الدرس في شرح الفرائد البهية 52، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم الصلاة خلف الإمام المحدث مجهول الحال، ومدى صحة الصلاة وأجر الجماعة. يُوضح أن صحة الصلاة تعتمد على علم المأموم بحال الإمام.
يتناول حكم الصلاة إذا أتى فيها بما ينافي الفرض، وحكم النذر وتطبيقاته الفقهية. يُبين أن النذر ليس له قاعدة مضطردة في الشرع.
يُفصّل في أحكام النذر وتطبيقاتها العملية، ويُوضح أهمية النية في الوفاء بالنذر، خاصة عند قراءة القرآن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال القاعدة الثانية، يعني من قواعد الفصل الأول من الفصول في القواعد المختلفة فيها، قال: هل الصلاة خلف المحدث المجهول الحال إذا قلنا بالصحة، هل هي صلاة جماعة أو انفراد؟ قال: ثم الصلاة خلف محدث غدا مجهول حال، عند من به اقتدى، مهما نقول صحيحة، فهل تعد جماعة أو انفرادًا؟ جماعة أو انفرادًا قد ورد وجهان، والترجيح أيضًا مختلف فيما له من الفروع قد عُرِف. وهذه قاعدةٌ أخرى من القواعد المختلف فيها، ولأجل أنهم اختلفوا فيها لم يتفقوا في كونها قاعدة، ولهذا لم يذكرها الكثير أنها قاعدة، وإنما قاعدة ذكرت على وجه الخلاف. ولو تأملنا هي مسألة من المسائل الخلافية. وقد تضمنت هذه القاعدة على مسألتين: المسألة الأولى، هل الصلاة خلف المحدث المجهول الحال صحيحة أم ليس صحيحة؟ وفي هذا خلاف، والصحيح فيه التفصيل. إن علم المأموم بحال إمامه فاستمر معه، فصلاته غير صحيحة؛ لأن من شروط الصلاة الطهارة، لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، رواه البخاري ومسلم عن نبي أبي هريرة، وحديث ابن عمر في الصحيح: «ولا يقبل صلاة بغير طهور». لكن إذا لم يعلم، فالصحيح أن صلاته صحيحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». وسواء أجهل الإمام بحدثه أو نسي أو حتى تعمد، يعني حتى لو أن الإمام صلى عمدًا بغير طهارة لسبب أو لآخر، ففي كل هذه الأحوال المأموم ما دام لا يعلم، لا يضره ذلك. وإذا شك المأموم، فشكه لا عبرة به، فلا يجوز له أن يخرج من الصلاة بمجرد الشك، بل ينبغي أن يحسن الظن بإمامه، وأن يحمله على ما يقتضي ذلك، فالإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ومع هذا يضمن صلاة المأمومين، يتحملها. وأما المسألة الثانية: إذا ثبت أن صلاة المأموم خلف مجهول الحال صحيحة، بقي كونه صلى من يظن أن طهارته صحيحة وهي ليست صحيحة، فهل يكتب له أجر الجماعة أم أجر المنفرد؟ وهذا كذلك فيه خلاف. وسبب الخلاف أنهم حين صلوا خلف إنسان ما تصح إمامته عند الله، فكيف تكون لهم جماعة؟ ولو قدر أن هذا اللازم صحيح، لقيل بالتفصيل. فإن صلاة الإمام الذي صلى بغير طهارة وهو جاهل أو ناسٍ، صلاة صحيحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمة ماذا؟ الخطأ والنسيان وما استكره عليه». فهذا الناسي الأصل صحة صلاته، وإذا ذكر وجب عليه أن يعيد، ولا يلزم المأمومين إعادة. وإذا لم يذكر، فالله تجاوز عن هذه الأمة الخطأ والنسيان. بخلاف إذا كان عامدًا، فإذا قولهم: الصلاة عند الله غير صحيحة، ليس بصحيح، فليست دائمًا غير صحيحة، فهو بحسب حاله تكون هذه الصلاة. ثم ينبني على هذا مسائل وفروع يأتي الإشارة إليها. قال رحمه الله: ثم الصلاة خلف محدث غدا مجهول حال، عند من به اقتدى، يعني من القواعد: الصلاة خلف محدث، محدث غدا، غدا يعني مقدم على محدث، يعني غدا محدثًا كان على طهارة فصار ماذا؟ محدثًا، مجهول حال يعني بالنسبة للمأمومين، عند من به اقتدى، أي هؤلاء هم المأمومون. مهما نقول صحيحة، فهل تعد؟ يعني لو تجاوزنا المسألة الأولى وقلنا أن صلاة المأموم خلف الإمام المجهول الحال صحيحة، فهل تعد وهي صحيحة جماعة أو انفراد؟ يعني هل له أجر الجماعة؟ وتعرفون أجر الجماعة أعظم أم انفراد؟ فيكون لها أجر المفرد. قال: وجهان، والترجيح أيضًا مختلف. وجهان علمنا أن الوجه هو التخريج على قول الإمام في المذهب. ومعنى خرج على ما نقل عن الإمام الشافعي وجهان اثنان. ثم قال: ما هو السبب؟ قال: فيما له من الفروع قد عُرِف؛ لأن الإمام الشافعي فروع ومسائل أفتى فيها، لو خُرِجَت عليها هذه المسألة لوجدنا أن له وجهان فيها. وإذا كان كذلك، إذن يحتاج أن ننظر إلى فروع هذه المسائل التي تتعلق بهذه المسألة. والصحيح أن كل فرع له حكمه الخاص، بحسب ما تدل عليه الأدلة العامة والخاصة. أما أن نجعل قاعدة عامة مضطردة في هذا الباب أو في هذه القاعدة، فهذا ليس بالصحيح. فمثلًا من الفروع التي أشار إليها في الأصل، وهكذا في التعليق: إذا كان الإمام إمام جمعة، وكان هو فوق عدد الأربعين، هو يكمل فوق الأربعين، قالوا: يكتب للمأموم أجر جماعة؛ لأن جماعة الجمعة عندهم عند الشافعية تتم بأربعين فأكثر، والإمام إذا بطلت صلاته، ماذا بقيت صلاة الناس؟ وهم أربعون وزيادة، فتكتب لهم الجمعة. وإذا كان الإمام هو يكمل الأربعين، فبطلت صلاته، فإذا نقص العدد الذي تصح به الجمعة، فإذا يقولون: لا تصح لهم أجر جماعة ولا جمعة. والصحيح في هذا الفرع خلاف هذا؛ لأن الصحيح أن الجمعة لا يشتر، بل تصح بما تصح به الجماعة من أهل العلم، من قال: ثنان، ومنهم من قال: ثلاثة. وقد صح أنهم بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلًا، وقيل: إثنى عشر رجلًا في خطبة الجمعة، ومع ذلك سماها الله عز وجل جمعة؛ حين جاءت التجارة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة في أول الإسلام، فخرج الناس وهم حدثا عهد بأحكام الإسلام إلى القافلة التي وصلت والتجارة، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:11]. فقد ثبت أن الذي بقى مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة بضعة عشر رجلًا، في رواية إثنى عشر رجلًا، ومع ذلك سماها ربنا سبحانه وتعالى جمعة، فدل على أن الجمعة تصح بأقل من أربعين، وهذا هو الصحيح. فإذا هذا الفرع لا يصح ما أشاروا إليه. ومن الفروع: لو كانوا ثلاثة، كان الإمام ثالثهم، فبطلت صلاته، لم يكتب للمأمومين أجر جماعة؛ لكون الجماعة قلت بالاثنين، فالاثنين ليس بجماعة. وهذا الصحيح كذلك خلاف الصواب؛ لأن الصواب أن أقل الجماعة ماذا؟ اثنان. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله ما يدل على ذلك. وهكذا كذلك لو تأملنا فروعًا كثيرة ذكروها، فكل فرع من تلك الفروع له حكمه الخاص. فالصحيح أنه ليس في هذا الموضع قاعدة مضطردة، بل كل مسألة لها حكمها الخاص. قال رحمه الله تعالى: قال القاعدة الثالثة: من أتى بما ينافي الفرض دون النفل في أول فرض أو أثنائه، بطل فرضه، وهل تبقى صلاته نفلا أو تبطل؟ هذه قاعدة أخرى من القواعد التي اختلف فيها في الفصل الأول. قال: ومن أتى بما ينافي الفرض لا النفل في أول فرض، مثلا يبطل فرضه، وهل ما صلى يبطل أو نقول يبقى نفلا؟ فيه أتى قولان، والترجيح مختلف. فليكف كالتلويح. معنى هذه القاعدة: أن من أتى بصلاة ابتدأها فرضا، فأتى بما ينافي وصفها كونها فرضا، سواء في أولها أو في أثنائها، يقول: بطل فرضه. فهذه مسألة. وهل تبقى صلاته نفلا أو تبطل الصلاة بالمرة؟ وهذا كذلك سواء الأول أو الثاني، فيه تفصيل؛ لأن من أتى بما ينافي الفرض بما لا يبطل الفرض ولا يبطل الصلاة، فصلاته صحيحة، لكن من أتى بما ينافي الفرض بما يبطل الصلاة، فتبطل فرضا ونفلا. وسيأتي إن شاء الله تفصيله. وهكذا إذا ثبت أنه فعل ما لا يبطل الصلاة، فلم تصر فرضا، فهل تبقى نفلا؟ الجواب: إذا أتمها على الوجه الشرعي، فبقي فيها الوصف الشرعي، فلماذا لا تبقى نفلا؟ أما إذا ذهب وصفها الشرعي، فلا. فمثلًا من أمثلتها: إذا ابتدأ الصلاة فرضا، ثم أقيمت صلاة الفريضة جماعة، فهنا له كيفيتان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». إما أن يقيمها على وجه الاختصار غير المخل ليدرك الفريضة، فتكون ماذا؟ نفلا، فتكون نفلا. مثلا كرجل دخل المسجد، ما في جماعة، كبر، يصلي صلاة الظهر فرضا أربع ركعات، سيصلي. فبينما هو في الصلاة دخل الجماعة، تقيم صلاة الجماعة، فأراد فضل الجماعة، اختصر الصلاة، جعلها ركعتين، حولها من فرض إلى نفل، فصل ركعتين وأدرك معهم الجماعة، فهنا صحت صلاته نفلا، تحولت من فرض إلى نفل، وهي صحيحة. وآخر كان في المسجد، فوقيمة الصلاة فريضة، فرأى أنه لو واصل في الصلاة لم يدرك الركعة الأولى، وإدراك الركعة الأولى أفضل من إتمام النافلة، فألغى صلاته، سواء قلنا: أنه يلغيها بقطعها أو بالتسليم، وفي هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه لا دليل على التسليم بدون ختم الصلاة؛ لقوله: وتحليلها التسليم، يعني بإتمامها، لا بأن يسلم في غير موضع التسليم. فإذا خرج من أثناء الصلاة، فهل نقول هنا أن الصلاة صحيحة؟ لا، ليست بالصحيحة، خلاص بطلة الصلاة، لم تصح لا فرضا ولا نفلا. فإذا لابد من بقاء الوصف الشرعي، فإن بقي الوصف الشرعي فرضا، بقيت فرضا، وإن بقي الوصف الشرعي نفلا، بقيت ماذا؟ نفلا. ومن هذه الصور: لو أنه صلى صلاة الفرض قبل دخول الوقت، ظنا منه أن الوقت قد دخل، ثم تبين له أن الوقت لم يدخل، ماذا كانت تلك الصلاة؟ كانت عنده فريضة، لكن لما علم أن الوقت لم يدخل، صارت ماذا؟ نفلا؛ لأن الفريضة لا تصح إلا بعد دخول الوقت. فإذا حتى لو أداها فرضا، لكن لما كانت ليست على الوصف الشرعي، فهي لا تصير إلا ماذا؟ إلا نفلا؛ لأن الفرض لابد من استيفاء أركانه وشروطه وواجباته، ومن ذلك دخول الوقت. فقوله رحمه الله: ومن أتى بما ينافي الفرض لا النفل في أول فرض، مثلا، يعني كما تقدم: من أتى بالفريضة ثم فعل فيها ما ينافيها، سواء في أولها أو في أثنائها، فإنه كما قال: في البيت الثاني: يبطل فرضه؛ لأنه فعل ما ينافيها. وهذا الذي ينافي كما قلنا: إما أن يبطل الصلاة بالكلية، مثل الرجل الذي خرج من الصلاة، بطلة الصلاة بالكلية. وقد يحولها من فرضيتها إلى نفلها، مثل ما تقدم في المثال، بدلا من أن يصلي أربعا، صلى ركعتين. قال: وهل ما صلى يبطل أو نقول يبقى نفلا؟ وهذا كذلك قلنا: كما مر معنا قبل قليل، فيه ماذا؟ فيه التفصيل. ثم قال: فيه أتى قولان، والترجيح يعني قولان عن الإمام الشافعي؛ لأن القواعد عند الشافعية، والقول كما قلنا هو المروي عن نفس الإمام، وهذا هو الغالب. وإلا أحيانا قد يحصل خطأ بنسبة قول للإمام، وليس كذلك. قال: فيه أتى قولان، والترجيح مختلف، فليكفك التلويح، يعني معناه: قولان منقولان عن الإمام الشافعي، مختلفان، ليس فيه شيء مرجح راجح، نستطيع أن نجزم فيه أو عليه. فعند ذلك يكفك التلويح. وهذا التلويح هو أن المسألة من المسائل المختلف فيها. والصحيح في هذا كما تقدم قبل قليل: أنه يفصل في هذه المسائل، فليس هناك قاعدة واحدة مضطردة، يقضى بها في جميع المسائل. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الرابعة: النذر، هل يسلك به مسلك الواجب أو الجائز؟ قال: والنذر هل سلوكنا به في مسلك فرض شرعنا الشريف أو مسلك الجائز؟ قولان أتى، وخلف ترجيح الفروع ثبت، وخرج النذر عن الشقين في صورة نذره القراءة تعرفي، فنية الناذر فيها تحتم، وليس فرض ونفل تلزم. وهذه قاعدة أخرى، وهي القاعدة الرابعة مما يدخل في الفصل الأول من القواعد المختلف فيها. قال: النذر هل يسلك به مسلك الواجب أو الجائز؟ وربما يعبر عنه فيقال: النذر المطلق هل يسلك به مسلك الواجب في الشرع أم جائزه؟ وأحيانا يعبر عنه بقولهم: تنزيل النذر على الواجب شرعا أم على جائزه؟ فهذه عبارات يعبر بها عن هذه القاعدة، وربما يعبر بألفاظ أخرى. ومعنى هذه القاعدة: النذر إذا ورد، هل يُعامل معاملة الواجب أم يُعامل معاملة الجائز؟ وهذا كذلك كما أشار: ليس فيه قاعدة مضطردة، ففي مواضع قد يسلك مسلك الواجب، وفي مواضع قد لا يسلك به مسلك الواجب. فمن أمثلتي أن يسلك مسلك الواجب: مع التنبه أن الأصل في النذر في عقده الصحيح الكراهة، بل تشتد الكراهة إذا كان النذر مشروطا؛ لحديث ابن عمر في البخاري وغيره: «أن النذر لا يأتي بخير، إنما يستخرج من البخيل». وإذا كان مشروطا فهو أشد؛ إذ أنه يعامل ربه سبحانه وتعالى بالمشاحة والمقايضة، كأنه يقول: إن تعطني أعطيك، وفيه ما فيه من سوء الأدب مع ربه وخالقه. ولو أراد فهو أراد فضل الله، يكفيه أن يسأله سؤال مفتقر إلى ربه وخالقه ومولاه، فإذا أعطاه شكره، شكر عابد لمحسن، لمحسن ومنعم وكريم، بأداء ما يتيسر من الطاعات، لا على وجه الإلزام؛ لأنه لو ألزم نفسه كان قد شدد على نفسه. فإذا اشترط كان أشد. وأما الوفاء بالنذر فواجب، عقده مكروه، والوفاء به واجب؛ لأنه بمثابة اليمين، من نذر كأنه حلف على نفسه أن يفعل الشيء الفلاني. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كفارة النذر كفارة يمين». فإذا علمنا ذلك، فلنعلم أن النذر إذا كان في العبادات أو المعاملات، فلا يسلك به مسلك الواجب دائما، ولا مسلك الجائز دائما، بل في بعض المسائل قد يسلك به مسلك الواجب، وفي بعضها قد يسلك به مسلك الجائز، بل وربما يسلك به مسلك الواجب، ولكنه لا يعامل معاملة الواجب من كل الوجوه. وإنما قلنا: يسلك مسلك الواجب؛ حتى لا يخرج عن الوصف الشرعي الذي تعبدنا الله به. فمثلًا من نذر بالصلاة، فإنه كما قال الفقهاء: يسلك مسلك الواجب، فلا يجوز له أن يصلي قاعدا مع استطاعته على القيام، بخلاف النفل؛ لأنه الأصل في الصلاة. وهكذا لا يجوز له أن يصلي بأقل من ركعتين؛ لأنها أقل صلاة مشروعة. ولا يجوز له أن يصلي بدون طهارة مع استطاعته على الطهارة. فإذا تأملنا: هل سلك به مسلك الواجب؟ لأنه نذر أم لأنه صلاة؟ ها لماذا؟ الجواب: الثاني؛ لأنه صلاة، فهذه وصف الصلاة شرعا، هذا هو وصف الصلاة شرعا. فإذا استفدنا هذا الوجوب ليس من كونه نذرا، لكن من كونه في صلاة، والصلاة بالشرع يشترط لها ذلك. ومثله من نذر الصوم، فلابد له من تبييت النية؛ لأن صيام النذر صيام معين، فيحتاج إلى نية. وعلمنا فيما تقدم في مباحث النية: أن من فوائد وحكم النية أنها تفرق بين العبادة والعادة، وبين العبادة والأخرى. فما دام أن النذر يحتاج إلى نية خاصة، فلابد له من تبييت نية. فلو نذر أن يصوم يوما، ودخل في الصيام من غير نية النذر، ففي أثناء الصيام قال: أجعل هذا اليوم هو صيام النذر، الصحيح أنه ما يجزئه؛ لماذا؟ لأنه لم يبيت له نية. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». فلابد أن تسبق النية العمل. بخلاف صيام النفل، ما يحتاج إلى نية، فلذلك يجوز أن يصوم حتى ولو قبل المغرب بساعة، ما دام أنه لم يتناول مفطر من المفطرات، ما وجدت ماء ولا طعام يشرب أو لم يجد وقتا للشرب ولا للأكل. وقد يحصل هذا في البلاد الباردة، ينسى الإنسان الأكل والشرب، فلا يدري إلا وهو قريب وقت المغرب، يقول: سبحان الله، اليوم ما أكلت ولا شربت، لماذا لا أصوم؟ ما بقي للمغرب إلا ساعة أو ساعتان، يصح أو لا يصح؟ يصح. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصبح فيسأل أهل بيته: «هل عندكم من طعام؟» فإن لم يكن فيقول: «اللهم إني صائم». فإذن النذر، النذر لأنه شيء خاص يحتاج إلى ما يحتاج الفرض في النية. لكن مما يدلنا أن هذا الوجوب ليس لأجل النذر، ولكن لوصف خاص فيه. هل إذا قلنا: أنه يسلك به مسلك الواجب، فإذن لو جامع في نهار صيام النذر، فعليه كفارة المجامع في نهار رمضان، على قاعدتهم. يلزم أنه ماذا؟ عليه كفارة. ولهذا اختلفوا في هذه المسألة. فمن قال: ينزل منزلة الواجب ويسلك مسلك الواجب، قالوا: عليه كفارة الجماع. وهذا ليس بالصحيح؛ لأن كونه يسلك مسلك الواجب في تبييت النية لكون صيام النذر يحتاج لتعيين نية، لا لكونه يتابع صيام الفرض بمثل فصيام الفرض فيه حرمة الشهر. ولهذا على الصحيح: لو أنه صام قضاء لرمضان بعد رمضان، فأفطر بجماع في نهار قضائه، فليس عليه كفارة على الصحيح؛ لأن الكفارة لحرمة الشهر، لا لحرمة عين الصوم. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. فإذا كان كذلك، فهو من باب أولى في مسألة النذر. ومن أمثلته الواجبة: أنه إذا نذر أن يأتي المسجد الحرام، قالوا: يجب عليه أن يأتي بعمرة أو حج. وفي هذا تفصيل: إذا كانت له نية فيكفي أن يأتيه ولو بالصلاة. فقد صح أن عمر نذر أن يعتكف يوما في الجاهلية، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم يعني في المسجد الحرام، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره. فإن كانت له نية، فالعبرة بالنية. فإن لم تكن له نية، فالأصل أن إتيان المسجد الحرام قد يكون للحج والعمرة، وقد يكون للصلاة. فإن كانت هناك قرينة تدل أنه حج أو عمرة، فعليه حج عمرة. وإن كانت هناك قرينة تدل على العموم، فالأرفق به أن يجعلها صلاة، فصلاة يفعل الأيسر. إن دلت القرينة على شيء، وإلا فعلى الأيسر. وكذلك لو نذر أن يحج، وقد حج الفرض، فالصحيح أنه يجب عليه الحج، لكن ليس يجب عليه الحج لكون النذر فيه قاعدة مضطردة أنه يسلك به مسلك الواجب، ولكن لأن النذر يجب الوفاء به؛ لأن النذر يجب الوفاء به، فيختلف الحكم. ومن أمثلة النوع الثاني: أن النذر لا يسلك به مسلك الواجب، ولكن يسلك به مسلك الجائز. لو نذر أن يعتق رقبة، فإن وفاءه بندره واجب لو استطاع، فإذا لم يستطع، فإنه لا يجب عليه، فيكفر كفارة يمين، يكفر كفارة يمين. ومنه لو نذر أن يطوف بالكعبة، فكذلك يُعامل معاملة نفل الطواف، وإن كان يحتاج إلى نية خاصة ليقضي نذره ويوفي به، فهذا كطواف النفل يحتاج إلى نية خاصة. فإذا نفرق بين أن النذر الوفاء به واجب، وبين أن نقول: يُسلك به مسلك الواجب، فيشبه الواجب من جنس العبادة في كل شيء. ولهذا لو نذر أن يصلي بدون تعيين، جاز له أن يصلي ركعتين أو يصلي أربعا على الصحيح، وليس هناك ما يلزمه بصلاة معينة. قال رحمه الله: والنذر هل سلوكنا به في مسلك فرض شرعنا الشريف أو مسلك الجائز؟ قولان أتى، وخلف ترجيح الفروع ثبت. وهذا هو الخلاف في القاعدة: هل النذر يُسلك به مسلك فرض شرعنا الشريف، يعني الواجب فيما جاء في الشرع؟ وكما تقدم: ليس مرادهم مسلك الفرض أن يكون يجب الوفاء به، وإنما مرادهم أن يشبه بالفرض في كل أوصافه. وهذا بهذا الإطلاق لم يتفقوا عليه، بل كما أشار: فيه خلاف. والصحيح فيه التفصيل. وقوله: أو مسلك الجائز، قولان أتى، وخلف ترجيح الفروع ثبت، يعني: هل يُسلك به مسلك الواجب أو يُسلك به مسلك الجائز؟ قولان عن الإمام الشافعي، أو على من توسع بالقول: يكون قولان في المذهب، أي في مذهب الشافعية. وخلف ترجيح الفروع ثبت، يعني: قد ثبت في المذهب أن فروعا كثيرة اختلفوا فيها. ثم قال: وخرج النذر عن الشقين في صورة نذره القراءة، وخرج النذر عن الشقين في صورة نذره القراءة تعرفي، يعني: خرج عن هذين الشقين المذكورين: الواجب والجائز، في صورة قراءة القرآن. فلو نذر أن يقرأ قراءة القرآن، فإن لا نقول: أنه واجب، ولا نقول: أنه جائز، بل لابد له من نية على خلاف ما عليه من يقرأ القرآن، ما نقول فيه وجوب، ولكن لأنه نذر أن يقرأ القرآن، فإن النية فيه واجبة؛ لأنه كل يوم يقرأ القرآن، يريد الآن أن يحقق النذر، إذن لابد له من نية خاصة. لابد له من نية خاصة، فيتحقق به قراءة القرآن. وهذه النية الخاصة أخرجت هذا الوصف والفرع من فروع النذر من كونه واجبا أو كونه جائزا، يعني: لم نقل: أنه جائز، ولا واجب؛ لأن فيه النية واجبة، في حين أن أصل القراءة مستحبة. وهذا لا يعرف له نظير في نفس القراءة؛ عرفنا لأن قراءة القرآن نفل، وما يحتاج لنية، ومع ذلك في النذر يحتاج لنية واجبة؛ لماذا؟ لأن النذر عمل معين يحتاج لقصد. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». وقوله: فنية الناذر فيها تحتم، وليس في فرض ونفل تلزم. ومعنى ذلك: أن نية الناذر في هذه القراءة تحتم عليه؛ لما تقدم وسبقت الإشارة إليه؛ لأنه عمل يحتاج لقصد، فلابد له من نية. وليس في فرض ونفل تلزم، يعني: نية الإلزام بالنية في قراءة القرآن لم يرد بها شيء، لا في الفرض ولا في النفل. في الفرض مثل الصلاة، ما يحتاج لنية لأن تقرأ الفاتحة، ولا يحتاج لنية لأن تقرأ سورة بعد الفاتحة. والنفل مثل سائر القرآن، تقرأ في يومك ونهارك وليلتك، ما يحتاج لنية. لكن النذر بقراءة القرآن يحتاج لنية. نذر إنسان إن شف الله مريضه أن يقرأ سورة الجمعة، إذن إذا شف الله مريضه، وقلنا: هذا النذر مكروه، لكن إذا وقع يجب الوفاء به. إذا كان هو كل جمعة يقرأ الجمعة، هل يكفيه؟ لا، لابد من تحديد نية هذه الجمعة: سأقرأ بنية الوفاء بالنذر، بنية الوفاء بالنذر؛ لأنه عمل خاص يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج لنية. نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم.