تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 9

تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 9

الدرس في تفسير سورة الحشر من تفسير الجلالين 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تعظيم القرآن وعظمة الله

يبدأ الدرس بتعظيم القرآن وتأثيره، ثم ينتقل إلى بيان عظمة الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. يشدد على أهمية التفكر في القرآن ودوره في دخول الناس إلى الإسلام.

شرح أسماء الله الحسنى في آية التوحيد

يفصل المقطع معاني أسماء الله الحسنى في آية التوحيد مثل الرحمن والرحيم والملك، ويوضح دلالاتها اللغوية والشرعية وتأثيراتها على فهم التوحيد.

تتمة الكلام عن أسماء الله الحسنى في سورة الحشر

يشرح المقطع أسماء الله الحسنى في سورة الحشر مثل الجبار والمتكبر والخالق، ويبين معانيها ودلالاتها على عظمة الله. يشير إلى أهمية تنزيه الله وتعظيمه.

ختام الدرس والثناء على الله

ينهي الدرس بالتعبير عن الشكر لله وحمده، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى انتهاء الموضوع المطروح.

التفريغ النصي الكامل

﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال المفسر رحمه الله: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل وجعل فيه تمييز كالإنسان لرأيته خاشعًا متصدعًا متشققًا من خشية الله، وتلك الأمثال المذكورة نضربها للناس لعلهم يتفكرون فيؤمنون. هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة السر والعلانية، هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس الطاهر عما لا يليق به السلام ذو السلامة من النقائص المؤمن المصدق رسله بخلق المعجزة لهم المهيمن من هيمن يهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء أي الشهيد على عباده بأعمالهم العزيز القوي الجبار جبر خلقه على ما أراد المتكبر عما لا يليق به. سبحان الله نزه نفسه عما يشركون به. هو الله الخالق البارئ المنشئ من العدم المصور له الأسماء الحسنى التسعة والتسعون الوارد بها الحديث والحسنى مؤنث الأحسن. يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم». هذه الآيات هي خاتمة هذه السورة العظيمة التي تناولت عددًا من العظات والعبر، ختم الله عز وجل بهذه الآيات هذه السورة تنبيهًا لعظيم منزلة القرآن لمن اتعظ واعتبر به، وأنه محل للتعاب واعتبار. فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾، قال المفسر رحمه الله: «وجعل فيه تمييز كالإنسان»، والمعنى أن نزول القرآن على الإنسان أعظم من الجبل، مع أنه لو نزل على الجبل الذي هو جماد لحصل له من التأثير الحسي ما هو من أثر التأثير المعنوي، وهو قول سبحانه: ﴿لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا﴾، قال: «متشققًا»، والصحيح أن التصدع أبلغ من التشقق، فالتصدع هو التشقق مع التفلق. والجبل باعتبار أنه صم إذا تشقق وتصدع حصل له حركة، وهذا هو ما يكون للجبل إذا تصدع، لا يكون ذلك إلا بتحركه فيتصدع أن يتحرك من مكانه، ثم تتفلق حجارته، فيكون الشقوق في ثنايا ذاك الجبل، وهذا لا يكون إلا إذا كان هز أو زلزال أو نحو ذلك، وهذا أثر عظيم. فإذا كان هذا في الجبل الجامد الصلب في تأثره بهذا القرآن إذا نزل عليه، فكيف بالإنسان من باب أولى، وهو الإنسان العاقل الذي جعل الله عز وجل له قلبًا وروحًا ونفسًا وعقلًا، كيف لا يتأثر ولا يتعظ من هذا القرآن؟ وهذا قول سبحانه: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، أي لعظيم ما في القرآن من معاني الخشية، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾، قال: «المذكورة»، يعني كهذا المثل الذي ضربه هنا وغيره مما ذكره الله عز وجل في القرآن مما مضى، ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، قال: «يؤمنون»، وهذا بعض معاني التفكر، أي يتفكرون ليصلوا إلى الإيمان، والمقصود أن يحصل لهم الاتعاب. فالتفكر هو المقصود، وما كان بمعناه من الاتعاب والاعتبار الموجب بالنسبة للمؤمن أن يثبت على إيمانه وازداد، ولغيره بالتوبة والإنابة والرجوع إليه. ولهذا كل منصف إذا كان عنده ذرة إنسانية وإنصاف إذا قرأ القرآن قراءة متدبر آمن بالله وصدق بالقرآن واتبع النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا تجد أكثر من يدخل في دين الإسلام يكون بعد قراءتهم وتدبرهم للقرآن؛ لأن في القرآن من الأمثال المضروبة والأخبار الصحيحة والأحكام العادلة ما فيه محل للتعاب واعتبار وتفكر. فكلما تفكر العبد في هذا القرآن ازداد له تعظيمًا وإجلالًا وإيمانًا بما فيه وبمن أنزله وبعث به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما أكثر الذين دخلوا في دين الإسلام بعد سماعهم لهذا القرآن وقراءتهم له، حتى في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت عداوة الكثير من المشركين والكافرين بل وأهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسبب الأخبار الكاذبة وما يغطي عقولهم وفطرهم من التقليد الأعمى لأممهم وأقوامهم. ولكن إذا سمعوا القرآن وقرأوه وتدبروه وتفكروا فيه سرعان ما أثر فيهم هذا القرآن فدخلوا في دين الله عز وجل. وكم في السيرة من أخبار وقصص الصحابة ممن كان مشركًا أو كان كتابيًا أو كان ملحدًا دخل في دين الله عز وجل بسبب تفكره في هذا القرآن. وهكذا كذلك لا يزال تاريخ أهل الإسلام والإسلام يمضي شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، فإن الكثير ممن دخل بدين الإسلام كان من أسباب دخولهم فيه تفكرهم وتدبرهم لهذا القرآن. فمن تفكر فيه وتدبر فإنه لا بد أن يؤمن بالله عز وجل وأن يصدق بما جاء به هذا القرآن العظيم؛ لما فيه من الأمثال العظيمة والأخبار الصادقة والأحكام العادلة ما هي كفيلة بتحقق هذا المقصد العظيم. ثم لعظمة القرآن يصل العبد إلى عظمة الله العظيم سبحانه وتعالى، وهنا جاء ذكر الرب سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أي كما أنك إذا آمنت بأن القرآن منزل من عند الله فيجب أن تؤمن بأنه الله وحده الذي يستحق للوهية، لا يشرك معه غيره لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، وأن كل ما في الوجود فهو في علمه سبحانه وتعالى وفي إحاطته وقدرته جل وعلا. ﴿الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أي لا معبود بحق إلا هو سبحانه وتعالى، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، قال المفسر رحمه الله: «السر والعلانية»، الغيب السر والشهادة العلانية، فهو عالم ذلك كله سبحانه وتعالى. وهو الرحمن الرحيم، اسمان عظيمان يتضمنان صفة الرحمة له سبحانه وتعالى، وهو رحمن ورحيم الدنيا والآخرة. والفرق بينهما أنهما يدلان على ذاته المقدس سبحانه وتعالى بهذين الاسمين المتضمنين لمعنى الرحمة، والرحمن يدل على الله سبحانه وتعالى مع ما فيه من الاتصاف بصفة الرحمة على وجه الامتلاء والسعة، فلهذا رحمته وسعت كل شيء. «فعلان» صيغة فعلان تدل على الكثرة والامتلاء والسعة وعدم الانتهاء، والرحيم صيغة فعيل تدل على ملازمة الصفة للموصوف، فهو لم يزل ولا يزال رحيمًا سبحانه وتعالى. ولهذا وصف بهذا الوصف سبحانه وتعالى في حق المؤمنين، وكان بالمؤمنين رحيمًا، أي لا تنقطع رحمته عن المؤمنين، بخلاف الكفار يشملهم الرحمة العامة، وسعت رحمتي كل شيء، لكن وقت عقوبتهم وعذابهم سبحانه وتعالى هنا يأتي غضبه وعقابه سبحانه وتعالى. أما أهل الإيمان فلا تنقطع رحمته سبحانه وتعالى منهم، فلذلك كان بالمؤمنين رحيمًا، أي رحمته تلازمهم لا تنقطع عنهم؛ لأننا قلنا أن هذه الصيغة تدل على ملازمة الصفة للموصوف لا تنفك عنه. مثل لما تقول: قتيل، هل ينفك وصف القتل عن هذا المقتول؟ لا ينفك، لا يزال ولم يزل بهذا الوصف. ولهذا من باب المبالغة إذا أرادوا أن يبالغوا في وصف رجل بالكرم يقولون: كريم، يعني لا يكاد وصف الكرم ينقطع منه، وهذا من باب المبالغة. أما في حق الله سبحانه وتعالى فهو أعظم من ذلك. وقول سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، كذلك أكدت هذه الجملة لتعظيم منزلة وحدانية الله سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسماءه وصفاته. وإذا ذكر توحيد الألوهية تضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات. وقوله: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾، قال: «الطاهر عما لا يليق به» سبحانه، وأصل القدوس من التقدس التنزيه، وهو المنزه سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق به مما ذكره الجاحدون والكافرون وأعداء الدين المخالفون. قال: ﴿السَّلَامُ﴾، قال: «ذو السلام من النقائص»، كذلك إذن من أسماء الله يتضمن صفة تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، فهو السلام، السالم أبلغ من السالم، فذو السلام من النقائص هذا بعض ما يوصف به السلام. فهو سالم سبحانه وتعالى من النقائص، ومسلم من يشاء من عباده كذلك من المضار والنقائص، فهو الذي سلم أنبياءه، وهو الذي سلم ملائكته، وهو الذي سلم من الصفاء من عباده المؤمنين بما كان من اسمه السلام سبحانه وتعالى. وهو الذي سلم مواضع أهل الإيمان وأرضى أهل الإسلام، هذا من بعض آثار اسمه سبحانه وتعالى السلام. وهو كذلك الذي سلم من النقائص في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى، فلوصف السلام يتضمن من معاني كثيرة، ومنها هذا المعنى الذي ذكره رحمه الله. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾، قال: «المصدق رسله بخلق المعجزة لهم»، هذا كذلك من التفسير ببعض المعنى، فالمؤمن يتضمن معنى الإيمان والتصديق، وكل ما يدخل في هذا اللفظ فهو المصدق رسله بالآيات المعجزات. وهو كذلك الذي يؤمن خلقه من أن يعتدي عليهم أحد أو يبغي عليهم أحد، وهو الذي كذلك يؤمن ما يشاء من أرضه وما يشاء من خلقه، وكذلك ما يشاء من زمانه سبحانه وتعالى بما شاء وكيف شاء، فهذا من بعض معاني المؤمن. فهو مؤمن في ذاته وفيت صفاته وفي أفعاله سبحانه وتعالى. ونجعل هذه الصفة على ما تليق بجلال الله وعظمته، فيصدق رسله بما يليق بعظمته، وهكذا كذلك نقول في غيرها. وقوله سبحانه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾، قال: «من هيمن يهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء»، أي الشهيد على عباده بأعمالهم، وهذا من التفسير ببعض المعنى. فالمهيمن ليس رقيبًا فحسب، بل محيط وقدير، وكذلك سريع سبحانه وتعالى في إعانة من أحب وعقوبة من غضب منه سبحانه وتعالى. وهو مهيم على عباده بجميع معاني الهيمنة، وهو مهيم كذلك في ذاته وفي أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى. والمؤلف إنما ذكر بعض أثر الهيمنة على خلقه. وهكذا كذلك: ﴿الْعَزِيزُ﴾، قال: «القوي»، والعزيز أبلغ من القوي، فهو الذي سبحانه وتعالى كمل في ذاته وأسماء وصفاته وأفعاله لعظيم عزته وقوته سبحانه وتعالى. وهو مأخوذ من العزة، والعزة التعالي، فهو المتعالي بحق سبحانه وتعالى؛ لأنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته سبحانه وتعالى. وهو الذي عز على خلقه وغيره كذلك لعظمته وعظيم قوته، ومنه كذلك القوة، فيقال: أرض عزاز إذا تصلبت وقويت، ولله المثل الأعلى. فالقوة من معاني العزة، وليست كل العزة قوة، وهذا يرجعنا إلى ما تقدم أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. وقوله سبحانه: ﴿الْجَبَّارُ﴾، قال: «جبر خلقه على ما أراد»، والجبار صيغة فيها تكرار المبنى، فتدل على تكرار المعنى، أي يتكرر منه هذا الوصف سبحانه وتعالى. وذلك من قوله: «الجبار»، والجبار من بعض معانيه ما ذكر رحمه الله: أن يجبر خلقه على ما أراد سبحانه وتعالى متى أراد وأين أراد وبما أراد وكيف أراد سبحانه وتعالى. وهذا بعض ما في معنى هذا الاسم، وإلا فهو سبحانه وتعالى العظيم الذي له الأسماء والصفات الحسنى بأكمل معانيها، فهو جبار في ذاته وفي أسمائه وصفاته وأفعاله. ومن معاني ذلك ما ذكر رحمه الله، وهكذا كذلك قهره لمن يشاء، ودفعه من يشاء، وحفظه لمن يشاء، كل هذا يدخل في معنى الجبار. فإذا أراد شيئًا فإنه الجبار الذي لا يعجزه ولا يمنعه مما أراد شيء. وهكذا كذلك إذا لم يرد شيئًا سبحانه، وهو الجبار الذي لا يعجزه أن ينفذ ما لم يرد سبحانه وتعالى من شيء. وقوله سبحانه: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾، قال: «عما لا يليق به»، وهذا كذلك فيه تكرار المبنى، فيدل على تكرار المعنى. وما ذكر من بعض المعنى المتضمن له هذا الاسم، فهو المتكبر في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله بما يليق به جل وعلا سبحانه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. والمتكبر بالنسبة للمخلوق نقص، وبالنسبة للخالق سبحانه وتعالى كمال لعظمته وتفرده سبحانه وتعالى بصفات الجلال وأسماء الكمال. فهو جل وعلا المتكبر، أي الذي تعالى عظمة وكمالًا، والذي كذلك تعالى عما لا يليق به من النقائص سبحانه وتعالى، فهذا كمال بحق الرب العظيم سبحانه وتعالى. وأما المخلوق فلا يجوز أن يوصف به، ومن وصف به فإنه صار نقصًا وذمًا لا مدحًا. وقول سبحانه: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، قال رحمه الله مفسرًا: «نزه نفسه»، وأصل التسبيح هو التنزيه، وفيه معنى التعظيم. فما ذكره كذلك من التفسير ببعض المعنى، وكما تقدم: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فمبنى التنزيه ليس مبنى التسبيح، فالتسبيح تضمن تنزيهًا معه من التعظيم والجلال والكمال ما زيادة عن مجرد التنزيه. ولهذا يذكر الله عز وجل التسبيح ليس في مواضع التنزيه فقط، بل في مواضع كذلك الخلق. وقوله سبحانه: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال: «به»، أي المشركون، وهذا مما يتنزه وتنزه عنه سبحانه وتعالى لعظمته ولذلك عظيم حقه سبحانه وتعالى. وختمت الآيات بهذه الآية: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، تتابع هذه الأسماء، الخالق كذلك اسم من أسماء الله متضمن لصفة الخلق على ما يليق بجلاله وعظمته. والبارئ اسم من أسماء الله متضمن لصفة البرء، وهو الإنشاء من العدم بما يليق بجلاله وعظمته. والخالق والبارئ اسمان عظيمان يدلان على عظيم عظمة الرب سبحانه وتعالى في خلقه لخلقه؛ فإنه يخلق الخلق، ولا أدل على ذلك ما علمناه ورأيناه، فضلًا عما لا نعلمه ولم نره، كل ذلك يدل على عظمة الرب سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته. ﴿الْمُصَوِّرُ﴾، أي لهذا الخلق بما شاء من تصوير سبحانه وتعالى، وما شاء من كيفية، ومن رأى عظيم مخلوقات الله وما فيها من الكمال والجمال والعظمة والجلال دله ذلك على عظمة خالقها وبارئها ومصورها الرب العظيم سبحانه وتعالى الذي كمل في ذاته وأسمائه وصفاته. وهنا ختم بقوله سبحانه: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي مما سمى وصف به نفسه في كتابه أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، أو أعلم به أحدًا من خلقه، أو استأثر به بعلم الغيب عنده. وقوله: «التسعة والتسعون»، هذا حصر، والصحيح أن أسماء الله أعظم من أن تكون محصورة في تسعين وتسعين. والحديث: «إن لله تسعة وتسعين» ليس معناه الحصر، ولكن معناه أن هذه المذكورات على من يقول بتحسين الحديث بتسمية هذه الأسماء هي من أعظم هذه الأسماء، وليس معناه أنه حصر لأسماء الله وصفاته. فإذا كان الله عز وجل لا تحصى عظمته، فكذلك لا يحصي أسماءه وصفاته إلا هو سبحانه وتعالى؛ لعظيم عظمته واتساع صفاته لكماله وجلاله. وكذلك عظيم سبحانه وتعالى ما يتسم به من صفات. وقول الحسن: «حسنى» مؤنث الأحسن، بل هو مبالغة الأحسن، وليس مؤنث الأحسن، أي الذي بلغ في الحسن كماله وأعلى درجاته. فإذا قيل: «حسن»، فهذا يدل على وجود بعض وصف الحسن، وإذا قيل: «أحسن»، دل على زيادة في الحسن، وإذا قيل: «حسنى» فإنه يدل على مبالغة أو منتهى المبالغة في الحسن. فالله عز وجل له الأسماء التي بلغت غايتها ومنتهاها في الحسن. بقوله سبحانه: ﴿الْحُسْنَى﴾، أي المبالغ في وصولها لمنتهاها من الحسن. وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي تعظيمًا وإجلالًا له سبحانه وتعالى، وتنزيهًا لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى جل وعلا. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، قال: «تقدم»، أي في أول السورة، أي في أول السورة بما يغني عن الإعادة. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه السورة العظيمة وما فيها من العظات والعبر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما سمعنا وقرأنا، وأن يجعل حجة لنا لا علينا. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.