شرح مقدمة اصول التفسير 33

شرح مقدمة اصول التفسير 33

الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 33، الدرس الثالث والثلاثون : فيه من قوله ( فصل في تفسير القرآن بأقوال التابعين ... عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية أقوال التابعين في التفسير

يؤكد على أهمية الرجوع إلى أقوال التابعين في تفسير القرآن عند عدم وجود تفسير في القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة. يبرز مجاهد بن جبر كأحد أهم التابعين في هذا المجال.

طبقات المفسرين وتفاوت أقوالهم

يتحدث عن طبقات المفسرين من التابعين وتابعيهم وكيفية التعامل مع اختلاف أقوالهم في التفسير. يشير إلى أن التباين في أقوالهم قد يكون بسبب تفسيرهم لبعض المعاني أو الوجوه المختلفة للآية.

حجية أقوال التابعين وترجيحها

يناقش أهمية فهم أقوال التابعين في التفسير ومدى حجيتها، ويشير إلى ضرورة الجمع بين الأقوال المختلفة وتقديم الراجح على المرجوح. يتم ترجيح أقوال التابعين بعموم لغة العرب أو بأقوال الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه المسمى «مقدمة في أصول التفسير»: قال: فصل في تفسير القرآن بأقوال التابعين. قال رحمه الله تعالى: إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر، فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاثة عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها. وبهذا الإسناد إلى الترمذي قال: حدثنا الحسين بن مهدي البصري قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ما من آية في القرآن إلا وقد سمعت فيها شيئا. وبه إليه قال: حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش قال: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير مما سألت. قال: وقال ابن جرير: حدثنا أبو قريبة قال: حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: أكتب حتى سأله عن التفسير كله. قال: ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاء التفسير عن مجاهد فحسبك به. وأراد المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآثار أن يؤكد أن أقوى وأولى التابعين للتفسير هو مجاهد بن جبر، فإنه كان أعلم التابعين للتفسير. ولهذا روي عن قتادة رحمه الله تعالى هذا المعنى أن مجاهد كان رحمه الله من أعلم التابعين في التفسير. وهذا ما سمعته عن قتادة قال: ما من آية في القرآن إلا وقد سمعت فيها شيئا. ويدل كذلك على السبب الذي لأجله إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا عن الصحابة، فإننا نرجع فيه إلى أقوال التابعين؛ لأن التابعين أكثر الناس معرفة بأقوال الصحابة، وهم تلامذة وطلاب أصحاب الصحابة. فأكثر ما عندهم من التفسير هو مأخوذ من الصحابة، وهذا هو الغالب. وقد جاء عن جماعة منهم التصريح، مثل مجاهد وعكرمة وجماعة آخرين، سيأتي ذكرهم التصريح في نقل التفسير عن عدد من الصحابة. ولهذا كان قولهم مقدم على غيرهم. فأول جهة يفسر القرآن بالسنة، والقرآن بالقرآن، والسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين؛ لأن التابعين أخذوا هذا العلم عن الصحابة. فهذا مجاهد، وأراد المؤلف رحمه الله أن يثبت ويبرهن أن مجاهد أكثر ما ينقله من تفسير هو عن الصحابة، وخصوصا عن عبد الله بن عباس، الذي هو أعلم الصحابة بالتفسير بدعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وسمعنا بهذه الآثار المروية، وهي صحيحة، ما يدل على هذا المعنى. فهو عرض القرآن على عبد الله بن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، يسأله عن كل آية، وهو كذلك كتب هذا الذي عرضه، كما قال ابن أبي مليكة: أنه رأى مجاهدا يكتب على ألواحه ما يقول ابن عباس - يعني في التفسير. وهو كذلك كان من حرصه لا يجمع من ابن عباس فقط، بل حرص على الجمع من غيره، حتى قال: أنه لو سمع لو أخذ عن ابن مسعود لكفاه ذلك عن أن يأخذ عن ابن عباس. ويريد بذلك أن قراءة ابن مسعود تفسيرية، كثيرا ما يفسر ابن مسعود آيات القرآن في أثناء قراءته. وأما آخر ما ورده من أثر وهو قول الثوري رحمه الله: إذا جاء التفسير عن مجاهد فحسبك به، فهذا في الغالب. فهذا في الغالب أن الثوري ينقل لهذا الكلام؛ لأن مجاهد من أعلم التابعين، لكن لا يلزم أن يكون من أعلم التابعين أن يكون كل ما يقوله مجاهد هو صواب لا، فقد يخطئ مجاهد أحيانا ويكون الصواب عند غيره. وأساء التنبيه على ذلك من كلام المؤلف رحمه الله تعالى. قال: وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى بن عباس وعطاء بن أبي رباح، وهؤلاء هم في طبقة مجاهد. سعيد بن جبير ممن سمع التفسير عن عبد الله بن عباس، وعكرمة مولى بن عباس كذلك، وعطاء بن أبي رباح. قال: والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وسعيد بن المسيب، والربيع بن أنس وقتادة والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم. أي: هؤلاء كذلك من التابعين، والتابعون طبقات، منهم من هم من كبار التابعين الذين لقوا الصحابة مباشرة، ولقيوا بعض كبار الصحابة، ومنهم من لقي صغار الصحابة وهم دونهم في الدرجة، ومنهم من لم يلق أحدا من الصحابة فهو بالحقيقة من أتباع التابعين. وكل هؤلاء في الغالب إذا نقلوا التفسير فهم ينقلونه عن الصحابة مباشرة أو بواسطة مباشرة أو بواسطة. فلذلك اعتنى العلماء بنقل التفسير عنهم، وتجد ذلك كثيرا في كتب التفسير. فتبعت هذه الطبقة من جمعت التفسير بذكر أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير ابن عيينة ونحوه من التفاسير التي اعتنت بذكر أقوال الصحابة والتابعين في التفسير، وكان مسندا بالغالب. ثم تبعت هذه الطبقة من ألفت التفسير، وربما ذكروا بعض الأسانيد، وجمعوا مع ذكر أقوال الصحابة والتابعين، جمعوا مع ذلك بعض مباحث اللغة، فيذكرون من كلام العرب وأشعارهم ونقولات بعض أهل العلم وخلافهم في بعض المسائل في كتب التفسير، كابن جرير رحمه الله تعالى وابن أبي حاتم رحمه الله تعالى. ثم جاء بعد هؤلاء طبقة حذفوا الأسانيد واكتفوا بذكر التفسير غير المسند، وإن كانوا قد نقلوا ذلك عن بعض عن بعض الصحابة والتابعين وبعض أهل العلم من السابقين، وربما أدخل بعض الأخبار والقصص ونحو ذلك، مثل تفسير البغوي والتعالبي ونحو ذلك. والتعالبي كما مر معنا أنه يكثر من القصص والأخبار، وفيها من الضعيف والموضوع وما لا أصل له. ثم جاء من لم يعتني بذكر أقوال التابعين والصحابة، يعني كان اعتناؤه في بعض المباحث من التفسير، إما في اللغة وإما في الفقه. فبعضهم يهتم بجانب اللغة، وبعضهم يهتم بجانب الفقه، مثل القرطبي مثلا. وبعضهم ربما يهتم بالمباحث الكلامية، مثل بعضها للكلام، وربما أدخل فيها شيء من اللغة، مثل تفسير الزمخشري الذي قال عنه البلقيني رحمه الله: أخرجت الاعتزال من تفسيره بالمناقشة. يعني الاعتزال في تفسير الزمخشري دقيق وخفي، حتى ذكر في قول الله عز وجل: ﴿وَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ فَقَدْ فَازَ﴾ أي: ومن أدخل الجنة وزحزح عن النار فقد فاز. قال: وأي فوز أعظم من ذلك؟ فألمح البلقيني رحمه الله أنه أراد بذلك نفي الرؤية، أي: أن هذا هو الفوز وهو كماله ومنتهى، وليس الأمر كذلك، بل الفوز ليس بالجنة ودخولها فقط وعدم دخول النار، ولكن هناك رضوان الله ورؤية الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: فتذكر أقوالهم في الآية، يعني تذكر أقوال هؤلاء التابعين وأتباع التابعين في الآية. قال: فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافا، فيحتج بها أقوالا، وليس كذلك. يعني أحيانا يحصل تباين في عبارات هؤلاء التابعين في التفسير، وليس التباين اختلافا لا، التباين ليس باختلاف. التباين في الحقيقة قد يكون من التفسير لبعض المعنى كما مر معنا، وقد يكون كذلك هذا التفسير على وجه آخر. وإذا حصل أنه اختلاف وتباين وتعارض، فيقدم الراجح على المرجوح كما سيأتيه. لكن في الغالب هو يكون من ضمن الأوجه السابقة المذكورة التي يمكن بها الجمع بين أقوالهم التي ظاهرها الاختلاف، وليس الأمر كذلك. قال رحمه الله تعالى: فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره. يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ويريد بذلك أنه لا يذكر الشيء بعينه، ولكن يذكره بلازمه، أي: ما يلزم منه، ونظيره، أي: يذكر الشيء بما هو مثله ويشبهه. قال: ومنهم من ينص على الشيء بعينه، فإذا ذاك نص على الشيء بعينه، وذاك ذكر ما هو مثله، فليس معناه أن بين الأول والثاني اختلافا لا، ولكن معناه أنه تفسير ببعض المعنى. هذا فسر بمعنى خصه بذلك الشيء، وهو ما دل عليه اللفظ، وآخر فسره بما هو أعم منه؛ لأن المقصود ليس اللفظ، المقصود هو ما هو أعم من اللفظ. فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فمثلا على سبيل المثال: حرمت أشياء في بعض الآيات وذكرت بألفاظ مجملة، فإذا ذكر بعض التابعين بعض هذه الألفاظ المجملة وخصها بشيء من المحرمات، لا يعني ذلك أنه إذا ذكر غيره من التابعين محرما آخر أن لا يكون داخلا في معنى الآية لا، أو أن يكون مخالفا، ولكن يكون من التفسير ببعض المعنى. قال رحمه الله تعالى: والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك. والله الهادي. والمعنى أنه لا تستعجل إذا وجدت اختلافا بكلام التابعين، فليس معنى أنه إذا وجد ما ظاهره الاختلاف أن هذه الأقوال متعارضة لا، ولكن معنى أن هذه الأقوال قد تكون من التفسير ببعض المعنى. فلابد أن يكون في ذهنك وخاطرك ما يكون فيه معنى اجتماع هذه الأقوال على جامعة واحدة لا يكون فيها اختلاف. قال: وقال شعب بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست بحجة، أو ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم. قال: وهذا صحيح. أما إذا اجتمعوا على الشيء، فلا يرتاب في كونه حجة. فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم. والمعنى أراد أن يبين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الأصل أنك تحاول أن تجمع بين الأقوال إذا كان هناك مجال للجمع بينها، وأنه لا تعارض بينها. فإذا لم يمكن الجمع، فإذا تأخذ الراجح وتترك المرجوح، هذا معنى. والمعنى الثاني أن أقوال التابعين في نفسها ليست بحجة إذا انفرد بقول ظاهره المخالفة للنص، فإنه في نفسه ليس بحجة، فكيف يكون في التفسير حجة؟ فإذا كان كذلك في التفسير ووجد خلاف، فليس بحجة. ولكن أشار ثالثا المؤلف رحمه الله تعالى إلى أنه قد يكون حجة متى؟ قال: إذا لم يخالفهم غيرهم، أو إذا اجتمعوا، يعني اجتمعوا ولم يوجد من يخالفهم. فإذا اجتمعوا ولم يوجد من يخالفهم، فلا شك أن ذلك حجة. لماذا؟ لما ورد من أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل على أن أهل الإسلام لا يجتمعون على باطل. ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا. وهذا مما استدل به على حجية الإجماع. وهكذا كذلك في السنة من هذا المعنى كثير. فهذه الأمة هي الوسط الخيار، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله كذلك: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. فهذه الطائفة التي اجتمعت على قول واعتقاد وفعل صار حجة على غيرها. وكذلك هذا المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. أما إذا اجتمعوا على الشيء، فلا يرتاب في كونه حجة. إذا اجتمع التابعون وأتباع التابعين على معنى في تفسير آية من الآيات، ولم يعلن بينهم خلاف لذلك، ولا خالفهم من بعدهم، بحجة فإنه من الإجماع السكوتي الذي يقر، خصوصا مع عدم وجود الخلاف. قال رحمه الله: فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم. إذا وقع الخلاف، فكما سبق، يقدم الراجح على المرجوح بدليله. فليس قول أحد بأولى من قول الآخر. وقد سبق معنا تفصيل في كلام الصحابة، فإذا كان ذاك في كلام الصحابة، فما بالك في كلام التابعين من باب أولى. قال: ويرجع الترجيح إلى لغة القرآن أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة بذلك. يعني الترجيح يكون إما بأدلة القرآن والسنة الصريحة، وإما إلى لغة القرآن، ومعنى لغة القرآن يعني أسلوب القرآن الذي به يعرف ما هو المقصود من تفسير هذه الآية. أو لغة القرآن، أي: لغة من نزل بلسانه القرآن. ومر معنا أن القرآن نزل على لغة من لغات العرب، أكثر ما نزل على لغة أهل الحجاز. ويوجد لغات العرب، فأهل اليمن من العرب، بل هم العرب العاربة، وكذلك بنو تميم من العرب، ولكن مع ذلك إذا وقع الاختلاف، فالقول قول أهل الحجاز. وهكذا قوله: أو عموم لغة العرب، يعني ما هو المتعارف في هذه اللفظة. فهذا عبد الله بن عباس كما مر معنا قريبا كان يسأل بعض العرب عن بعض الكلمات. مثل ماذا؟ الذي مر معنا قريبا: عبد الله بن عباس سأل عن ماذا؟ سأل بعض العرب عن كلمة الحرج. نعم، الحرج. سأل عبد الله بن عباس بعض العرب عن الحرج، فسأل بعض العرب عن ذلك، فقال: ما الحرج فيكم؟ ذكروا أن الحرج هو الوادي الذي تجتمع فيه الأشجار، فيضيق الماء بهذا الوادي. فهذا من التفسير المأخوذ عن العرب. وهكذا كذلك يقال فيما نقل عن التابعين ووقع بينهم اختلاف، يرجح بعموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة إذا وجد من أقوال الصحابة ما يمكن به الترجيح بين أقوال التابعين المختلفة، فيرجح بأقوال الصحابة. طيب، نكتفي بهذا القدر، وما بقي يتم في درس لاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.