شرح حائية ابن أبي داود 10

شرح حائية ابن أبي داود 10

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 10، الدرس العاشر : وفيه البيت ( وبالقدر المقدور ... عقد الدين والدين أفيح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإيمان بالقدر وأهميته

يُعد الإيمان بالقدر دعامة أساسية لعقد الدين، حيث يزيل الشك ويجعل الإنسان مسلمًا لجميع ما يتعلق به. الإيمان بالقدر يؤثر على مسائل الدين عمومًا مثل التوكل.

مراتب الإيمان بالقدر وتفاصيلها

الإيمان بالقدر يتضمن أربعة مراتب: العلم، المشيئة، الكتابة، والخلق. يجب الإيمان بأن الله عليم بكل شيء، ومشيئته نافذة، وكل شيء مكتوب ومقدر.

أهمية الإيمان بالقدر في الإيمان العملي

الإيمان بالقدر ركن أساسي في الإيمان، وعدم الإيمان به يؤدي إلى خلل في مسائل الإيمان. الله خلق الخلق وأعمالهم، والإيمان بالقدر يحقق للإنسان تمام الإيمان.

الحكمة من الإيمان بالقدر وتأثيره

الإيمان بالقدر أمر ضروري لإكمال إيمان الإنسان نظراً لضعفه، وأنه قدر سر الله تعالى. الإيمان بالقدر يحقق للإنسان تمام الإيمان ويجعله مسلمًا لجميع ما يتعلق به.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، لما يدعو ذا رحمه الله تعالى في منظومته قال: «وبالقدر المقدور أيقن فإنه دعامة عقد الدين، والدين أبيحه». انتظر الملغ رحمه الله تعالى بعدما ذكر قبر الصحابة رضي الله عنهم، ورضاهم إلى مبحث القدر، فقال رحمه الله: «وبالقدر المقدور أيقن فإنه»، أي يا من تمسكت بحبل الله ودنت بذلك بالكتاب والسنن، اجعل من تديونك ومن عقيدتك الإيمان بالقدر المقدور، هو المراد به القدر الذي قدره الله جل وعلا. وقوله: «أيقن»، أي كن على يقين من ذلك، فإن الإيمان بالقدر يحتاج إلى يقين، يقين يزيل الشك ويجعلك مسلمًا لجميع ما يتعلق بالإيمان بالقدر. قال: «فإنه دعامة عقد الدين»، أي الإيمان بالقدر دعامة عقد الدين، والدين أبيحه، يعني إذا كان الدين واسعًا وفيه مسائل كثيرة، فاعلم أن من أعظم ما يعينك على هذا الإيمان بمسائل الدين وما يحتاج منك إلى توثيق، فالدعامة هي أس ما يسند أو ما يسند الشيء. فالعمود وما كان بمعنى، فالإيمان بالقدر دعامة عقد الدين، يعني مسائل الدين التي تحتاج منك إلى توثيق، فالعقد هو التوثيق، المراد به العقد المعنوي، أي المسائل المهمة التي تحتاج منك إلى توثيق. فدعامة الإيمان بها، أي ما يعينك على الإيمان بها هو الإيمان بالقدر، وصدق رحمه الله، فإن الذي لا يؤمن بالقدر يهتز دينه، ليس بمسائل القدر فحسب، بل بمسائل الدين عمومًا. فالتوكل على سبيل المثال لا يتم إلا بشروط، مرت معنا قريبًا، ما هي شروط التوكل؟ الشرط الأول: العمل في الأسباب، أن يعتمد على الله، لا يعتمد على الأسباب. الثالث: شروط التوكل معرفة الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، هذه ثلاثة شروط لا يتم التوكل الصحيح إلا بها. وانظر إلى هذه الشروط الثلاثة، تجدها في كل شرط منها له تعلق بالقدر، وهي من عقد الدين، التوكل من عقد الدين. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «لا يتصور وجود التوكل عند نافٍ للقدر، ولا عند فيلسوف»، لأن الذي ما يعرف الله جل وعلا حق معرفته، ما يمكن أن يحصل عنده توكل تام، لأنه عنده معرفة ناقصة بحق الله وعظمته. والإيمان بالقدر إذا كان غير موجود، فهو لم يكن فيه معرفة بحق الله جل وعلا حق المعرفة، إذا أن الإيمان بالقدر لا يكون إلا بعد الإيمان بكل ما يتعلق بمباحث القدر. وقد أجمل العلماء رحمهم الله مباحث القدر بأربعة مراتب، المرتبة الأولى هي مرتبة العلم، تؤمن بأن الله جل وعلا بكل شيء عليم، وأن الله جل وعلا علم بالأشياء قبل وقوعها على وجه الإجمال والتفصيل، لا يخفى ولم يخفى على الله جل وعلا من ذلك شيء فيما مضى وفيما أتى وفيما هو حاضر، كل ذلك لا يخفى على الله جل وعلا منه شيء، وهو بكل شيء عليم. ومن الإيمان بالقدر الإيمان كذلك بالمرتبة الثانية من مراتب القدر، وهي المشيئة، بأن مشيئة الله نافذة مع إثبات المشيئة للمخلوق، فمشيئة المخلوق لا تخرج عن مشيئة الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وهذا كذلك من مراتب الإيمان بالقدر، الإيمان بالكتابة، لأن الله جل وعلا أمر بكتابة الأشياء قبل وقوعها، وأنه ما من شيء وقع أو يقع أو سيقع في هذا الكون إلا وقد كتب أمره ربنا جل وعلا، أمر الله عز وجل بكتابته، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، وكل شيء مكتوب. وكما جاء في حديث البراء، وحديث ابن عباس: «جمع أول ما خلق الله القلم، وقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة»، والحديث بسند حسن. وما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام»، فما من شيء إلا مقدر ومكتوب ومعلوم عند الله جل وعلا. وما من شيء يكون في الكون إلا وهو تحت مشيئة الله عز وجل، وهذا كذلك من الإيمان بالقدر، الإيمان بالمرتبة الرابعة من مراتب القدر، وهي مرتبة الخلق، بأن الله جل وعلا يخلق الخلق ويخلق أعمالهم، فالخلق من خلق الله، خلقهم سبحانه، وأعمالهم مخلوقة لله جل وعلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، أي خلقكم وعملكم. وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث صحيح عند الحاكم بإسناد حسن: «إن الله صانع كل صانع وصنعته»، الله خلق الخلق وخلق كذلك أعمالهم. والناس بهذا على طرفين ووسط، القدرية، القدرية النفاة، وهم المعتزلة ومن وافقهم، وكثير من الشيعة إلى يومنا هذا، على هذا المنهج ينفون القدر، فينفون العلم السابق لله عز وجل، فلا يثبتونه على إطلاقه، يثبتونه في الخير ولا يثبتونه في الشر، وهكذا ينفون الكتابة على هذا المنوال، وينفون المشيئة، فيجعلون للعبد مشيئة ولا يثبتون لله عز وجل مشيئة، لا يثبتون للعبد مشيئة تابع لمشيئة الله. وهكذا كذلك ينفون الخلق، أن أعمال العباد مخلوقة لله، وضدهم الجبرية الذين يزعمون أن العبد ليس له قدرة ولا مشيئة، وهذا كذلك خطر. والله عز وجل يقول: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، فهدى الله عز وجل هذا الإنسان طريقين، طريق الخير وطريق الشر. وقال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، فبين أن لثمود إرادة ومشيئة فعلوها بمحض إرادتهم، ولكن لا يعني ذلك خروج هذه الإرادة والمشيئة عن إرادة الله ومشيئته. والقدر سر الله تعالى، فبهذا نعلم أن الإيمان بالقدر هو دعامة لعقد الدين، فكما مر معنا في التوكل الذي لا يؤمن بهذا الركن من أركان الإيمان، وهو القدر، ينخرم عنده عقد الدين جميعًا، فكيف يصح عنده توكل وهو يعتقد أن الأسباب لا تقع بمشيئة الله جل وعلا، أو يعتمد على الأسباب ولا يعتمد على الله، أو يعتقد أنه ليس شيء يكون بعلم الله السابق أو بمشيئته أو بما كتب أو أن الله خلق ذلك؟ هذا كله من الخطأ الذي يضر بعقيدة المسلم. فالإيمان بالقدر يعتبر دعامة لعقد الدين جميعًا. وقوله: «والدين أبيحه»، يعني كم تستطيع أن تقول: عقد الدين، الدين واسع، وكل مسألة من مسائل الدين لها ارتباط وثيق بالإيمان بالقدر، فكل من لم يؤمن بالقدر فهو في الحقيقة في إيمانه ومسائل إيمانه جميعًا خلل، لأن كل مسألة من مسائل الدين وعقده، أي المسائل العظيمة، لها تعلق بالقدر. فبهذا بيّن المؤلف رحمه الله أولًا أن الإيمان بالقدر جاءت عليه جلة الكتاب والسنة، فلذلك يجب أن يؤمن بها من آمن بالإيمان بالكتاب والسنة. وثانيًا: أنه لا يمكن أن يتم إيمان صحيح لعبد وهو منكر للقدر، سواء قال بقول الجبر أو قال بقول النفاة. وهكذا بيّن لنا في ضمن ذلك الحكمة التي من أجلها أمرنا الله عز وجل بالإيمان بالقدر، ذلك أن الإنسان ضعيف، ولا يتم إيمانه إلا بالإيمان بالقدر، وأنه قدر سر الله تعالى. وبهذا نكون انتهينا من هذا، والله تعالى أعلم. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.