الدرس في تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع تفسير الآيات من سورة الحشر، حيث يشبه الله تعالى اليهود بالذين من قبلهم قريبا، ويوضح عاقبة كفرهم وعذابهم. يشرح المفسر معنى الآيات ويبين أن مثل اليهود في ترك الإيمان كمثل أهل بدر من المشركين.
يتناول المقطع تفسير الآية القرآنية ويشرح القولين حول المراد بالمثل في الآية، حيث يرجح أن يكون يهود بني قينقاع هم المقصودون. يوضح أن الآية تشمل المعنيين جميعا ويشرح معنى وبال الأمر وعذاب أليم.
يشرح المقطع التشبيه بين الكافرين والشيطان في الخذلان والغواية، حيث يصف كيف أن الشيطان يعد أتباعه ثم يخذلهم. يبين أن هذا التخاذل يؤدي إلى العذاب الأبدي في النار.
يُنبه المقطع إلى عدم الثقة بأعداء الإسلام مثل اليهود والمنافقين والمشركين، ويشير إلى أن الله سيكشف مكرهم ويفضحهم. يبين أن هذا التحذير يستند إلى ما حدث مع إبليس وأتباعه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان كفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين﴾. قال المفسر رحمه الله: مثلهم في ترك الإيمان كمثل الذين من قبلهم قريبا، بزمن قريب، وهم أهل بدر من المشركين، ذاقوا وبال أمرهم، عقوبته في الدنيا من القتل وغيره، ولهم عذاب أليم مؤلم في الآخرة. مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان كفر، فلما كفر قال: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، كذبا منه ورياء. فكان عاقبتهما -أي الغاوي والمغوي، وقرئ بالرفع اسم كان- أنهما في النار خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين، أي الكافرين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زلنا بهذه الآيات العظيمات، بهذه السورة سورة الحشر، وما فيها من العظات والعبر فيما وقع لليهود والمشركين والمنافقين. وفي هذه الآيات يقول الله عز وجل، مبينا حال اليهود وما أصابهم: ﴿كمثل الذين من قبلهم قريبا﴾. قال المفسر رحمه الله: أي مثل مثلهم في ترك الإيمان، يعني ما أصاب اليهود بسبب تركهم للإيمان. قال: بزمن قريب، هم أهل بدر من المشركين، يعني مثل اليهود هؤلاء وما أصابهم من عقوبة بسبب كفرهم، كمثل ما أصاب المشركين يوم بدر. وكان عهد الإجلاء بما وقع لأهل بدر ليس ببعيد. هذا أحد الأقوال في تفسير هذه الآية. والقول الآخر الذي رجح ابن جرير، ابن كثير، وجماعة من أهل العلم، وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين: أن المراد بهذا المثل يهود بني قينقاع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم قبل أن يجلي بني النضير. وهذا أشبه، وإن كانت الآية عامة تشمل الأمرين معا. وترجيح من رجح من العلماء أن المراد بهم يهود بني قينقاع؛ لأنهم حصل لهم إجلاء. والمعنى: ما أصابكم بسبب نقضكم للعهد والميثاق كمثل الذي أصاب من قبلكم من بني قينقاع؛ فإنهم بسبب نقضهم للعهد والميثاق أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنتم لحقتم بهم، فلم تعتبروا ولم تتعظوا بما أصاب من قبلكم. وعلى المعنى الثاني ما ذكر المؤلف رحمه الله هنا وجه الشبه: أن ما أصابهم بسبب كفرهم مع نقضهم الميثاق. وكل الأمرين صحيح؛ فإن ما أصابهم كان بسبب نقض الميثاق، فهم مثل بني قينقاع، وما أصابهم بسبب كفرهم. ولهذا تعاهدهم والمشركين والمنافقين على التآلب على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ فإن ما أصابهم من عقوبة هو بسبب هذا الكفر وتعاهدهم مع الكافرين والمنافقين. وقوله سبحانه: ﴿ذاقوا وبال أمرهم﴾، أي ما خططوه ومكروا به. قال المفسر رحمه الله: فقوبته في الدنيا من القتل وغيره، يعني القتل الذي أصاب مشركي بدر؛ فأهل بدر أصابهم القتل، واليهود أصابهم الجلاء وفقدان الأرض والمال. وهذا هو قوله: ﴿وبال أمرهم﴾، كل بحسبه: المقاتل بقتله، وناقض العهد بإجلائه. وهذا يؤكد أن الآية تشمل المعنيين جميعا؛ فيكون وجه الشبه هو وجود نقض العهد والميثاق في الإجلاء، ووجود الكفر في القتل والعقوبة. ﴿ولهم عذاب أليم﴾، قال: مؤلم في الآخرة، يعني هذا عذاب الدنيا، وما ينتظرهم في الآخرة أشد وأألم، أعظم وأليم. فعيل صيغة تدل على ملازمة الصفة للموصوف كما تقدم معنا وتكرر، ومعناه عذاب لا ينقطع. كما أن هذا الوصف إذا وصف به لا ينقطع ولا ينفك، مثل ما مر معنا: قتيل لا ينفك وصف القتل عن المقتول، فهو مقتول، ولا يزال هذا الوصف به. وهكذا كذلك الألم لا ينقطع عن هؤلاء الكافرين. وقوله رحمه الله: مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم -يعني فيما تعاهدوا عليه- كمثل الشيطان إذ قال للإنسان كفر، فلما كفر قال: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، يعني كذبا منه، قال: ورياء. والمعنى: هذا التخاذل خدعتم فيه إبليس؛ فالشيطان هو أول من سن التخاذل. وهكذا كل من سار بطريقه وسيره، وهذا عام يشمل تعاهد المنافقين والمشركين وأهل الكتاب، وهكذا كل من سار بسير الشيطان من المبتدعة والعصاة وغيرهم. فتناصر بعضهم لبعض كذلك الوعد بالتعاهد والتناصر والدفع الذي وعد به إبليس، فكان منه الخذلان. وهذه هي مواثيق الكفار والفجار، مواثيق خادعة، ليس فيها شيء من الوفاء. فكان عاقبتهما -قال: الغاوي والمغوي، وقرئ بالرفع، أشار أنها قراءة شاذة، يعني لم تصح، قال: اسم كان، يعني على أنه اسم كان، ولكنها قراءة شاذة، اسم كان مرفوع- أنهما في النار خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين، قال: أي الكافرين؛ فالظلم قد يكون كفرا، ويعلم هذا بالسياق والسباق؛ لما ذكر إبليس وذكر الظلم، علم أن المراد بالظلم ها هنا هو الكفر. ومعناه: أن ما أصابهم هو بسبب كفرهم الذي فيه وصف هذا الظلم؛ فهم ظلموا أنفسهم، وأرادوا أن يظلموا المسلمين، ففضحهم الله سبحانه وتعالى بما كان من تآمرهم مع المنافقين والمشركين. فكذلك ما أصاب الشيطان شبيه فيما كان من عهد وميثاق كاذب مع أتباعه، يشبهه ما كان من عهد وميثاق بين اليهود وبين المنافقين والمشركين، هذا وجه الشبه. والمقصود من هذا بيان أولا: عقوبة الله سبحانه وتعالى لمن كان هذا وصفه. وثانيا: أن أمثال هؤلاء ليس محل ثقة؛ ففيه العظة والعبرة، وكذلك فيه التأييد، وكذلك الإعانة للمسلمين والمؤمنين: أن ما كان من مكر من اليهود والمنافقين والمشركين، الله سيتكفل به، كما فضح إبليس وجنده، فسيفضح كل أتباعه على اختلاف مللهم ومذاهبهم. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، والسلام.