الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 8

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 8

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

اختلاف أهل الكتاب في أقوالهم عن النبي والكتاب

تحدث الشيخ عن اختلاف أهل الكتاب في أقوالهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب الذي أنزل عليه، واستشهد بآيات قرآنية تبين أقوال الكفار المختلفة والباطلة. كما أشار إلى أن الكفار ضربوا الأمثال للرسول بطرق باطلة، مما أدى إلى ضلالهم عن الحق.

دعوة النبي محمد لأهل الكتاب إلى الإسلام وجزاء من لم يستجب

دعا النبي محمد صلى الله عليه وسلم جميع أهل الأرض إلى الإيمان به، بما فيهم أهل الكتاب، وأمر بجهاد من لم يؤمن به منهم. يُذكر في هذا السياق تفاعل النبي مع اليهود والنصارى ودعوتهم إلى الإسلام أو الجزية.

أحكام العهد مع المشركين وتفسير آية السيف

يناقش المقطع تفسير آية السيف وأحكام العهد مع المشركين، حيث يبين أن العهد المطلق غير لازم ويمكن نقضه، بينما العهد المؤقت لازم. كما يشير إلى أن الأصل هو دعوة الكفار إلى الإسلام، وفرض الجزية أو القتال إذا لم يستجيبوا.

فرض الحج على المسلمين وتوقيته

فرض الحج على كل مسلم في السنة التاسعة من الهجرة، وقد حج النبي عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة. هذا هو القول الصحيح في فرضية الحج.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: الكتاب يجواب الصحيح يمبدل دين المسيح. قال: والمقصود هنا أنه تفرط أهل الكتاب في النبي صلى الله عليه وسلم، كل يقول فيه قولا هو نظير تفرق سائر الكفار، فإن الكفار بالأنبياء من عاداتهم أن تقول كل طائفة فيه قولا يناقض قول الطائفة الأخرى، وكذلك قولهم في الكتاب الذي أنزل عليه، وأقوالهم كلها أقوال مختلفة باطلة. وهذا هو الاختلاف المذموم الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾، وفي قوله: ﴿إنكم لفي قول مختلف يوفك عنه من أفك﴾، وقوله تعالى: ﴿إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾، وقوله: ﴿لا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾، يوم ﴿تبيض وجوه وتسود وجوه﴾. قوله تعالى: ﴿من الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به وأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾. ومثال أقوال الكفار في الأنبياء ما ذكره تعالى في قوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾... إلى أن قال: ﴿قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما﴾. وقالوا: ﴿ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها﴾، فقال الظالمون: ﴿إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾. انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا. فبين سبحانه أن الكفار ضربوا له أمثالا كلها باطلا، فظلوا فيها عن الحق، فلا يستطيعون مع الضلال سبيلا إلى الحق. وضرب الأمثال له يتضمن تمثيله بأناس آخرين، وجعله بذلك الأنواع التي ليس هو منها، ولا مماثلا لأفرادها، مثل قولهم: ﴿إن هذا إلا إفك افتريناه وأعان عليه قوم آخرون﴾، مثلوه بالكاذب المستعين بمن يعينه على ما يفتريه، ومثلوه بمن يستكتب أساطير الأولين من غيره، فتقرأ عليه طرفي النهار وهو يتعلم من أولئك ما يقوله، ومثلوه بالمسحور. وكذلك قوله تعالى: ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم النفورا﴾... إلى أن قال: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا﴾. قال تعالى: �ا سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾... إلى قوله: ﴿فذرهم وما يفترون﴾. قال كثير من السلف: "الذين جعلوا القرآن عضين هم الذين عظوه فقالوا: سحر، وشعر، وكهانة، ونحو ذلك". كما قال تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين﴾... إلى قوله: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾. وقال: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين﴾... إلى قوله: ﴿فلياتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين﴾. قال تعالى: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾... إلى قوله: ﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم﴾. ثم قال تعالى: ﴿وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون﴾... إلى قوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. وقال: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾. قال تعالى: ﴿ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾... إلى قوله: ﴿وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون﴾. وقالوا: ﴿لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين﴾... إلى قوله: ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون﴾. قال تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون﴾. وقال تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾. قال تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين﴾. فقد أقسم تعالى أن هذه سنة الله في الأنبياء قبله، كما قال: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾... إلى قوله: ﴿بل هم قوم طاغون﴾. وقال تعالى: ﴿ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾. وقال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾... إلى قوله: ﴿فذرهم وما يفترون﴾. وقد أقسم سبحانه أن الكفار قالوا عن موسى عليه السلام: إنه ساحر، وأنه مجنون. وقال فرعون: ﴿قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾. وقوله: ﴿وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك﴾. وقال: ﴿إنه كبيركم الذي علمكم السحر﴾. وكذلك قالوا عن المسيح لمريم، كما قال تعالى: ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين﴾. وذكر تعالى عن اليهود أنهم قالوا على مريم بهتانا عظيما. فقول اليهود في المسيح من جنس أقوال الكفار في الأنبياء، وكذلك قول كفار أهل الكتاب في خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم تسليما. فإذا علم هذا، فنقول بعد ذلك لمن قال: إنه رسول أرسل إلى العرب الجاهلية دون أهل الكتاب: إنهم معلوم بالضرورة لكل من علم أحواله بالنقل المتواتر، الذي هو أعظم متواتر مما ينقل عن موسى وعيسى وغيرهما، وبالقرآن المتواتر عنه، وسنته المتواتر عنه، وسنة خلفائه الراشدين من بعده: أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنه أرسل إلى أهل الكتاب اليهود والنصارى، كما ذكر أنه أرسل إلى الأميين، بل ذكر أنه أرسل إلى جميع بني آدم، عربهم وعجمهم، من الروم والفرس والترك والهن والبربر والحبشة وسائر الأمم، بل إنه أرسل إلى الثقلين الجن والإنس جميعا. وهذا كله من الأمور الظاهرة المتواترة عنه، الذي اتفق على نقلها عنه أصحابه مع كثرتهم وتفرق ديارهم وأحوالهم. وقد صحبه عشرات ألوف، لا يحصى عددهم على الحقيقة إلا الله تعالى، ونقل ذلك عنه متابعون، وهم أضعاف الصحابة عددا، ثم ذلك منقول قرن بعد قرن إلى زمننا، مع كثرة المسلمين وانتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها. كما أخبر بذلك قبل أن يكون، فقال في الحديث الصحيح: «زويت لي الأرض ورأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». وكان كما أخبر، فبلغ ملك أمته طرفي العمارة شرقا وغربا، وانتشرت دعوته في وسط الأرض، كالإقليم الثالث والرابع والخامس، لأنهم أكملوا عقولا وأخلاقا، وأعدلوا أمزجة، بخلاف طرفي الجنوب والشمال، فإن هؤلاء نقصت عقولهم وأخلاقهم، وانحرفت أمزجتهم. أما طرف الجنوب، فإنه لقوة الحرارة احترقت أكبادهم، فسودت ألوانهم، وتجعدت شعورهم. وأما أهل طرف الشمال، فلقوة البرد لم تنضج أكبادهم، بل صارت فجة، فأفرطوا في سبوطة الشعر والبياض البارد الذي لا يستحسن. ولهذا لما ظهر الإسلام غلب أهله على وسط المعمورة، وهم أعدل بني آدم وأكملهم. والنصارى الذين تربوا تحت ذمة المسلمين أكمل من غيرهم من النصارى عقولا وأخلاقا. وأما النصارى المحاربون للمسلمين، الخارجون عن ذمتهم من أهل الجنوب والشمال، فهم أنقصوا عقولا وأخلاقا. ولما فيهم من نقص العقول والأخلاق ظهرت فيهم النصرانية دون الإسلام. والمقصود أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو نفسه دعا أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى الإيمان به وبما جاء به، كما دعا من لا كتاب له من العرب وسائر الأمم. وهو الذي أخبر عن الله تبارك وتعالى بكفر من لم يؤمن به من أهل الكتاب وغيرهم، وبأنهم يصلون جهنم، وساءت مصيرا. وهو الذي أمر بجهادهم، ودعاهم بنفسه ونوابه. وحينئذ فقولهم في الكتاب: لم يأت إلينا، بل إلى الجاهلية من العرب، سواء أرادوا أن الله بعثه إلى العرب ولم يبعثه إلينا، أو أرادوا أنه ادعى أنه أرسل إلى العرب لا إلينا، فإنه قد علم جميع الطوائف أن محمدا دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان به، وذكر أن الله أرسله إليهم، وأمره بجهاد من لم يؤمن به منهم. فإذا قيل مع هذا: إنه قال: لم أبعث إلا إلى العرب، كان كاذبا، كذبا ظاهرا عليه، سواء صدقه الإنسان أو كذبه. فإن المقصود هنا أنه نفسه دعا جميع أهل الأرض إلى الإيمان به، فدعا أهل الكتاب كما دعا الأميين. أما اليهود، فإنهم كانوا جيرانه في الحجاز، في المدينة وما حولها وخيبر. فإن المهاجرين والأنصار كلهم آمنوا به من غير سيف ولا قتال، بل لما ظهر لهم من براهين نبوته ودلائل صدقه آمنوا به. وقد حصل من الأذى في الله لمن آمن بالله ما هو معروف في السيرة. وقد آمن به في حياته كثير من اليهود والنصارى، بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وكثير منهم كانوا بغير مكة والمدينة. فلما قدم المدينة عاهد من لم يؤمن به من اليهود، ثم نقضوا العهد، فأجلى بعضهم، وقتل بعضهم لمحاربتهم لله ورسوله. وقد قاتلهم مرة بعد مرة، قاتل بني النضير، وأنزل الله تعالى فيهم سورة الحشر. وقاتل قريظة عام الأحزاب، وذكرهم الله في سورة الأحزاب. وقاتل قبلهم بني قينقاع، وبعد هؤلاء غزا خيبر، هو وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوه تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، ففتح الله عليهم خيبر، وأقر اليهود فيها فلاحين. وأما النصارى، فإن أهل نجران التي باليمن كانوا نصارى، فقدم عليه وفدهم ستون راكبا، وناظرهم في مسجده، وأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران. ولما ظهرت حجته عليهم، وتبين لهم أنه رسول الله إليهم، أمره الله إن لم يجيبوه أن يدعوهم إلى المباهلة. فقال تعالى: ﴿فمن حاجك فيهم من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾. فلما دعاهم إلى المباهلة طالبوا أن يمهلهم حتى يشتروا، فقال بعضهم لبعض: تعلمون أنه نبي، وأنه ما باهل قوم نبيا إلا نزل بهم العذاب، فاستعفوا من المباهلة، فصالحوه، وأقروا له بالجزية عن يد وهم صاغرون. لما خافوا من دعائه عليهم لعلمهم أنه نبي، فدخلوا تحت حكمه، كما يدخل أهل الذمة الذين في بلاد المسلمين تحت حكم الله ورسوله، وأدوا إليه الجزية عن يد وهم صاغرون، وهم أول من أدى الجزية من النصارى. واستعمل عليهم وعلى من أسلم منهم عمر بن حزم الأنصاري، وكتب له كتابا مشهورا يذكر فيه شرائع الدين، فكانوا في ذمة المسلمين تحت حكم الله ورسوله ونائب رسوله عمر بن حزم الأنصاري رضي الله عنه. وقصتهم مشهورة متواترة، نقلها أهل السير وأهل الحديث وأهل الفقه. وأصل حديثهم معروف في الصحاح والسنن، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ووفد نجران لما قدموا أنزل الله تبارك وتعالى بسبب ما جرى صدر سورة آل عمران. وذكر تعالى فرض الحج بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾. وهذا نزل إما سنة تسع وإما سنة عشر، كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء، منهم القاضي أبو يعلى وغيره. قالوا: وجوب الحج ثبت بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾. وروي أنه نزل في سنة عشر، وروي أنه نزل في سنة تسع. وهذا قول جمهور العلماء. قالوا: إن فرض الحج إنما ثبت بهذه الآية. وقال بعضهم: بل ثبت ذلك بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. وهذه الآية نزلت سنة ست، عام الحديبية، لما صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت، وصالحهم ذلك العام، وبايع المسلمون تحت الشجرة، وأنزل الله فيها سورة الفتح، ثم رجع إلى المدينة، وفتح الله عليهم خيبر سنة سبع. وفيها قدم عليه جعفر بن أبي طالب مع وفد الحبشة، ثم أرسل جعفرا وزيدا وعبد الله بن رواحة لغزو النصارى لمؤتة. ثم فتح مكة سنة ثمان في رمضان، ثم في أثناء سنة تسع غزا النصارى إلى تبوك. وفيها حج أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأمر أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأردفه بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لنبذ العهود، وأنزل الله آية السيف المطلقة بجهاد المشركين وجهاد أهل الكتاب. فقال تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾. وهذا الأشهر عند جمهور العلماء هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فسيروا في الأرض أربعة أشهر وأعلموا أنكم غير معجز الله وأن الله مخزي الكافرين﴾. فإن المشركين كانوا على نوعين: نوعا لهم عهد مطلق غير مؤقت، وهو عقد جائز غير لازم. ونوعا لهم عهد مؤقت، فأمر الله رسوله أن ينبذ إلى المشركين أهل العهد المطلق، لأن هذا العهد جائز غير لازم. وأمره أن يسيرهم أربعة أشهر، ومن كان له عهد مؤقت فهو عهد لازم، فأمره الله أن يوفي له إذا كان مؤقتا. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الهدنة لا تجوز إلا مؤقتا، وذهب بعضهم إلى أنه يجوز للإمام أن يفسخ الهدنة مع قيامهم بالواجب. والصواب والقول الثالث: أنه يجوز مطلقا ومؤقتا، فأما المطلق فجائز غير لازم، يخير بين إمضائها وبين نقضها. والمؤقتة لازمة. قال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيروا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجز الله وأن الله مخزي الكافرين﴾... إلى قوله: ﴿كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم أكثرهم فاسقون﴾. المقصود هنا ذكر قدوم وفد نجران. أورد رحمه الله تعالى بهذا المقطع أولا إشارة لأن من سنة أهل الكتاب معارضة الأنبياء بأنواع المعارضات والتكذيب، ثم ذكر أمثلة مما وقع عند اليهود وعند النصارى فيما بينهم، ثم ما وقع منهم مع نبينا عليه الصلاة والسلام، وما أرسل به من كتاب. ثم شرع رحمه الله في بيان الرد المفصل لشبهة هؤلاء النصارى الذين زعموا أن النبي عليه الصلاة والسلام بُعث إلى العرب خاصة. فذكر حوادث كثيرة دلت عليها أدلة الكتاب وصحيح السنة، وأكثرها في الصحيحين، تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا وقاتل، وفرض الجزية على اليهود والنصارى. وذكر أن مراده رحمه الله تعالى أن يشير الآن إشارة مجملة إلى ثبوت هذا المعنى في أدلة الكتاب وصحيح السنة، وبما لا يخفى على أحد من العارفين في تاريخ أهل الإسلام مع أهل الكتابين. فإنه لا يخفى ليس فقط على المسلمين، بل حتى على أهل الكتابين ما وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته مع اليهود والنصارى. فإنه يدل دلالة قاطعة أنهم دعوا إلى دين الإسلام، ومن لم يستجب فرضت عليه الجزية أو قوتل. وأدل ذلك من المتواتر المقطوع به الذي لا يحتاج إلى استدلال ونظر، بل العلم به من العلم الضروري الذي يقع من غير نظر ولا استدلال، فضلا أن يحتاج إلى أن يستدل به على هذه المسألة. ولكن لما كان مثل هذا قد يخفى على بعض الأتباع والمقلدين، احتاج إلى ذكر أدلة كثيرة يكون بها دخول اليقين على قلب الجاهل والمقلد: أن هذه الشبهة ضعيفة ولا تقوم لمعارضة الأدلة الكثيرة المقطوع بها على هذه المسألة. وذكر أن ما كان مؤقتا وما كان مطلقا، فإنه يمهل إلى الوقت الذي تكون فيه قوة شوكة المسلمين، وما كان مؤقتا فينبغي أن لا يزيد على أربعة أشهر. هذا المعنى هو المهم. يعني من تركوا لمصلحة، والأصل أن كل كتابي وكل مشرك مدعو إلى دين الإسلام. متى يقاتل؟ متى ما كانت هناك قوة وشوكة للمسلمين، لا مطلقا. ما في حد. يعني الآن مثلا يوجد الآن يوم مسلمون في جزيرة العرب، ويوجد في أطراف الجزيرة دول كافرة، لو قدر أنه ليس بينهم وبينهم صلح، فما في قتال. والأصل الأمان بينهم وبين الكفار هؤلاء ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقاتل حتى يندر هؤلاء. فهؤلاء مطلق الأمان معهم مطلقا إلى أن يأتي وقته. والله أعلم. تقريبا هكذا. المطلق يعني يحتاجه المسلمون، وهو يكون على الأصل. أصلا الأصل أن من كان بعيدا فبينه وبين المسلمين أمان ما بينهم حرب، فيكون على هذا المعنى. وأما القريب، فتكون بينه وبين المسلمين غالبا صلح أو عهد ونحو ذلك، لا ما يلزم أن يكون هناك عقد، هو عقد جائز غير لازم، ما يلزم أن يكون هناك عقد تم وكتب. أي غير لازم بالوفاء، لكن ما وجد العقد قد يوجد عقد وقد لا يوجد. هذا المطلق، بخلاف المؤقت، المؤقت يوجد فيه كتاب وعهد منطوق أو مكتوب. مثل اليهود حول المدينة، لا يوجد هدن مؤبدة، ما توجد هدن مؤبدة، إنما مطلق. فرق بين المطلق والمؤبد. المؤبد ما يجوز للمسلم أن يفعل شيئا مؤبدا، لأنه يعلم الغيب ما يعلم الغيب غير الله. نعم ما أحد يقول للمؤبد، لكن مطلقا، المطلق إلى أن يشاء الله من قبل المسلمين ومن قبل الكافر. قد يعتدي بعض الكفار فينقضون العهد أو ينقضون الهدنة، وقد يحتاج المسلمون إلى دعوة الكفار بعد حين، فيقوم بذات الوقت نقض الهدنة. الله أعلم. إذا حصل نقض من لا يجب أن يدعوهم للإسلام، وبعد ما يدعوهم يخيروهم بين الجزية والقتال أو الإسلام. لا عمرة الحديبية فيها الأمر بالتمام، وأتم الحج والعمرة لله، إتمام النسك فيه الأمر بإتمام النسك، من دخل بالنسك لابد أن يتمه، ومن لم يتمه فعليه فدية. وإن حصرتهم فمستيسر من الهدي. وأما آية الحج في فريضتها على كل مسلم، فرض عين، هذا ما كان إلا في السنة التاسعة، على القول الصحيح، في آخر التاسعة. والنبي عليه الصلاة والسلام حج بها في العاشرة. والله أعلم.