الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 40

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 40

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 40، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعظيم القرآن للمسيح وأمه

يناقش تعظيم القرآن للمسيح وأمه، ويبين أن هذا التعظيم حق وأن المسلمين يمتدحون من كان على دين المسيح قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. كما يشير إلى موقف اليهود والنصارى من الطهارة والتحليل والتحريم.

الوسطية الإسلامية في الطهارة والتوحيد

يتناول تفاصيل حول الطهارة والتوحيد عند المسلمين مقارنة باليهود والنصارى، ويبين أن المسلمين وسط بين الطرفين في وصف الله تعالى. كما يحذر من الممارسات الخاطئة في الطهارة والصلاة وتكفير المسلمين.

موقف أهل الكتاب من الإسلام والوسطية في وصف الأنبياء

يتناول الوسطية الإسلامية في وصف المسيح وأمه، وموقف أهل الكتاب من الإسلام، ويشير إلى أن القرآن يعظم المسيح وأمه تعظيما حقا. كما يذكر أن بعض أهل الكتاب آمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قول فصل. قولهم: ثم وجدنا في هذا الكتاب من تعظيم السيد المسيح وأمه، حيث يقول في سورة الأنبياء: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقال في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، مع الشهادات للسيد المسيح بالمعجزات، وأنه حبلت به أمه من غير مباضعة رجل لبشارة ملائكة الله لأمه، وأنه تكلم في المهد، وأحيا الميت، وأبرأ الأكمة، ونقى الأبرص، وأنه خلق من الطين كهيئة الطير، فنفخ فيه فكان طائرا بإذن الله -أي بإذن اللهوت الذي هو كلمة الله المتحدة في الناسوت-. ووجدنا أيضا في الكتاب أن الله رفعه إليه، وقال في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وفي سورة آل عمران: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وقال في سورة البقرة: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، وقال في سورة الحديد: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً افْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾، وقال في سورة آل عمران: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ثم وجدناه يعظم إنجيلنا. الجواب: أما تعظيم المسيح وأمه فهو حق، وكذلك مدح من كان على دينه، وكذلك مدح من كان على دينه الذي لم يبدل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو بقي على ذلك إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فآمن به، فإن هؤلاء مؤمنون مسلمون مهتدون. وكذلك من كان على دين موسى الذي لم يبدل إلى أن بعث المسيح فآمن به، فهؤلاء مؤمنون مسلمون مهتدون. وقد قدمنا أن المسلمين هم عدل متوسطون لا ينحرفون إلى غلو ولا إلى تقصير. وأما اليهود والنصارى فهم على طرفين متقابلين، هؤلاء ينحرفون إلى جهة، وهؤلاء إلى الجهة التي تقابلها. كما ذكرنا تقابلهم في النسخ، وكذلك تقابلهم في التحريم والتحليل، والطهارة والنجاسة. فإن اليهود حرمت عليهم الطيبات، وهم يبالغون في اجتناب النجاسات، حتى إن الحائض لا يواكلونها، ولا يساكنونها، ولا يجامعونها. وكانوا لا يرون إزالة النجاسة من الثوب، بل يقرضون موضعها، ويستخرجون الدم من العروق، إلى غير ذلك من الآصار والأغلال التي كانت عليهم. وأما النصارى، ففي مقابلتهم تجد عامتهم لا يرون شيئا حراما، ولا نجسا، إلا ما كرهه الإنسان بطبعه. ويصلون مع الجنابة والحدث، وحمل النجاسات، ويأكلون الخبائث كالدم والميتة ولحم الخنزير، إلا من كره منهم شيئا فتركه. والمسلمون وسط، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، أي: عدلا خيارا. قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ولهذا كان من انحرف من المسلمين إلى شبه اليهود والنصارى مأمورا بترك ذلك الانحراف، واتباع الصراط المستقيم: ﴿صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، غير المغضوب عليهم كاليهود، وغير الضالين كالنصارى. وذلك مثل من يبالغ في اجتناب النجاسات، فينجس ما لم ينجسه الله ورسوله، ويحرم ما لم يحرمه الله ورسوله، ويأخذه الوسواس في اجتناب النجاسات، ويحرم طيبات أحلها الله للمسلمين. مثل من يرى أن القياس أن النجاسة لا تزول لا بماء ولا بغيره، أو يرى أنها وإن زالت فلم يبق لها أثر، فالمحل نجس إذا لم تزل بما يشترطه هو من الماء أو غيره. أو يرى أن الطيبات التي أحلها الله حرام خبيثة لأنها مستحيلة عن المحرم، مع أن الخلاء حلال، وإن كان قد كان خمرا باتفاق المسلمين إذا بدر إلى حالته. أو يرى أن الماء الطيب والمائعات الطيبة التي ليس فيها أثر من الخبيث حرام لكون الخبيث لا طهور أو استهلك فيها، مع أنها من الطيبات لا من الخبائث. أو يرى تحريم ما سوى موضع الدم الذي هو أذى، إلى غير ذلك من أقوال قالها بعض العلماء، ولكن غيرهم نازعهم في ذلك، واتبع ما دل عليه الكتاب والسنة. وأعظم من ذلك من يكفر من خالفه من المسلمين، ويرى نجاسة الكفار كما عليه كثير من أهل البدع من الرافضة والخوارج وغيرهم، فإذا أكل غيرهم من وعائهم نجسه عندهم. وأما ما يفعله كثير من الناس من غير أن يقوله عالم، مثل من يغسل يديه وثيابه، وحصر بيته بتوهم نجاستها. أو يأمر الحائض إذا طهرت أن تبدل ثيابها الأولى، أو تغسلها. أو يمنع الجنب أن يأكل أو يشرب حتى يغتسل، فهذا كثير فيمن يشبه اليهود، بل يشبه سامرة اليهود. وأما من يشبه النصارى، فمثل من يحسن الظن بمن لا يتطهر ولا يصلي من المنسوبين إلى الفقر والزهد والعبادة. مثل من يكون في مواضع الشياطين والنجاسات كالحمام والأتاتين والمزابل، وهو متلوث بالبول والعدرة، ويعاشر الكلاب، ولا يتوضأ ولا يغتسل من الجنابة، بل ولا يصلي. أو يصلي بلا وضوء. وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الصلوات الخمس فرض على كل أحد، وأن الوضوء من الحدث، والاغتسال من الجنابة فرض لا يصلي إلا به مع القدرة، ولا يتيمم مع القدرة. فمن أنكر وجوب ذلك فهو كافر باتفاق المسلمين. ومن جعل الزاهد العابد الذي له نوع من الخوارق مثل نوع من الكشف والتصرف الذي يكون من الشياطين، والجهال يظنون أنه من كرامات أولياء الله، إذا لم يكن يصلي الصلوات الخمس، ويتوضأ ويغتسل من الجنابة، من المؤمنين أو من أولياء الله، فهو كافر باتفاق المسلمين. ومن لم يحرم الخبائث التي حرمها الله ورسوله كالبراز والعذرة والدم والميتة ولحم الخنزير والخمر، فهو كافر باتفاق المسلمين. ومن جعل مستحل ذلك مع العلم بمخالفته لدين الرسول وليا لله، فهو كافر باتفاق المسلمين. وكذلك فيمن ينتحل الإسلام ويذم أهل الكتاب، من يكون منافقا في الدرك الأسفل من النار، ويكون كثير من اليهود والنصارى أخف عذابا في الآخرة منه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وكذلك المسلمون وأهل السنة في المسلمين، وكذلك في التوحيد. فإن اليهود شبهوا الخالق بالمخلوق فيما يختص بالمخلوق، وهو صفات النقص الذي يجب تنزيه الرب عنها. والنصارى شبهوا المخلوق بالخالق فيما يختص بالخالق، وهو صفات الكمال التي لا يستحقها إلا الله تبارك وتعالى. فقال من قال من اليهود: «إن الله فقير ونحن أغنياء»، وقال: «يد الله مغلولة»، وهو بخيل. وقال: «إنه خلق العالم فتعذب، فاستراح». وحكي عن بعضهم أنه قال: «بكى على الطوفان حتى رمد»، «وعادته الملائكة»، «وأنه ناح على بعض من أهلكه من عباده كما ينوح المصاب على ميته»، وأمثال ذلك مما يتعالى الله عنه، ويتجده سبحانه وتعالى. وأيضا فهم يستكبرون عن عبادة الله وطاعة رسله، ويعصون أمره، ويتعدون حدوده، ولا يجوزون له أن ينسخ ما شرعه، بل يحجرون عليه. والنصارى يصفون المخلوق بما يتصف به الخالق، فيجعلونه رب العالمين، خالق كل شيء ومليكه، الذي هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير. واتخذوا أحترموا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، والمسيح بن مريم. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. والمسلمون وسط، يصفون الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. يصفونه بصفات الكمال، وينزهونه عن النقائص التي تمتنع على الخالق، ولا يتصف بها إلا المخلوق. فيصفونه بالحياة والعلم والقدرة والرحمة، والعزة والإحسان. وينزهونه عن الموت والنوم والجهل والعجز والظلم والفناء. ويعلمون مع ذلك أنه لا مثيل له في شيء من صفات الكمال، فلا أحد يعلم مثل علمه، ولا يقدر مثل قدرته، ولا يرحم مثل رحمته، ولا يسمع مثل سمعه، ولا يبصر مثل بصره، ولا يخلق مثل خلقه، ولا يستوي مثل استوائه، ولا يأتي مثل إتيانه، ولا ينزل مثل نزوله. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ولا يصفون أحدا من المخلوقين بخصائص الخالق جل جلاله. بل كل ما سواه من الملائكة والأنبياء وسائر الخلق، فقير إليه، عبد له، وهو الصمد الذي يحتاج إليه كل شيء، ويسأله كل أحد، وهو غني بنفسه، لا يحتاج إلى أحد في شيء من الأشياء. كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا مِنْ كُلِّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. وكذلك هم في المسيح، فالنصارى يقولون: هو الله، ويقولون أيضا: هو ابن الله. وهو إله، وهو إله، إله، إله، إله، إله، أو آلهة. وهو إله تام، وإنسان تام. واليهود يقولون: هو ولد زنا، وهو ابن يوسف النجار. ويقولون عن مريم: إنها بغي بعيسى. كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. ويقولون: هو ساحر. وأما المسلمون، فيقولون: هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه. وهو وجيه في الدنيا والآخرة، ومن المقربين. ويصفونه بما وصف الله به في كتابه، لا يغلون فيه غلو النصارى، ولا يقصرون في حقه تنصيرا لليهود. وكذلك قولهم في سائر الأنبياء والمرسلين، وفي أولياء الله. فاليهود قتلوا النبيين، والذين يأمرون بالقسط من الناس. والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، والمسيح بن مريم. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ومع هذا فقد شاركت النصارى اليهود في نفس حق كثير من الأنبياء، فيقولون: إن سليمان لم يكن نبيا. ويقولون: إن الحواريين مثل موسى وإبراهيم. ويقولون: إن من عمل بوصايا الله من غير الأنبياء صار مثل الأنبياء، وكان له أن يشرع شريعة. وبعض اليهود غلوا في العزير حتى قالوا: إنه ابن الله. ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله»، «وقولوا: عبد الله ورسوله». جعل المؤلف -رحمه الله- أول هذا الفصل في الكلام على وسطية المسلمين، والرد على شبهتهم بأن في القرآن تعظيما للمسيح وأمه. فخلاصة الجواب: أن هذا التعظيم تعظيم حق، وهو تعظيم وسط بين انتقاص اليهود، وغلو النصارى. انتقاص اليهود الذي هو مسلك من مسالكهم في كثير من القضايا الدينية الشرعية، سلكوا فيها مسلك الجحود والعناد والعنف والقسوة والإعراض. ومسلك النصارى الذين سلكوا مسلك الغلو والتساهل والتفريط والتضييع لدين الله عز وجل. وضرب أمثلة ومرت معنا أمثلة على ذلك في أبواب كثيرة من المسائل الدينية، سواء النسخ أو الطهارة أو غيرها مما أشار إليه. ثم نبه كذلك أنه مع ذلك لا يعني أن اليهود سلموا من الغلو، فعندهم بعض الغلو، كقولهم: «العزير ابن الله». وأن النصارى ليس معنى ذلك أنهم سلموا من الجفاء والعناد والجحود، بل هم زعموا أن سليمان لم يكن نبيا، فلهؤلاء نصيب من هؤلاء، وهؤلاء لهم نصيب من هؤلاء. وهذا سبيل من لم يتخذ ما أنزل الله حكما ومتبعا. والوسط هو طريقة أهل الإسلام التي أمر الله عز وجل بها. ثم أشار إلى الحديث: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله»، «إنما أنا عبد الله». والحديث مشهور، حديث عمر -رضي الله عنه- عند البخاري وغيره. والشاهد منه: أن أهل الإسلام حافظوا على منزلة عيسى -عليه الصلاة والسلام- ومنزلة الأنبياء جميعا. ومع ذلك لا يبالغون ولا يطرون، ولا يعظمون التعظيم الذي فيه ذريعة للشرك، فضلا عن نفس الشرك. حتى الإطراء -وهو المبالغة في المدح والإكثار منه- كرهه النبي -عليه الصلاة والسلام- لنفسه، سدًا لذريعة الغلو والشرك، وهذا الذي وقع فيه النصارى، وضدهم اليهود. فالمهم: شبهتهم التي استدلوا بها في الحقيقة هي رد عليهم، لأن القرآن لم يذكر إلا كلمة العدل التي يعلمها المنصفون من النصارى. كما قال النجاشي حين أراد بعض المشركين أن يهيجوه على المسلمين: أنهم يتنقصون المسيح، فلما تليت عليه أوائل سورة مريم، قال: «ما تجاوز هذا ما نزل على عيسى -عليه الصلاة والسلام-»، يريد الإنجيل. وهذا هو الحق الذي يعلمه المنصفون من النصارى. كما قال شيخ الإسلام: «إن أهل الإسلام يقولون الحق والإنصاف في المسيح وأمه»، وهكذا في النصارى واليهود الذين لم يغيروا ولم يبدلوا. ولهذا من لم يغير ولم يبدل، فإنه إذا بلغه أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- سرعان ما يؤمن به، كما وقع لورقة بن نوفل، وما وقع كذلك لعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وجماعة من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-.