الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 37، الدرس السابع والثلاثون: (وقوله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ... والأصم يعلم بوجود الأصوات ولا يسمعها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع معنى الآية الكريمة "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" ويبين أن نفي المماثلة لا يعني نفي الصفات، بل إثباتها على وجه يليق بجلال الله. كما يوضح منهج أهل السنة في إثبات الصفات استنادا إلى القرآن الكريم.
يتناول المقطع اتهام الجهمية والمعتزلة لأهل السنة بأنهم حشوية، ويشرح معنى هذا الاتهام وكيف رموا به الأئمة. كما يوضح أن أهل السنة يثبتون الصفات لله تعالى استنادا إلى القرآن الكريم.
يناقش المقطع معاني السميع البصير في القرآن ويوضح أن تفسير الأشاعرة لهذه الصفات يُعد تعطيلاً لصفة السمع والبصر. يُؤكد على إثبات صفة السمع والبصر لله تعالى كما أثبتها لنفسه في القرآن الكريم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال فيه الإسلام مكيمية، رحمه الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، أو وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. قال الشارح، رحمه الله: قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إلى آخره، دل إثبات صفتي السمع والبصر له سبحانه وتعالى بعد نفي المثل عنه على أنه ليس المراد من نفي المثل نفي الصفات، كما يدعي ذلك المعطلة ويحتجون به باطلا، بل المراد إثبات الصفات، مع نفي مماثلتها لصفات المخلوقين. ومعنى كما هو ظاهر أولا أن المؤلف، رحمه الله، أورد الآيتين لإثبات صفتي السمع والبصر، وقد مر معنا الكلام على الآية الأولى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ حين ذكر الأوجه المجملة لإثبات الصفات، فهنا ذكر هذه الآية وما بعدها لإثبات صفتي السمع والبصر لله سبحانه وتعالى. وهذه الإثبات، السمع والبصير لله سبحانه وتعالى، ثم أبان الشارح، رحمه الله، أن النفي المذكور في الآية ليس فيه دليل لتعطيل المعطلة، والمعطلة والممثلة على طرفين قسيم، فإن المعطلة استدلوا بأول الآية، والممثلة استدلوا بآخر الآية، والصحيح هو الاستدلال بجميع الآية. فإن الله عز وجل نفي عن نفسه المماثلة، وليس معناه أنه نفي عن نفسه الصفات، بل معناه أنه أثبت لنفسه الصفات على وجه ليس فيه مشابه للمخلوقين أو مماثلة، الأفضل كما مر المماثلة للمخلوقين. وهذا هو قوله، رحمه الله: ليس المراد من نفي المثل نفي الصفات، لماذا؟ لأنه قال: بل المراد إثبات الصفات مع نفي مماثلة للصفات المخلوقين، لماذا؟ لأنه أثبت بعده السمع والبصر، فلو كان المراد نفي الصفات لما ذكر بعده السمع والبصر. وهذا يدل على أن المراد إثبات صفتي السمع والبصر على ما يليق بجلال الله وعظمته، ففي الأول رد على الممثلة الذين زعموا أن الله جل وعلا له من الصفات كخلقه، تعالى الله عن قولهم. وقيل أن أول من قال بالتمثيل هو هشام بن الحكم الرافضي، فإنه قال بالتجسيم، وقد نقل ذلك جماعة ممن نقل مقالات الإسلاميين، كالأشعري وابن حزم والشهرستاني وجماعة. وهذه طريقة الرافضة، ويفذا نقل عن راوض آخر من الشيعة، وهو بيان بن سمعان التميمي، فزعم أن الله صورته كصورة إنسان، تعالى الله عن قوله علوا كبيرا، بل زعم بظنه وعلمه الكاسد الخاسر بأن قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أنه يزول كل ذاك إلا الوجه فإنه يبقى، وهذا باطل، ولكن مراد الآية ذكر البعض والمراد به الكل. ويذكر البعض ويراد به الكل تنبيها لشرفه وعظمه، وهكذا كذلك في آخر الآية رد على المعطلة الذين عطلوا صفات الرب جل وعلا، وكما مر معنا أول من أثر عنه التعطيل الجعد بن درهم، وأثره عن اليهود، ثم أخذه عنه الجهم بن صفوان، ثم أخذه عنه قواد من المعتزلة كعمرو بن عبيد وواصل ونحوهم من رؤوس أهل الاعتزال. وأما أهل السنة فقد جمع الله جل وعلا لهم العدل في ذلك، فهم وصد بين هؤلاء وهؤلاء، أثبت لله عز وجل ما أثبت لنفسه من الأسماء والصفات مما أثبتها في كتابه أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، إثباتا من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تمثيل. يثبتونها إثبات وجود، فكما أن لله ذات لا كالذوات، فلله الصفات لا كالصفات، فهو سبحانه وتعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فكان قول أهل السنة والجماعة هو القول الذي جمع بين معنيي الآية، نفي التمثيل وإثبات الصفات على ما يليق بالله جل وعلا من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تمثيل. ولهذا تجد أن هؤلاء من معطلة وممثلة يرمون أهل السنة بالتهم الباطلة على مفهومهم الخاطئ، فالمعطلة يرمون أهل السنة بأنهم حشوية، كما فعل هذا الجهمية ومن تبعهم، فقد قيل أن أول من أطلق هذا اللفظ هو عمرو بن عبيد المعتزلي الضال الذي اغتر به بعض الملوك. فقد قال عبد الله بن عمر بن الخطاب: حشوي، رمى الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب بأنه حشوي، وهكذا رموا كذلك الأئمة كالإمام أحمد، رحمه الله، بأنه حشوي، فصار أهل التعطيل على هذه الطريقة من جهمية ومعتزلة وكلابية وأشاعرة وماتريدية يرمون أهل السنة بأنهم حشوية. ويريدون بالحشو هو الشيء الذي لا معنى له، ولهذا يطلقون على العوام بأنهم حشو، وهم يريدون بهذا الدم لأهل السنة وأنهم لا يفهمون ولا يفقهون شيئا، فزعموا أنهم هم الذين على الحق، بل تمادى بعض رؤوس الجهمية أن رموا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمثل هذه التهم. فقد نقل عن ثمامة بن الأشرس، وهو من رؤوس الجهمية، أنه قال: ثلاثة من الأنبياء مشبهة، قال: ثلاثة من الأنبياء مشبهة، موسى حيث قال: ﴿إِلَّا فَتَنْتُكَ﴾ يعني أنه أثبت هذه الصفة فكان مشبها، وانظر إلى هذا الانحراف. قال: وعيسى حيث قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، فرم عيسى كذلك بأنه مشبه، قال: ومحمد حيث قال: ﴿يَنْزِلُ رَبُّنَا﴾، فرم هؤلاء الأنبياء الثلاثة بأنهم مشبهات، وقد نقل هذا غير واحد من الأئمة، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في مجموع الفتاوى. ولهذا صار دندنهم رمي أهل السنة بهذه التهمة، فإذا لا غير على أهل السنة، فقد رمي من هو أرفع منهم من الأئمة، فقد جعل المعتزلة الأئمة وأصحابهم مشبهة، فرمي الإمام مالك بأنه مشبه، والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وجماعة، وآكد من فوقهم من الصحابة كما سمعنا، وهكذا من فوقهم حتى من الأنبياء، فما سلم من أهل البدع أحد. وهذا الممثل على طرف آخر يرمون أهل السنة بالتعطيل، وهم في الحقيقة المعطلون الذين زاغوا عن الصراط المستقيم. قال الشارح، رحمه الله تعالى: قال العلامة ابن القيم، رحمه الله: قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إنما قصد به نفي أن يكون معه شريك أو معبود يستحق العبادة والتعظيم كما يفعله المشبهون والمشركون، ولم يقصد به نفي الصفات، نفي صفات كماله وعلوه على خلقه وتكلمه بكتبه وتكلمه لرسله ورؤية المؤمنين له جهرة بأبصارهم كما ترى الشمس والقمر في الصحو، أو كما ترى الشمس، يجوز هذا وهذا، انتهى كلامه، رحمه الله. وهذا الكلام من ابن القيم، رحمه الله، أورده ليستدل به ويؤكد المعنى الذي ذكره من أن نفي المثل ليس هو نفي للصفات، وإنما نفي أن تكون الصفات كصفات المخلوقين أو أن يكون لها مثال عند المخلوقين. ولهذا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فلو لم يذكر له صفة لما قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، كما هو ظاهر، وهذه الآية قاعدة تثبت بها جميع الصفات لله عز وجل التي أثبتها بكتابه وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام على هذا المنوال. ولهذا قال ابن القيم، رحمه الله: إنما قصد به نفي أن يكون معه شريك ومعبود يستحق العبادة والتعظيم كما يفعله المشبهون والمشركون، يعني أنه قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نفى عن نفسه سبحانه وتعالى أن يكون له مثيل ونظير ومساوي. فإذا لم يكن له مثيل ونظير ومساوي، فإذا هو الله وحده المتفرد بصفات الكمال ونعوت الجلال الذي يستحق العبادة وحده سبحانه وتعالى، وتضمن هذا في ضمنه أنه المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العليا، فهو يثبت له سبحانه الأسماء والصفات على ما يليق بجلاله وعظمته، ونفيها وتعطيلها نقص في حق ربوبيته وكمال ألوهيته سبحانه وتعالى. ولهذا قال بعده: ولم يقصد به نفي صفات كماله وعلوه على خلقه وتكلمه بكتبه إلى آخر الصفات التي أشار إليها، وأن هذا كله يثبت لله على ما يليق بجلاله وعظمته. قال، رحمه الله تعالى: ومعنى السميع المدرك لجميع الأصوات مهما خفت، فهو يسمع السر والنجوى بسمع هو صفة لا يماثل أسماع خلقه. وقوله، رحمه الله تعالى: المدرك لجميع الأصوات، هذا مما أخذ على المؤلف، رحمه الله، فإن هذا التعبير وإن كان ظاهره أنه تعبير أراد به إثبات السمع والبصر، ولكن لما كان هذا التعبير مما جرى على ألسنة المعطلة من الأشاعرة، وهكذا جرى في أقلامهم وكتاباتهم المعطلة، كان الأولى والأحسن ترك ذلك. وزيادة أن المؤلف، رحمه الله، كانت له معرفة بمداهب القوم، وكثرت قراءته فيها، فلربما كان هذا من بقايا ما أخذه من تلك الكتب ولم ينتبه، رحمه الله، أن هذه اللغة الأولى والأكمل تركها على أقل التقدير. وذلك لأن الأشاعرة هم الذين فسروا السمع والبصر بالإدراك، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في رسالته العظيمة نونية التسعينية التي رد فيها على الأشاعرة، وسيأتي معنى التنبيه عليها في المواضع الآتية إن شاء الله. فهم لا يثبتون وقوع مرئيات ومسموعات، فيقولون: يستلزم الحدوث، مثل ما سبق في قولهم في العلم، فقولهم بالعلم إدراك المعلوم هو في الحقيقة تعطيل لصفة العلم، وهكذا كذلك هنا قولهم بالسمع والبصر هو الإدراك، كذلك تعطيل لصفة السمع والبصر. فهو شبيه كما مر معنا بقول من شبهه بقول من هيا إلياس، حيث قالوا: ماذا، حيث رفع صوتك، لا نريد لفظة خاصة من قولهم: نعم عالم بذاته، سميع بذاته، قادر بذاته، فقولهم بذاته يعني ليس له صفة هي العلم، وليس له صفة هي السمع، وليس له صفة هي البصر، وإنما ذلك بأصل الذات. مثل هذا قول الأشاعرة: أنه سميع مدرك للمسموعات، بصير مدرك للمبصرات، فقوله مدرك في الحقيقة ليس فيه إثبات للصفة، ولو كان المؤلف، رحمه الله، من كلامه الآخر يفهم منه أنه أراد إثبات الصفة، لكن هذا التعبير لما عبر به أهل البدع، وكان لفظه موهما، نبه على ذلك حتى لا يختلط الأمر. قال، رحمه الله تعالى: ومعنى السميع المدرك لجميع الأصوات مهما خفتت، فهو يسمع السر والنجوى، قوله: وهو يسمع، إثبات لصفة السمع، لكن قوله في أول الأمر: مدرك لجميع الأصوات، الأولى ترك هذا التعبير، والأحسن أن نقول: السميع الذي يسمع جميع الأصوات، نثبت لله صفة السمع. قال: فهو يسمع السر والنجوى بسمع هو صفة لا يماثل أسماع خلقه، عندكم صفة أو صفته، نسخكم صفة، صفته طيب، يجوز هذا ويجوز هذا إن شاء الله. قال: ومعنى البصير المدرك لجميع المرئيات من الأشخاص والألوان، وهكذا كذلك الأفضل والأولى والأحوط أن يقول هنا: البصير الذي يبصر جميع المرئيات، أفضل من قوله: المدرك، لأن الأفضل المدرك فيها اشتباه، وهي من تعابير الأشاعرة كما مر معنا. وقد نبأ على هذا المعنى كما قلنا شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، منها في التسعينية، ومنها في الفتاوى، وفي جامع الرسائل في مواضع. قال، رحمه الله تعالى: قال: المدرك لجميع المرئيات من الأشخاص والألوان مهما لطفت أو بعدت، فلا تؤثر على روية الحواجز والأستار، وهو من فعيل بمعنى مفعل، يعني: بصير بمعنى مبصر. قال: وهو دال على ثبوت صفة البصر له سبحانه على الوجه الذي يليق به جل وعلا. قال: روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، وهكذا جاء من حديث عقبة بن عامر بمعنى قال: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه. قال: ومعنى الحديث أنه سبحانه يسمع بسمع ويرى بعين، الأصل نقول: ويرى كذلك، ويرى برؤية، لكن قال هنا: بعين، لأن العين ثبتت لله عز وجل بنص الكتاب والسنة، وسيأتي إن شاء الله معنا بعض الأحاديث ذلك، حديث ابن عمر حين قال: «إن ربكم ليس بأعور»، لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور، وأشار بيديه لعينه، يعني حين ذكر الدجال. قال: ومعنى الحديث أنه سبحانه يسمع بسمع ويرى بعين، فهو حجة على بعض الأشاعرة الذين يجعلون سمعه علمه بالمسموعات، وهكذا كذلك الذين يقولون: سمعه ماذا؟ إدراك المَسْمُوعات، فهو تعطيل، فهو تعطيل. بل الله عز وجل يسمع حقيقة ويبصر حقيقة، قال: وهو تفسير خاطئ، فإن الأعمى يعلم بوجود السماء ولا يراها، والأصم يعلم بوجود الأصوات ولا يسمعها. قال: ومراده، رحمه الله، أن هذا ليس بكمال، كونه يقول: علمه بالمسموعات أو إدراكه للمسموعات، هذا ليس بكمال، إذ الكمال هو سمع المسموعات ورؤية المبصرات، هذا هو الكمال. ولذلك كان الصواب إثبات هذه الصفة على ما أثبتها ربنا جل وعلا لنفسه، فنقول: أنه سميع يسمع المسموعات، الأصوات مهما خفتت والسر والنجوى، وبصير يرى المرئيات مهما لطف أو بعد، ومهما دق أو قل، فكل شيء سبحانه وتعالى يبصره ويراه جل وعلا. والله تعالى أعلم.