الدرس في شرح تسهيل الفرائض 7، موانع الإرث . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الرق مانع من موانع الإرث، حيث يكون العبد مملوكا ولا يملك التصرف في المال. مال العبد لسيده، فلا يرث ولا يورث.
القتل واختلاف الدين مانعان للإرث، حيث يُفصّل الكلام حول القتل العمد والخطأ وتأثيرهما على الإرث، كما يُبرز اختلاف الدين كمانع مستندًا إلى الآيات والأحاديث.
تناول المقطع مسائل خلافية مثل الإرث بالولاء وإسلام الكافر قبل قسمة التركة، وأشار إلى عدم استثناء شيء من عموم الأدلة على منع التوارث مع اختلاف الدين.
ناقش المقطع أحكام توارث المسلمين الأجانب وضرورة وجود جهة إسلامية، وفي حال عدمها يرجع المال إلى بيت المال لينفق على المستحقين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا رحمه الله تعالى: موانع الإرث. قال: موانع الإرث ثلاثة: الرق والقتل واختلاف الدين. قوله: موانع الإرث، أي: أن من أحكام المواريث وما تذكر في أوائل مباحثه موانع الإرث. والموانع جمع المانع، والمانع لغة مأخوذ من معنى الحجز أو الحاجز. واصطلاحا: اشتهر أنه يعرفونه بأنه وصف يلزم من وجوده عدم متعلقه، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدمه. وأحسن من هذا التعريف ما ذكر عن السبكي وغيره بأنه: الوصف الوجودي الظاهر المنضبط المعرف نقيض الحكم. قالت الأبوة في القصاص، فهو وصف وجودي، يعني: يثبت وجود شيء معين ظاهر منضبط، حتى لا يكون فيه شيء من الخفاء، ومنضبط حتى يكون فيه كذلك دقة وطراد. والمعرف نقيض الحكم، يعني: الذي به ينتقض الحكم، فبالرق لا يكون توريث، وبالأبوة لا يكون قصاص، ونحو ذلك. وقوله: الإرث، سبغ الكلام على معناه. ثم قال رحمه الله: ثلاثة، وسيأتي إن شاء الله ذكرها مفصلة. قال رحمه الله: فالرق وصف يكون به الإنسان مملوكا، يباع ويوهب ويورث ويتصرف فيه، ولا يتصرف تصرفا مستقلا. فالرق كما ذكر شيخنا رحمه الله: وصف يكون به الإنسان مملوكا. وفي الإسلام أو قبل الإسلام كان للرق أسبابا كثيرة. وأما في الإسلام فلم يبقى إلا سبب واحد، وهو ما يكون من الأسر حال كون الإنسان كافرا حربيا. فالذي يؤسر في أرض المعركة أو لأجل الحرب هو الذي يناله حكم الرق. كما أنه بالمقابل ينال المسلم من قبل الكفار مثل ذلك، وأشد. فكان من العدل مقابلة الكفار بمثل ما يفعلون. ومع هذا فقد جعل الله عز وجل أسبابا كثيرة للعتق. وليس المقام مقام الاستطراد في هذا الباب. وفي دروس سابقة سبقت الإشارة إلى هذا المبحث وما يتعلق به. وأقرب درس مر معنا قريبا ما مر معنا في متن الدرر. فالحاصل: المقصود من هذا أن الإسلام ضيق هذا الباب، وأقر ما كان حقا وباقيا لأنه العدل، ولكن بضوابط شرعية. فأبقى لهذا العبد حقه، حتى أنه جعل من اعتدى عليه عتق بهذا الاعتداء، ولو بضرب ولو بلطمة، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالشاهد: قال: وصف يكون به الإنسان مملوكا، يباع ويوهب. وهذا الوصف منه ما سمعت، ومنه أن يوجد وهو كذلك وجد في الإسلام، وكان قبل الإسلام عبدا، فهذا الوصف يبقى، ولكن في الإسلام تكون له شروط وضوابط. قال: يباع ويوهب ويورث ويتصرف فيه، يعني: كتصرف المال، لكن ببعض القيود. ولا يتصرف فيه تصرفا ولا يتصرف تصرفا مستقلا، يعني: في نفسه لأنه مملوك لغيره. ومن ذلك أنه لا يملك المال. ولهذا فإنه لا يورث وهو كذلك لا يرث. فإن كان أب وابن كلاهما عبد، فإذا مات الأب لا يرث الإبن من أبيه، أولا لأن الأب رقيق لا يورث، ولأن الإبن مملوك لا يرث. لا يرث منه، يعني: ما دام وهو كذلك فالمال لن يصل إليه أصلا. لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بن عمر في الصحيحين: «من باع عبدا له مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع». ولقوله عليه الصلاة والسلام، والحديث حسن بمجموع طرقه: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». قال شيخنا رحمه الله: وعرفه بعضهم بأنه عجز حكمي يقوم بالشخص بسبب الكفر. وهذا التعريف فيه معنى ما سبق، وزيادة. سبب هذا النقص في هذا الوصف أنه بسبب الكفر. فالإسلام لم يبقي الرق إلا من هذه الطريق فقط، وليس الكافر مطلقا، ولكن الكافر الحربي. الكافر الحربي الذي يؤسر في الحرب. قال: وإنما كان الرق مانعا من الإرث، لأن الله أضاف الميراث لمستحقه باللام الدال على التمليك، فيكون ملكا للوارث. والرقيق لا يملك، لأن الله عز وجل قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فقوله: «للذكر» للتمليك. والعبد لا يملك، ليس له مال. فلما حصل التعارض علم أنه لا يورث. وهذا المفهوم مؤيد بفتاوى الصحابة الكثيرة المروية في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: والرقيق لا يملك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع عبدا له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع»، متفق عليه، وهو حديث بن عمر المتقدم، أو سبقت الإشارة إليه. قال: فإذا كان لا يملك لم يستحق الإرث، لأنه لو ورث لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت. ولهذا لا يرث. لأنه قال: لو ورث هذا بالنسبة للمال، إذا كان من عبد لغير سيده، فإنه سيرد المال لسيده. ولهذا لا يرث. تأتي ها هنا مسألة بالنسبة للرجل الذي قد أعتق وصار حرا وله مال، ولكن له ولد ما زال عبدا. الآن عندنا عبد وعبد، أب وابن لا يرث الإبن من الأب، لأن الأب أصلا ما يترك من مال، سيأخذه سيده، فماله لسيده. لكن بقي لو كان الأب حرا والابن عبدا، فهل سيرث هذا من ذاك؟ الأب المعتق، على ظاهر كلام الشيخ رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم. وبعضهم نقل فيه الإجماع. ومر معنا في كلام الشوكاني رحمه الله ما يشير أن الإجماع ليس له مستند صحيح. ذكره بالشرح شرح مثل الدرر. أما بالنسبة لهذه المسألة، فالنص مع الإجماع مع فهم الصحابة يفيد أنه لا يرث الابن من الأب ما دام الأب عبدا. لكن إذا كان العبد حرا والابن عبدا، فهل يرث الابن من الأب؟ بعض أهل العلم، ويدل عليه كلام الشوكاني، وقالوا به بعض الظاهرية: أنه يرث لعدم المانع في ذلك، وأنه يدخل في معنى توريث ابن المعتق. وهذا ابن من أبنائه، فلماذا لا يرث؟ علل الشيخ رحمه الله معنى ذلك هنا بماذا؟ بأنه سيذهب لسيده، بأنه سيذهب لسيده. فإذا ذياء إلى سيده، فهو لم يرث في الحقيقة، ولم يستفد من هذا الإرث. وهذا التعليل كما نرى له وجه في هذا المعنى. ولأنه كذلك لا يستفيد بهذا الإرث. وأما ما جاء في حديث سلمة بنت حمزة وتوريث بنت المعتق، فيحمل على معنى آخر، وهو أن بنت هذا المعتق كانت حرة. لأنها لو لم تكن حرة لم يذهب المال لها، بل ذهب المال لمن لسيدها، لذهب المال لسيدها. لظاهر حديث بن عمر: أن المال لسيد العبد أو الأمة. وبهذا يزول الإشكال الذي قد يقول به بعض الظاهرية. ولأجله ورث العبد. والصحيح: أنه لا يرث، لأنه لا يستطيع أن يملك ما دام له سيد، فالمال سيذهب لسيده. وهو كما قيل: لو لم يدل عليه معنى الشرع، لكتبه كذلك حال وواقع الناس، من اعتداء السيد على مال عبده، خصوصا وأنه يعمل عنده ويطعمه ويلبسه وينفق عليه، فسيأخذ ذلك في مقابل ما يعطى من نفقة. قال رحمه الله تعالى: فإذا كان لا يملك لم يستحق الارث، لأنه لو ورث لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت. وهذا ظاهر. قال رحمه الله: والقتل إزهاق. وقد مر معنا أن هذا الكلام ما دام وصف الرق موجود. وأما إذا زال وصف الرق، كأن كان معتقا، فالحكم ما تقدم، وسبقت الإشارة إليه: من أنه يرث ويورث، وأن سيده الذي اعتقه يرثه إذا لم يكن له ورثة. قال: والقتل، أي: الثاني من موانع الإرث: القتل. قال: والقتل إزهاق الروح مباشرة أو تسببا. والذي يمنع من الإرث من القتل: ما كان بغير حق، بحيث يأثم بتعمده. لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرث القاتل شيئا»، رواه داود. وعن عمر نحو مرفوعا، رواه مالك في الموطى، وأحمد، وابن ماجه. ولأنه قد يقتل مورثه ليتعجل إرثه منه، فحرم من الإرث سداً للذريعة. قال: ولا فرق بين أن يكون القتل عمدا أو خطأ، تعميما لسد الذريعة، ولأن لا يدعي العامد أنه قتل خطأ. وقال مالك رحمه الله: يرث القاتل خطأ من تلاد مال المقتول دون الدية. ومعنى تلاد المال: أي أصل المال القديم. قال: وذكره ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين في فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم: في الزوجين يقتل أحدهما مصاحبه خطأ، أنه يرث من ماله، ولا يرث من ديته، ذكره ابن ماجة. قال ابن القيم: وبه نأخذ، انتهى. وهذا الحديث الذي أشار إليه ابن القيم رحمه الله: روي من طريقي هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مرسل. ومع إرساله، ففي إسناده مسلم بن علي، ومسلم بن علي الخشني متروك. قال فيه يحيى: ليس بشيء. وقال الرازي: لا يشتغل به. وقال النسائي والدار قطني: متروك. فالحديث لم يصح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حتى مرسلا. ومع هذا لا يعني عدم صحة الحديث، عدم ثبوت الحكم، لورود النص العام، ولورود النص العام. وقد رويت فيه آثار، وقد رويت فيه آثار. وبعض أهل العلم يصحح المرسل بما يرد مما يحف به، فيؤيد معنى ذاك المرسل، فيجعل له أصلا صحيحا. وعلى هذا يحمل تصحيح الإمام ابن القيم، واستدلاله به بهذا الأثر، لا لأجل عين الأثر، ولكن لأنه دل على معنى صحيح، أيدته عمومات، وفتاوى صحابة كثيرة. فالحكم صحيح استدلالا بالعموم، لا أنه ورد فيه نص مرفوع صحيح. قال رحمه الله: قلت: وعلى هذا القول، فالظاهر أنه لابد من قرينة ظاهرة تدل على أن القتل ليس بعمد. والله أعلم. فأما القتل الذي لو تعمده لم يكن إثما، كقتل الصائل، فلا يمنع الإرث. وكذلك القتل الحاصل بتأديب أو دواء أو نحوه، فإنه لا يمنع الإرث إذا كان مأذونا فيه، ولم يحصل. وهذا هو الصحيح: أننا نفرق في قتل الخطأ: بين ما ليس فيه شبهة، وبين ما فيه شبهة. وهذا هو مقتضى العدل الذي تدل عليه عمومات الشريعة. فما علم أنه خطأ محض، ليس فيه شبهة، فهذا لا يمنع من الإرث على الصحيح. وليس في هذا الباب نص صحيح صريح يمنع من الإرث. وأما ما كان من الخطأ محل شبهة، فإنه تقتضي عمومات الأدلة: أنه يكون فيه منع الإرث سداً للذريعة، كما قال الشيخ رحمه الله. وكذلك أخذاً بعموم النص. فإن قال: لماذا لا يدخل هذا النوع من القتل في عموم النص؟ الجواب: أولا لأنه ظهر أنه لم يقتله بمعنى القتل، وإنما دفعه بما لا يقتل غالبا، بما لا يقتل غالبا. فليس فيه شبهة القتل. ولهذا قال ممثلا: كقتل الصائل. وكذلك القتل الحاصل بالتأديب أو الدواء، فمثل هذا في الغالب لا يقتل. فما كان كذلك، فإن شاء الله ليس يدخل في هذا الحكم. فخلاصة هذا المانع من موانع الإرث: أن يقال فيه: في القتل تفصيل. فما كان عمدا أو خطأ فيه شبهة العمد، فهو يمنع من الإرث. وما لم يكن كذلك، فلا يمنع من الإرث. وهل القاتل الخطأ يكون فيه تفصيل كما ذكر الإمام مالك رحمه الله؟ الصحيح: أنه ليس فيه تفصيل، كما هو ظاهر كلام الشيخ رحمه الله. ولكن هو على أحد أمرين: إن كان خطأ فيه شبهة القتل العمد، فيمنع من الإرث مطلقا: من الدية، ومن أصل المال. وإن كانت ليس هناك شبهة العمد، فهو خطأ، فهو يرث. كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى. وعمومات الأدلة تقتضي هذا التفصيل، وهو العدل. والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: واختلاف الدين، وهو الثالث من موانع الإرث. قال: أن يكون أحداهما على ملة، والثاني على ملة أخرى، مثل أن يكون أحداهما مسلما والثاني كافرا، أو أحداهما يهوديا والآخر نصرانيا، أو لا دين له، ونحو ذلك. فلا توارث بينهما، لانقطاع الصلة بينهما شرعا. ولذلك قال الله تعالى لنوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. ولحديث أسامة بن زيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم»، رواه الجماعة. وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتوارث أهل ملتين شتى»، رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة. وحديث عبد الله بن عمر فيه ضعف، لكن له شواهد ومتابعات لأجلها حسنه جماعة من أهل العلم. فقد جاء معناه من حديث جابر، ومن عبد الله. وجاء عن عمر، وعلي رضي الله تعالى عنهم: ما يشهد له. فارتقى الحديث في مجموع طرقه إلى الحديث الحسن. ولهذا حسنه العلامة الألباني رحمه الله، وغيره من أهل العلم من سبقه، كما أشار إلى ذلك المعلق في التعليق. فالحاصل: هذا الحديث مع ما قبله أفاد: أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث. فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، بل ولا اليهودي النصراني، ولا النصراني من اليهود. أما من جهة الدليل، فلما سمعنا. وأما من جهة التعليل، فكما ذكر أهل العلم: حتى يكون ذلك مدعاه للكافر أن يسلم، وللمسلم ألا يتعلق قلبه بالكافر وماله. فيكون في ذلك سداً لذريعة تعلق المسلم بالكافر، سداً لذريعة الفتنة بالكفر، وما يلحق به. وهكذا كذلك بالنسبة لليهود والنصارى. وأما قوله رحمه الله: لانقطاع الصلة بينهما شرعا. أما بين المسلم والكافر، فظاهر وواضح. وأما بين اليهود والنصراني، فهو كذلك لأنهما كفار. ولأنهم يكفرون بعضهم بعضا. فاليهود يكفرون النصارى، ويجعلون النصارى عبدة عيسى الذي يزعمون قاتله الله أنه ابن زنا. فهم يجحدون رسالة عيسى عليه الصلاة والسلام. وبجحدهم رسالة عيسى: ماذا تكون منزلتهم عند النصارى؟ كفار. وبكذلك تكفير النصارى لليهود: يقتضي ذلك أنهم لا يرث بعضهم من بعض. فأهل الملل لا يرث بعضهم من بعض، بمقتضاء الشرع، كما أشار الشيخ رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: واستثنى الأصحاب رحمهم الله من ذلك مسألتين: إحداهما: الإرث بالولاء، فلا يمنعه اختلاف الدين، بل يرث المولى ممن له عليه، وإن كان مخالفا له في دينه. الثانية: إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة، فيرث من قريبه المسلم، ترغيبا له في الإسلام. كما استثنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ثلاث مسائل: إحداها: اختلاف بالإسلام الصحيح والنفاق. قال: فالنفاق لا يمنع التوارث بين المسلم والمنافق، للحكم بإسلامه ظاهرا. الثانية: المسلم يرث من قريبه الذمي، ولا العكس. الثالثة: المرتد إذا مات أو قتل على ردته، ورثه قريبه المسلم. والصواب: أنه لا يستثنى من ذلك شيء، لعموم الأدلة على منع التوارث مع اختلاف الدين. ولا دليل صحيح على التخصيص. لكن المنافق إذا لم يظهر نفاقه، فإننا نحكم بظاهر حاله، وهو الإسلام، فيرث من قريبه المسلم، وبالعكس. أما إذا كان معلوم النفاق، فالصواب: أن لا توارث بينه وبين قريبه المسلم. والله أعلم. هذه خمس مسائل أشار الشيخ إليها لاختلاف أهل العلم فيها، حتى يطلع طالب العلم على هذه المسائل، وبموجب هذا الاطلاع يقف على الحكم الصحيح فيها، أو يقتضي ذلك أن يبحث حتى يصل إلى الحكم الصحيح فيها. أولها: الإرث بالولاء، هل يدخل في عموم هذه النصوص، فلا يرث المسلم الكافر؟ أم لا؟ يقول: أن بعض الحنابلة، وهو المشار إليه بقول الأصحاب. وبعض أهل العلم، كما تقدم: يرى أن الأولى ترك مثل هذا التعبير، لما فيه من إحياء معاني الفرقة التي تقع بسبب هذه الألفاظ، وما يلحق بها في المذاهب. فالشاهد: هذه المسألة وقع فيها خلاف. وبعض الحنابلة يرى أن ذلك مما يستثنى من النص. وأشار الشيخ في آخر هذه المسألة الخمس: أن الصحيح أنه ليس كذلك، لعموم النص في هذا الباب. فالصحيح: يفصل بين المولى المسلم والمولى الكافر. فإن كان كافرا، فلا يرث على الصحيح، لعموم النص في هذا الباب. فإن قال قائل: كيف قدمنا هذا النص العام: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم»، ولم نقدم العموم الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الولاء لمن أعتق»، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه شرط الإسلام؟ فيقال: إذا تعارض عمومان، قدم أخص العمومين على الآخر. وهنا نرى أن هذا النص أخص من ذاك النص، خصوصا وأن سبب ورود الحديث يبين أن المعتق كان مسلما. أن المعتق كان مسلما. وأما المسألة الثانية: إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة، فيرث من قريبه المسلم ترغيبا له بالإسلام. فكما قال الشيخ رحمه الله: كذلك لا دليل لهذا. ولأن هذا اجتهاد مع النص. ولو كان هذا مما يشرع، لأذن به النبي صلى الله عليه وسلم، أو صحابته رضي الله عنهم، مع وجود سببه، مع وجود سببه. وليس كذلك. وأما الثالثة التي أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية، فالشيخ رحمه الله فصل في ذلك. وشيخ الإسلام كلامه كان في سياق ذكره للزنديق، فيدل أنه أراد بهذا النفاق الذي لا يعلم، ولا يستيقن به. على ظاهر فهو يوافق التفصيل الذي فصل فيه الشيخ رحمه الله. فالزنديق لنا ما ظهر منه، وهو الإسلام. وتلاعبه بالتوبة، وعدم قبول توبته عند بعض أهل العلم، لا يعني ذلك أننا نخرجه من حكم الإسلام. ولكن ذاك تأديبا وزجرا. وليس لنا أن نحكم على مسلم أظهر الإسلام، ولا نعرف باطنه بالكفر. وذكر شيخ الإسلام: أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك المنافقين، وقد علمهم. والصحابة رضي الله عنهم استمروا على هذا. بل بعض الصحابة علم أسماء المنافقين، فأبقوهم على ظاهرهم، يتوارثون ويرثون. فكذلك يجب أن يكون في المسلمين. ولأن فتح هذا الباب كذلك يفتح باب فتن عظيمة، من سوء ظن الناس بعضهم ببعض. وكذلك ربما يكون منع التوريث سبب لفتن أعظم مما يتصور. فلأجل ذلك، وغيره، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، وارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررا، من القواعد الشرعية الصحيحة. كان الصحيح: توريث أمثال هؤلاء المنافقين الذين ليس عندنا ما نجزم بنفاقهم. وأما المسألة الثالثة، الرابعة: المسلم يرث من قريبه الذمي، ولا العكس. فكما قال الشيخ رحمه الله: الصحيح عدم ذلك. ولا شيء صحيح صريح يدل على استثناء هذه المسألة. والمسألة الأخيرة: المرتد إذا مات أو قتل على ردته، ورثه قريبه المسلم. الصحيح: أنه كذلك لا يرث، إلا ما سبق الاستثناء فيه، فيما إذا كانت ردته لأجل ماذا؟ لأجل حرمان المورث. فإن كان في معنى ردته حرمان المورث، فيعامل بنقيض قصده. طيب نقف الليلة هنا، وننظر في بعض الأسئلة. هذه التي جاءت. يقول: فإن كان القاتل قتل رجلا خارج الأسرة أو القبيلة، فهل يحرم من الإرث؟ كلامنا الآن في وارث ومورث. الكلام على وارث ومورث، فلا يرث الوارث من المورث إذا قتله. وأما إذا قتل من قبيلة أخرى، هذا موضوع آخر. وهذا يسأل عن معنى أهل الديوان، من هم أهل الديوان؟ أهل الديوان الذين مر ذكرهم في الدرس السابق، هم الذين يعملون في الجيش. وقال بعضهم: أنهم أهل الرايات الذين تكتب أسماؤهم في الديوان لأجل القتال في الجيش. فأمثال هؤلاء إذا أسلم أحد على أيديهم، هل يقتضي ذلك أن يكون لهم الأولوية في الإرث منه؟ الصحيح: لا. لأنه لو فتح هذا الباب لصار معناه كثير في جهات الحكومة، أو غيرها. وهكذا. هل هؤلاء في بلاد الكفر يتوارث بعضهم من بعض، ولو لم يكونوا أهل قرابات، ولو كان فيهم كافر أسلم؟ الصحيح: إذا كان لهم أنساب، فأهل الأنساب يرث بعضهم من بعض. وإن كان لهم مال، رجع مالهم إلى أهليهم، إن أمكن ذلك. فإن لم يمكن ذلك، فهم مسلمون، فيرجع المال إليهم. وهناك فتوى، وهذه مسألة مهمة. سئل فيها بعض الإخوة في بعض البلاد، بلاد الكفر، قد يكون هناك مسلمون، ولا وجود لبيت المال، ولا وجود لقرابة مسلمة، فكيف يصنعون بأموالهم التي يتركونها إذا مات فيهم الميت، وليس له ورثة؟ ذكر في المجموع شرح المهدب، في الجزء التاسع عشر، هذه المسألة عن مسلمي تايلند، وكذلك أظن اليابان، وبعض الدول، أشار إلى بعض الدول التي هي بلاد الكفر، وفيها أقليات مسلمة. فذكر فتوى في ذلك الموضع، في المجموع شرح المهدب. تعرفون: هو تكملة على شرح النووي، يرحمه الله. الشاهد: ذكر هنالك: أنه يمكن أن يكون توريث فيما بينهم على قول من قال بتوريث أصحاب الديوان والرايات، يعني: الذين ينقطعون، يخرجون للجهات، فينقطعون في بلاد بعيدة. فأموالهم التي يتركونها يتوارثون بينهم، لأنه ما في أحد، ولا يمكن انتقال المال إلى أصل بلادهم، ما يمكن. وهذا كان يحصل قديما، يخرجون للقتال إلى بلاد بعيدة، ولا يرجعون، فيبقون في بلاد في بلاد الكفر. فقال في ذلك الموضع: أنهم يتوارثون فيما بينهم على معنى هذا الأصل، وعمومات الأدلة تقتضيه. ثم ذكر: أنه إن كانت لهم، يعني: معنى أو رابط يجمعهم، مثل ما نقول اليوم: جامعة إسلامية، أو مؤسسة إسلامية تجمعهم، فهي التي ترتب وتنسق أمور توارثهم في هذا الباب، أمور توارثهم. يعني: كما يقال: جهة إسلامية تنسق لهم أمورهم في تلك البلاد. وهذا طبعا إذا لم تكن فيه مفاسد، ولا فتن ترتب، فتقدم الضوابط الشرعية. فإذا لم يرقى شيء، فالمال يرجع إلى هذه الجهة، وتنفقه كبيت المال على المستحقين، تنفقه لبيت المال على المستحقين من الأقلية المسلمة. طيب نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق. والله تعالى أعلم، وجزاكم الله خيرا.