. وموضع الشاهد من هذين الحديثين ظاهر. ففي حديث جابر بن عبد الله، قال: «فجل الله لي بيت المقدس». وفي حديث أبي هريرة، قال: «فرفعه الله لي أنظر إليه» يعني بيت المقدس. وفي هذين الحديثين أن الله عز وجل أراه بيت المقدس حتى استطاع أن يصفه لمن يسأله عن وصفه بدقة. وهذا علم من أعلام ودلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فإن مثل ذلك عند كل منصف هو من أعظم البراهين على أنه مؤيد من عند الله. فليس لأحد أن يصف مثل هذا الوصف مع هذا السؤال، وهو لم يدخل المكان إلا مرة واحدة. فكيف وقد علم أهل قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيت المقدس؟ فكونه أخبر أنه دخله في ليلة الإسراء كان ذلك دليلًا على صدقه في كونه وصفه كما سئل عنه. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم بشرًا كسائر البشر، ومن أوصاف البشر أنهم قد ينسون ما يرون، وهذا لا ينافي حفظه للرسالة، فلذلك كرب النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله من سأله. فالشاهد هذا موضع من مواضع صدق رسالته ودليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. وفي قوله: «فجل الله لي»، وقوله: «فرفعه الله لي»، ظن بعض أهل العلم أن بينهما تعارض. ولا تعارض بينهما. فرفعه الله وجلاه الله له، وليس معنى جلاه الله له فرآه من مكة إلى بيت المقدس. ولهذا قال الشيخ: فصل، ومنها رفع بيت المقدس له إلى مكة، يعني رآه وهو في مكانه، قد رفعه الله له. فجلاه يعني وضحه له مع رفعه إياه، وليس التجلي على مكانه الذي هو فيه، وإنما أريه عليه الصلاة والسلام أمامه في السماء. فكلما سألوه عن شيء جلاه الله له، فرآه. قالوا له: كم أبواب؟ مثلا جلاه الله له فرآه عدد الأبواب. كم نوافذ؟ فجلاه الله له ورأى النوافذ. ولا يسألونه عن شيء إلا جلاه الله له. فرفعه له أمامه في السماء يراه، ولا يراه الناس، فيصفه كما يراه عليه الصلاة والسلام. وهذا هو موضع الشاهد، فهو من دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فكل منصف حين يرى مثل ذلك يعلم أن ذلك من آيات الله العظيمة. وفي الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل: فيه سنة الله جل وعلا في الابتلاء. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام، كذبه الناس، وليس مثله يكذب عليه الصلاة والسلام مما أوتيه من دلائل الصدق المؤيد بها من عند الله، ومع ذلك كذبته قريش. فمن دون النبي عليه الصلاة والسلام يتسلى به عليه الصلاة والسلام. فإن كذب، فقد كذبت رسل من قبله. سل الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بتكذيب الرسل من أممهم. وكذلك من بعد النبي عليه الصلاة والسلام يسلي نفسه به عليه الصلاة والسلام، وبمن سبقه من الرسل، حتى لا يأس ولا يقنط ولا يضيق ولا يفتر، بل يعلم أن من سنة الله الابتلاء، ومن ذلك التكذيب. فإذا كذبت داعيًا إلى الله والسائر في طريق العلم، يعلم أن ذلك ليس نقصًا لدعوته ولا اتهامًا لصدقه، فقد كذب من هو أصدق منه، وكذب من هو أحرص منه، فيسلي نفسه بذلك فيصبر ويرجو الثواب من الله سبحانه وتعالى. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من الصبر والرفق في الدعوة. يكون قد أجد بالدلائل الواضحة، ويكذب ويطلب البراهين، فما يمنعه ذلك من أن يحدثهم ويعلمهم ويبين لهم. وكذلك ينبغي أن يكون الداعي إلى الله. فإذا كذب وأوذي، ثم وجد فرصة لبث العلم، ووجد من يسمع منه، فليبذل العلم ولا يتردد، ولا يمنعه من ذلك إيذاء أو ابتلاء. لا يقول: هؤلاء كذبوني وأهانوني ومنعوني، ولم ينزلوني منزلتي، فلا يستحقون أن أعرفهم بالحق، ولا يستحقون أن أبدل لهم العلم. لا نتأسى بالنبي عليه الصلاة والسلام. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الموقف العصيب يسأل فيجيب، ما دام هذا يقرب إلى دين الله عز وجل، ولعل الله عز وجل يكون فيه هداية للناس. فلا يتردد الإنسان في بذل الخير. وفيه كذلك من المسائل ما قد يرجى من الخير لغير المخاطبين. قد يكون المخاطب معاندًا، لكن في المجلس من فيه خير، أو من يرجى هدايته. فلذلك أنت تحتسب أن هذا تبدله لمن يرجى فيه الخير، ولو كان هذا السؤال سؤال تعنت. وهذا كذلك مما يستفاد أنه لا يتردد الداعي إلى الله إذا سئل سؤال تعنت، إذا كان في الجواب عليه مصلحة لآخرين. فلا كذلك يمتنع. فقول أهل العلم: إنه لا يجاب عن المتعنت، يحمل هذا فيما إذا لم تكن فيه مصلحة ولا منفعة. أما إذا كانت فيه مصلحة، كأن تكون المصلحة لغير السائل، فلا يتردد المسؤول من الإجابة على السؤال. فلعل الله عز وجل يهدي بهذا الجواب أناسًا آخرين. وعلى هذا يحمل ما وقع في هذا الحدث مع شدة عناد أولئك. على أنه قد يكون المتعنت كذلك إذا رأى براهين الحق والصدق يرجع. إذا لم يرجع اليوم، يرجع غدًا أو بعد غد، وهكذا. وفيه كذلك من المسائل ما سبق وتقدم من إثبات حياة الأنبياء، حياة تختص بهم فوق حياة الشهداء. ومن أثبتت لهم الحياة، فحياتهم ليست كحياة الشهداء. وإن كانوا كذلك أحياء، فهم أعلى منزلة في الحياة لعلو كذلك منزلتهم وفضلهم عليهم الصلاة والسلام. فهم يصلون ويأتون إلى بيت المقدس، وهكذا يصعد بهم إلى السماوات كما ثبت في الأحاديث السابقة. وهكذا كذلك في هذا الحديث حياة لا نعرف حقيقتها وكيفيتها؛ لأنها من الغيب، ونحن لا نعلم الغيب. لكن لأن الذي أخبر به هو الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فنحن نؤمن به ونصدق، وإن كنا لا نعرف الكيفية والحقيقة. فهو من علم الغيب الذي لا نعلمه. وكذلك في هذا الحديث وصف الأنبياء الذين وصفوا بهذا الحديث، وفي الأحاديث السابقة. فمن وصف عيسى عليه الصلاة والسلام أنه أشبه ما يكون برجال شنوءة، وهي قبيلة من قبائل العرب، وفي شعره شيء من الجعد. فضرب جعد، الجعد يكون بالشعر. وعيسى عليه الصلاة والسلام شبهه بعروة بن مسعود، وأشبه الناس به عروة بن مسعود الثقفي. وهكذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أشبه الناس به هو عليه الصلاة والسلام. وفيه التقريب في الوصف، وإلا فلا يطابق الوصف، وإنما المراد التقريب في الوصف. وفيه كذلك فضل النبي صلى الله عليه وسلم حيث أم الناس حين حانت الصلاة، أم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حين حانت الصلاة. وهذا يدل على فضله عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. يقول: إنه ضبطت في بعض النسخ: «لما كذبتني قريش»، عندي: «لما كذبني». طيب ينظر إن شاء الله في الصحيح في ألفاظه، فلعلها نسخة أو رواية، والله أعلم. ونبهني بعض الإخوة بالنسبة للحديث السابق في نسختنا دون الزيادة التي ذكرها أخونا محمد. ثم نبهت أنها موجودة بالزيادة، فإذن في بعض النسخ بإثباتها، وبعض النسخ بعدم إثباتها، والله تعالى أعلم. طيب لهنا إن شاء الله.