تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 8

تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 8

الدرس في تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التقوى والإعداد ليوم القيامة

يوصي الله المؤمنين بتقواه والنظر فيما قدموه ليوم القيامة، ويحذر من نسيانه وترك طاعته. يُؤكد على أهمية التقوى في إصلاح حال الإنسان ويشير إلى علم الله الشامل بكل أعمال العباد.

تحقيق تقوى الله وعلاقتها بالإيمان

الآية الكريمة تنبه إلى أهمية تقوى الله وتحذّر من مغبة نسيانه وترك طاعته، مشيرة إلى أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. تقوى الله تتمثل في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهي شرط لصحة الإيمان.

تحذير الله من الفسوق والغفلة وختامه

يتناول المقطع تحذير الله عز وجل من الفسوق والغفلة عن تقواه، ويبين أن من ينسى الله يخسر الدنيا والآخرة. كما يُظهر المقطع التزام المُتحدث بالتوجهات الدينية ويشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. قال المفسر رحمه الله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ» ليوم القيامة، «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ» تركوا طاعته، «فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ» أن يقدموا لها خيرا، «أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في هذه السورة، سورة الحشر، وهذه الآيات تتم وشبه خاتمة لما قبلها مما أخبر الله عز وجل به من أمر اليهود ومن حالفوهم من المشركين والمنافقين، وما كانوا عليه في خيانتهم، وفي كذلك تحالفهم الكاذب، وفي إيثارهم الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، وكل هذا فيه من العظات والعبر الشيء الكثير. فختم الله عز وجل بهذه الآيات بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. قال المفسر رحمه الله: «ليوم القيامة»، وهو كل ما يكون بعد الموت، فمن مات فقد قامت قيامته، كما جاء في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «إن جاء أولئك الأعراب فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فنظر إلى أصغرهم، قال: إن يمت هذا تقم قيامتكم»، والمعنى: من مات فقد قامت قيامته، فكل ما بعد الموت فهو من منازل يوم القيامة، وهذا هو من الغد الذي حذرنا الله عز وجل من أمره، وأمرنا أن نعد العدة له. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تأكيد للأمر بالتقوى لعظيم شأنها في إصلاح حال هذا الإنسان، وهو أن تجعل أو نجعل بيننا وبين الله وغضبه وقاية بامتثال أوامره واجتناب نواهيه بالسر والعلن، بالظاهر والباطن، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ إذا جاء اسمه الخبير، كما تقدم وتكرر، وهو فيه إشارة إلى علمه سبحانه وتعالى ببواطن الأمور وظواهرها، فلا يخفى على الله عز وجل من أمر عباده شيء. وهذه الآية مناسبة أن توضع في هذا الموضع، كما أن الله عز وجل فضح هؤلاء اليهود المنافقين والمشركين، فعلم ما يتمالؤون به، ففضحهم بالدنيا وعذبهم وعاقبهم، فكذلك ينبغي أن يحذر المسلم والمؤمن من أن يصيبه بعض ما أصاب أولئك، فإنه إذا لم يتق الله جل وعلا فليخش عقوبته سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، فإن الله لا يخفى عليه من أمر عباده شيء. وكذلك زيادة إنذار وإعذار لمن يرجى فيه الخير لعموم الناس، ولهذا جاء الأمر بالتقوى للمؤمنين وللناس أجمعين، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، فأمره بالتقوى للناس أجمعين يشمل المسلم والكافر، والبر والفاجر، لعل أحدا منهم يتذكر ويعتبر فيرجع إليه سبحانه وتعالى. وهكذا أمر بالتقوى أهل الإيمان، وكما جاء في أثر ابن مسعود: «إذا نودي بالنداء الإيمان فليرعَ المنادى سمعَه»، فإنه معنى كلامه من لوازم الإيمان، فتقوى الله من لوازم الإيمان، لا يتم الإيمان ولا يكمل إلا بتحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى. ولأن الإيمان اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتقوى الله مما يتحقق به الإيمان، ولا يتقي العبد ربه إلا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وذلك تحقيق معنى الإيمان الذي إن صدق وقر في قلبه معناه صدقته الجوارح بقول اللسان الصادق وعمل الجوارح المبرهن الذي يدل على صدق ما في القلب، وإلا فكان ادعاء تكذبه الأفعال والأقوال. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فالإنسان الذي لا يقول ولا يعمل بما يقول فإيمانه ناقص، فكيف إذا كان قوله وفعله كذلك يكذب ما في قلبه؟ وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾، قال المفسر رحمه الله: «تركوا طاعته»، النسيان ها هنا بمعنى الترك، وذلك لأن النسيان بمعناه الذي اتصف به الإنسان في ضعفه ونقصه لا يجوز أن يوصف لله عز وجل، والمقصود ها هنا أنهم تعمدوا الترك، فلذلك استحقوا العقوبة على هذا الترك، نسوا بمعنى تركوا، كما ذكر الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وهنا: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾، قال: «أن يقدموا لها خيرا»، هذا بعض المعنى، أي تركوا أنفسهم من أن يقدموا الخير، وكذلك تركوا أنفسهم بأن تتدرج في الشر والسوف، ويؤثروا الدنيا الفانية على الآخرة الباقية. وهذه الآية كذلك مناسبتها ها هنا بما وقع من اليهود والمنافقين والمشركين، فإنهم حققوا هذا الوصف الذي حذر الله عز وجل منه هنا، نسوا الله فأنساهم الله عز وجل أنفسهم، فتدرجوا واستدرجهم الله حتى فعلوا ما فيه خسارة الدنيا قبل الآخرة، وإلا فالعاقل لا يمكن أن يتصرف مثل هذا التصرف، لأنهم يعلمون أنهم إذا نقضوا العهد فقد خاطروا بأرواحهم وأنفسهم، ولكن زين لهم الشيطان كما مر معنا في الآيات السابقة. وهكذا كذلك فيه عظة وعبرة لكل من غفل عن تقوى الله ونسي أن يضبط نفسه الأمارة بالسوء، فإنه يخسر الدنيا قبل الآخرة. وقول: «أولئك هم الفاسقون»، كما تقدم معنا في تعريف طرفي الجملة، أي كأنه لا فاسق إلا هؤلاء، لشدة ما فعلوا من جرم وفسوق، فقد فعلوا الفسق الأعظم والأكبر، وذلك بهذا الفعل الذي فعلوه، فيحذر الله عز وجل من أن يكون من أهل الإيمان من يتشبه ويسير بسيرهم. وقوله سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، مفارقة بين هذين الفريقين، فالآن الخطاب لأهل الإيمان، والمثل المضروب في أهل الكفر والفسوق والنفاق، فهو مثل قول الله عز وجل: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾، فلا يمكن أن يجعل مصير وحال من سلك طريق الجنة كمصير وحال من سلك طريق النار، ولا مصير وحال من حرص على تقوى الله كمن فجر في ذلك، ولا حال من كان مع الله ومراقبا لمعيته كمثل من نسي ذلك واتبع هوى نفسه. وكذلك لا يكون حال من سارع في الخير كمن سارع في الشر والسوء، والمقصود هو وضع العظة والعبرة أن لا يقع من أهل الإيمان شيء من الخلل في إيمانهم، فيكون فيهم شيء من الشبه بأمثال هؤلاء الكافرين والمنافقين، بل ينبغي أن يكون صاحب الإيمان مسارعا في الخير، مجانبا للسوء والشر، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. وهكذا كذلك هاهنا، فصاحب الإيمان يبرهن إيمانه في سلوكه طريق الجنة وأهلها وطريق الفوز، ويحذر من أسباب الخسارة والعقوبة في الدنيا فضلا عن الآخرة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.