شرح الفرائد البهية  21

شرح الفرائد البهية 21

الدرس في شرح الفرائد البهية 21، تابع : القاعدة الخامسة:العادة محكمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في التعارض بين الحقائق

تناول الشيخ مسألة التعارض بين الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية، واختلاف العلماء في تقديم إحداها. الأصل في ذلك مراعاة القرائن التي ترجح أحدها.

ترجيح الحقيقة الشرعية على العرفية

إذا تعارض العرف الجلي والشرع، يقدم الحقيقة الشرعية على العرفية إلا إذا وجدت قرينة ترجح العرف. يُقدم الشرع عند التعارض كما في اعتبار السمك لحمًا.

ترتيب تقديم المعاني في النصوص الشرعية

الأصل في تفسير النصوص الشرعية تقديم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية إلا إذا وجدت قرينة تدل على غير ذلك. هذا الترتيب هو قول جمهور أهل العلم والصواب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله، الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- من أحكام تتعلق بقاعدة العادة محكمة. وقد علمنا فيما ذكره من أبيات عددا من هذه الأحكام، ثم قال -رحمه الله تعالى-: قال وحيثما تعارض العرف الجلي والشرع فليقدمن للأول إن لم يكن في الشرع حكم اعتلق فإن يكن فهو بتقديم أحق والعرف إن عارضه الوضع ففي مقدم عنهم خلاف قد قفي فبعض الحقيقة اللفظية وبعض الدلالة العرفية قال وقيل إي عم وضع قدما وقيل غير ذاك فاحفظ وعلم. انتقل -رحمه الله- في هذه الأبيات إلى ذكر مباحث ذكرها الفقهاء وأهل الأصول في تقديم الحقائق إذا تعارضت؛ أيها يقدم؟ وقد اختلف أهل الفقه وأهل الأصول في هذه الحقائق الثلاث إذا تعارضت. فمنهم من قدم الشرعية، ومنهم من قدم العرفية، ومنهم من قدم اللغوية. وجماهير أهل العلم من أهل الفقه والأصول يقدمون الحقيقة الشرعية عند التعارض، ثم العرفية، ثم اللغوية. وبعضهم يخالف في هذا، وهناك أقوال كثيرة وتفاصيل عديدة. والذي يظهر -والله أعلم- بما تجتمع به هذه الأوجه، ويكون به كذلك توافق الأدلة الواردة في هذا الباب والمسائل العارضة، أن الأصل تقديم الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية عند التعارض، ما لم تكن هناك قرينة تقتضي تقديم أحدها على الآخر. فإن وجدت قرينة تقتضي تقديم أحدها على الآخر، فبالقرينة يُعمل، فتكون القرينة مُرجِّحة. قال في البيت الأول: وحيثما تعارض العرف الجلي والشرع فليقدمنا للأولي؛ يعني إذا تعارض العرف الجلي والشرع، فليقدم العرف على الشرع. وهذا الذي ذكره -رحمه الله- على ما سبق تقريره يكون خلاف الصواب، ولكن الصواب تقديم الحقيقة الشرعية على الحقيقة العرفية، ما لم تكن هناك قرينة تقتضي تقديم العرف على الشرع. فمثلا سمى الله عز وجل لحم البحر لحما: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، فالسمك لحم في الشرع، لكنه ليس كذلك في العرف. فإذا حلف إنسان ألا يأكل لحما، فأكل سمكا، فهل حنث في يمينه؟ الصحيح: لا. كيف قلنا: نقدم الحقيقة العرفية؟ الحقيقة الشرعية على الحقيقة العرفية. الجواب: تقدم الحقيقة الشرعية بما كان في الشرع. وأما ما كانت قرينة تدل على معنى معين يقتضي ترجيح العرف على الشرع، فذلك. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فنية هذا الرجل وعرفه الخاص -بل والعرف العام- يقتضي أن يمينه خرجت في حق اللحم دون السمك. وهذا لا يعارض الشرع، لكن تقدم الحقيقة الشرعية إذا عارض ذلك الشرع. فلو قال قائل: جرى العرف العام -بل ربما يقول بعضهم: اضطرد العرف- في أن من رهن شيئا جاز لمن عنده الرهن أن ينتفع بهذا الرهن، كما قال به بعض الشافعية، فقالوا: إذن يجوز أن ينتفع بالرهن. فقل: لا؛ لأنه عارض الشرع. لأن هذا العرف عارض الشرع، فلا يجوز أن يعمل بعرف خالف وعارض الشرع. إذن قوله -رحمه الله- أن العرفية تقدم على الشرعية، هذا ليس بقاعدة مضطردة، وإنما إذا دلت القرينة على ذلك، فتقدم العرفية على الشرعية. وهذه القرينة غالبا ما تكون في معنى العموم والخصوص؛ يعني نجد أن النص إذا ورد بمورد خاص، وكانت المسألة فيها معنى خاص، فيقدم الخاص على العام، وهذا من الترجيح. قال -رحمه الله-: إن لم يكن بالشرع حكما اعتلق فإن يكن فهو بتقديم أحق. وهذا القيد يرجح القول الذي سبق. قوله: إن لم يكن بالشرع حكما اعتلق فإن يكن فهو بتقديم أحق؛ يعني إذا تعلق بالشرع حكم، فلا تقدم الحقيقة العرفية على الشرعية. إذن نرجع إلى ما سبق: أن الأصل تقديم الشرعية على العرفية، إلا إن وجدت قرينة على تقديم العرفية على الشرعية. وهذا هو الصواب -والله أعلم-. ومثل له بالمثال الذي ترون في التعليق: فيمن حلف لا يصلي، فإنه يحمل على الصلاة ذات الركوع والسجود. حلف أن لا يصوم، يحمل على الصوم الشرعي. فإن أمسك عن الكلام لم يكن ذلك بالصوم الشرعي، وهكذا. ثم قال: والعرف إن عارضه الوضع ففي مقدم عنهم خلاف قد قفي؛ يعني إذا عارض العرف -والمراد بالوضع الوضع اللغوي- ففي تقديم للوضع اللغوي على العرف خلاف قد قفي؛ يعني أثر ووجد. وتاب عليه أناس. ما هو هذا الخلاف؟ فاسره بالأبيات التي بعده، فقال: فبعض الحقيقة اللفظية وبعض الدلالة المعرفية أو العرفية؛ يعني بعض هؤلاء قدموا الحقيقة اللفظية -أي اللغوية- وبعض هؤلاء قدموا الدلالة المعرفية أو العرفية -يعني الحقيقة العرفية-. قال: وقيل إي عم وضع قدما وقيل غير ذاك فاحفظ وعلم؛ يعني قول ثالث بالتفصيل: إن وجد فيه معنى العموم في الوضع -أي في الحقيقة الوضعية- قدم. وقيل غير ذاك فاحفظ وعلم؛ يعني قيل غير هذا القول، فاحفظ هذه الأقوال واعلمها. والصواب على وجه الاختصار في هذا المقام، والذي به -بإذن الله- ينضبط ما يرد من مسائل كثيرة وتشعبات عديدة: أن الأصل تقديم الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية، إلا إن وجدت قرينة، فتقدم كل واحدة على الأخرى بالقرينة. فإن لم توجد، فالأصل على هذا. وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو الصواب -والله تعالى أعلم-. نكتفي الليلة بهذا القدر، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.