الدرس في شرح الفرائد البهية 31، القاعدة الخامسة:تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تصرف الإمام على الرعية مقترن بالمصلحة ومراعاة المصالح من المفاسد، ويشمل ذلك تصرفه في بيت المال والولايات والعبادات. يجب على الرعية حسن الظن بالراعي.
ينبغي للحاكم مراعاة مصالح الإسلام والمسلمين عند التصرف في أموالهم، ويقدم المصلحة العامة على الخاصة مع الحفاظ على الأمانة. يجب أن يكون تصرفه وفق الشرع والعرف.
ينبغي لولي الأمر مراعاة الأصلح في جميع الولايات، بما في ذلك تزويج المرأة بمن هو كفء لها، مع تعفف عن الأموال العامة واتباع منهج الشرع. يجب تقديم الأصلح دائمًا.
يفضل اختيار الزوج أو الزوجة ذي الدين، ويمكن أن تجتمع عدة معايير مثل المال والجمال والنسب والدين. يوصى بتقديم الدين على غيره عند التعارض.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الناظم رحمه الله تعالى: قال، القاعدة الخامسة: تصرّف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة. قال رحمه الله: «تصرّف الإمام للرعية أنيط بالمصلحة المرعية، وهذه نص عليها الشافعي إذ قال قولًا ما له من دافعي، منزلة الإمام من مرعيه منزلة الولي من موليه». وأصلها روي من قول عمر فيما حكاه الأصل. «فانظر ما ذكر، فيلزم الإمام في التصرّف على الأنام منهج الشرع الوفي، فلا يجوز نصبه لفاسق يأم في الصلاة بالخلائق». وهذه الصورة عدّت واحدة من التي انطوت عليها القاعدة. هذه القاعدة كذلك من القواعد التي يريد أن يجعلها في القواعد الكلية، وبعضهم لا يجعلها قاعدة؛ لأنها تنحصر في باب وليست في أبواب كثيرة، ولهذا بعضهم يجعلها أشبه ما يكون بالضابط. ومعنى هذه القاعدة أن تصرّف الإمام يكون مقترنًا بالمصلحة، أي مراعاة المصالح من المفاسد، وهذا يشمل تصرّفه في بيت المال أو تصرّفه كذلك في أمور الولايات أو تصرّفه في شؤون العبادات وغيرها من أنواع التصرّف. وأدلة ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان عليه الصلاة والسلام مراعيًا في فعله هذا المعنى، وهي مراعاة المصالح من المفاسد، وهو الإمام عليه الصلاة والسلام. وليس من شرط هذه المراعاة المساواة، سواء كان في العطية أو في الولاية أو في غير ذلك مما هو تحت تصرّف الإمام. فيوم حنين أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أناسًا ولم يعطِ آخرين، وهذا الإعطاء كان بمحض مراعاة لهذه القاعدة؛ فحين أعطى من أعطى ممن يتألّفهم على الإسلام راعى في ذلك مصلحة عظيمة، وحين منع من منع ولم يعطهم وكلهم إلى إيمانهم. ولهذا لما وقع في نفوس بعض الأنصار قال عليه الصلاة والسلام: «أما تحبون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ فهو والمهاجرون والأنصار رجعوا، لا كما رجع أولئك الذين تألّفهم النبي صلى الله عليه وسلم». ولهذا قال: «أو أغضبتم للعاعة من لعاعة الدنيا أعطيتها أناسًا نتألّفهم بها على دين الله» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالشاهد أن هذا كان من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يراعي الحكمة، ولهذا فيجب على الرعية أن يحسن الظن بالراعي؛ أن يحسن الظن بالراعي؛ لأن الراعي يتصرف بما تقتضيه المصلحة لا بما تكون به المساواة؛ فقد تقتضي المصلحة المساواة، وقد تقتضي المصلحة المفاضلة، وهو يقدم ما فيه المصلحة وما تدرأ به المفسدة. وهذا دلت عليه عمومات كثيرة من نصوص الكتاب والسنة، لكن في هذا الموضع خاصة نص عليه؛ لأنه قد يقع فيه الإشكال، إشكال من جهة الرعية في نظرهم لتصرفات الراعي، فيجب أن يحسنوا الظن وأن يعلموا أن الراعي يتصرف بما يكون فيه مصلحة للإسلام والمسلمين. فقد يعطي الكافر أو الفاجر ليدفع شره، وقد يعطي الكافر والفاجر لأجل أن يتألف على الإسلام، وكله ممكن، لكن هذا بوصفه الصحيح لا يكون هذا عذرًا حتى تقع المداهنة. المداراة مشروعة ومأذون بها، والمداهنة محرمة لا تجوز. المداهنة أن ترضى بوقوع الباطل لأجل الحفاظ على الدنيا، تتنازل عن شيء من الدين لأجل الدنيا. والمداراة تتنازل عن شيء من الدنيا لأجل ماذا؟ لأجل الدين. وفرق بين الأمرين. كون الإنسان يتنازل عن شيء من الدنيا لأجل الدين هذا حسن، وهذا مما يأذن الشرع بمثله. وأما تتنازل عن الدين لأجل الدنيا فهذا لا يجوز. لو قال من له ولاية على المسلمين كبيرة وصغيرة: أنا أراعي المصالح من المفاسد. فيقال: ما هي المصالح من المفاسد؟ هل المصالح بقاء الدنيا وذهاب الدين؟ ليست هذه مصالح الشرع. لا يرضى بمثل هذا وأنت مسلم، يجب أن تستسلم للشرع. ولهذا فعل العلماء أن يناصحوا ولاة الأمور فيما بينهم وبينهم بما يكون به الأخذ بأيديهم على ما فيه المصلحة للإسلام والمسلمين، هذا هو المطلوب: المصلحة للإسلام والمسلمين، وأن تكون كلمة الله هي العلياء. فأعظم مصلحة إقامة الدين والحفاظ على الدين، وأعظم مفسدة نقصان الدين وذهاب الدين، فهذا هو الأصل الذي يحفظ. وأما الدنيا فتذهب وتأتي، وليست هي التي يحرص عليها. أما إذا كانت دنيا ودنيا فلا بأس أن يراعي الأصلح ويدفع المفسدة الكبرى بالصغرى. أما إذا تعارض الدنيا ودين فيقدم الدين ويدفع الدنيا، والدنيا تذهب وتأتي، أما الدين يجب المحافظة عليه؛ فهو الأصل. وهكذا كذلك بالنسبة للرعية؛ فالرعي ينبغي أن يعلم هذه الحقيقة ويتتبعها بالشرع لا بالهوى؛ فهو أمور مراعاة المصالح من المفاسد بالشرع لا بالهوى. وهكذا كذلك الرعية تحسن الظن بالراعي فيما ذهب من أيديهم من الدنيا، يقولون: نرجو أن هذا إن شاء الله فيه صلاح للإسلام والمسلمين. فإن أساء ظن فهذا يرجع إليه؛ فأنت أدِّي الذي عليك، وسل الله الذي لك، والله سبحانه وتعالى يُخلِف لك بما هو خير. ومن ظلمك فهو الذي يجني على نفسه في الدنيا وفي الآخرة. وقوله: «وتصرّف الإمام للرعية أنيط بالمصلحة المرعية» كما تقدم. وهذه نص عليها الشافعي إذ قال قولًا ما له من دافعي، يعني قول مشهور واضح أشار إلى هذه القاعدة، وسيأتي أنه مأخوذ من قول عمر رضي الله عنه. قال: «وقوله منزلة الإمام من مرعيه منزلة الولي من موليه»، أي أن الإمام يكون في الرعية كالولي بالنسبة لمن تحت يده ممن له رعايته وولايته، فهو كالأب مع ابنه، وكذلك العم مع ابن أخيه، وولي اليتيم مع اليتيم وهكذا. فإذا كان كذلك فيقوم به في نفقته، وكذلك يتتبع الأصلح له. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك: «فمن ترك شيئًا فماله لورثته، ومن أعوز وأحوج فالنبي صلى الله عليه وسلم يقوم به». وقوله: «وأصلها روي من قول عمر فيما حكاه الأصل فانظر ما ذكر»، يعني أصل هذه القاعدة الفرعية من هذا الأصل أنه ينزل منزلة الولي مأخوذ من قول عمر فيما حكاه الأصل، يعني فيما حكاه صاحب الأصل محذوف لأجل وزن البيت، يريد السيوطي في الأشباه والنظائر؛ فقد ذكر أثرًا عن عمر خرّجه سعيد بن منصور أنه قال: «إني أنزلت نفسي في مال الله منزلة الولي اليتيم، فإن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت؛ لأن الله عز وجل أذن لولي اليتيم أن يأكل بالمعروف». فكذلك ولي الأمر فيما يتعلق بنفسه، وفيما يتعلق بالرعية يأكل وينفق بالمعروف، المعروف عرفًا وشرعًا، بل الشرع مقدم على العرف. فالشرع أذن للولي الخاص، فكيف لا يأذن للولي العام؟ فمثلًا إذا كانت نفقة الولي العام في عرف من هو مثله تقدر بكذا وكذا، لكن احتاج -لا لدنيا وإنما لمصلحة الإسلام والمسلمين- أن يحفظ نفسه من الأعداء، فاحتاج ذلك نفقة أكثر لأجل هذه الحماية؛ ليس للدنيا، ولكن لنفع الإسلام والمسلمين، فهل يجوز أن يأخذ من بيت المال؟ الجواب: يجوز؛ لأنه هو الذي يحفظ بيت المال، وهو الذي يقوم بمصالح المسلمين. فكذلك وهكذا لو كان من باب كذلك حفظ ما للإسلام والمسلمين يحتاج أن يكون له مركوب خاص بما جرى به عرف مثله، سواء مركوبًا جوًا أو مركوبًا بحرًا أو مركوبًا برًا؛ فليس هذا من الإسراف والتبذير، ولا من العبث في أموال المسلمين؛ لأن هذا أحفظ له وأحفظ للمسلمين، وتقضى به مصالح المسلمين. وإذا كان كذلك لا يعني هذا أن يستغل مثل هذه المنافع في الأمور الخاصة، بل ينبغي أن يتق الله عز وجل فيها كالقائم على مال اليتيم. كالقائم على مال اليتيم لا يتوسع ولا يجعل الشيء في غير محله، لا يتوسع ولا يجعل الشيء في غير محله. فمن التوسع أن يجعل لكل ولد من أولاده مثل ما هو له، هذا توسع أو ليس بتوسع؟ توسع. ومن التوسع أن يستخدم الشيء الذي هو في مصلحة المسلمين في شؤونه الخاصة التي يمكن أن يستغني بها بغيرها. كان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله له سيارة أعطيت من الدولة لمنزلته كونه في هيئة كبار العلماء ومدرس في الجامعة وقائم بشؤون كثيرة في أحوال المسلمين، ومع ذلك ما كان يرتضي أن يستعملها في خارج وقت الدوام، فقط في وقت الدوام يستعملها، وفي غير وقت الدوام يأمر أحد أبنائه أو أقربائه. ثم اتخذ في آخر أمره سائقًا بسيارته الخاصة يقوم بشؤونه. وهكذا ينبغي أن يكون من ولاه الله ولاية صغيرة أو كبيرة متعففًا متورعًا عن الأموال العامة، يجتهد ويحرص أن يتعفف قدر المستطاع عن الأموال العامة. ومن كان غنيًا ماذا؟ فليستعفف. الغني يستعفف، والغنى نسبي. الغنى نسبي، فمتى ما حصل الغنى فأنت استعفف بحسب استطاعتك. فكما تقدم الرعية تحسن الظن، والراعي يتق الله في مراعاة الأصلح. وهذا الأثر صحيح رواه سعيد بن منصور، ورواه البيهقي في المعرفة، وابن أبي الدنيا، وابن أبي شيبة، والطبراني في التفسير، وهو أثر صحيح إلى عمر رضي الله عنه أرضاه، وفيه هذا المعنى الذي سمعناه. وقوله رحمه الله: «فيلزم الإمام في التصرف على الأنام منهج الشرع الوفي»، يعني كونه يطلب منه مراعاة الأصلح كما قلنا بالشرع لا بالهوى ولا بالعاطفة. فيلزم الإمام في التصرف على الأنام أي على الخلق والناس منهج الشرع الوفي. فالشرع الوفي أذن له أن يأكل بالمعروف وأن ينفق بالمعروف بحسب اجتهاده في تتبع الأصلح. والشرع الوفي أمره أن يستعفف إذا كان غنيًا، وأن لا يسرف ولا يبدر وأن لا يتعدى فيجعل ذلك في غير ما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، فيراعي هذا. هذه المعاني حتى أنهم نصوا أنه لا يجوز له العفو في القصاص مجانًا؛ لأنه خلاف المصلحة. فقد يكون إذا حصل شيء من العفو إذا اعتدي مثلًا على الدولة فإنه ينظر الأصلح، يتتبع الأصلح؛ قد يكون الأصلح القصاص، وقد يكون الأصلح الدية، وقد تكون الأصلح التعزير بحسب ما يرى فيتتبع الشرع. بل حتى لو عفى أولياء المقتول في شيء لا يعفو الشرع عن مثله، فإن الإمام لا يجوز له أن يعفو إلا إذا كان يريد بذلك درأ مفسدة أكبر منها، فهنا تدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. مثلًا قتل الغيلة لو عفى أولياء المقتول في قتل الغيلة لم يجوز أن يعفى عن القاتل؛ لأنه بقي الحق العام حق الإفساد في الأرض، فهذا الرجل لا يعفى عنه في الشرع، وهو من يقتل بسابق تدبير وخديعة ومكر. القتل على نوعين: قتل قد يحصل بغير سابق تدبير تشاجرا فتعمد فقتله، أراد هذا يقتل وأراد هذا يقتل فقتل أحدهم الآخر، هذا قتل عمد عدوان يقتضي القصاص إلا أن يعفو أولياء المقتول، فإن عفى لا يتدخل الإمام، خلاص عفى أولياء المقتول والله يحب العفو. لكن لو كان رجلًا مفسدًا قاطع طريق يترصد لقتل المسلمين وسلب أموالهم وانتهاك ما ينتهك، فلو عفى أولياء المقتول أو المقتولين فإن ولي الأمر لا يعفوه؛ لأن هذا من قتل الغيلة وأشد. وهكذا فيتتبع ما يوافق الشرع. وهو قوله: «منهج الشرع الوفي». ثم قال: «فلا يجوز نصبه لفاسق يأم في الصلاة بالخلائق» كذلك، وهذا ظاهر واضح؛ لا يجوز أن ينصب الإمام فاسقًا يأم الناس في الصلاة؛ لأنه يأم الناس من وأهل الإمامة والأهل الإمامة هو أكملهم علمًا وتدينًا. ولهذا يأم القوم قرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأحفظهم للسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأسبقهم هجرة، وهكذا فيراعي الأصلح للناس. فإذن هو يراعي الأصلح وليس لمعنى أو لآخر ينصب مثل هذا. وهكذا قل في غيره من أنواع الولايات يراعي الأصلح. قال: «وهذه الصورة عدّت واحدة من التي انطوت عليها القاعدة»، يعني هذه صورة وتحتها صور كثيرة، تحتها صور كثيرة. ومثل في التعليق تبعًا لغيره بمثال، وأشار إلى الخلاف فيها، وهي لو أن ولي الأمر تكفل بامرأة ليس لها ولي فزوجها بغير كفء برضاها، هل يصح أو لا يصح؟ الجواب: إن تتبع الأصلح صحة، وإن لم يتتبع الأصلح وإنما كان تزويجه متابعة لرضاها لم يصح؛ لأن هذا ليس الأصلح لها. فعليه أن يحرص على الأصلح، هذا هو الصحيح في المسألة. مثلًا امرأة كبيرة في السن تقدم لها إنسان كفاءته ليست بذاك، لكن رضي المرأة تخاف العنوسة، فأذن لأنها تخاف العنوسة، فهذا له وجه. لكن لو رأى أنها تساهلت مع إمكان أن يأتيها رجل آخر صاحب دين، أو هو يستطيع أن يبحث لها رجلًا أحسن من هذا دينًا، فلا يرضى لها ويقول: انتظري، سأزوجك إنسانًا إن شاء الله أفضل من هذا، وهو يؤمل هذا فيجتهد في إيجاد الأفضل والأصلح لها. وهكذا كذلك كفاءة النسب، مع أن الصحيح أن كفاءة النسب إذا كانت تعارض الدين فيقدم صاحب الدين. وإما إذا استوى النسب والدين، فاجتماع الأمرين لا شك أنه أكمل، وهو مما يجوز. هو مما يجوز إذا اجتمع الأمران تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولنسبها أو آل حسبها، ولدينها، فاضفر بذات الدين تربت يداك. فإذا اجتمعت الأربع فهو أكمل، وإذا تعارض فالدين يقدم. وكذلك الرجل، وكذلك الرجل: «من جاءكم ترضون خلقه ودينه فزوجوه». طيب لهنا والله تعالى أعلم.