الدرس في كتاب النكاح 3، كتاب النكاح المقدمة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تحريم الخطبة أثناء العدة أو على امرأة مخطوبة لغيرها، مستندًا إلى أقوال الشوكاني وتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُوضح أن الخطبة في العدة تعتبر محرمة حتى تنتهي العدة.
يناقش حكم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وجواز النظر إلى المخطوبة بناءً على الأحاديث النبوية، مع التأكيد على أهمية ذلك لضمان التوافق بين الزوجين وتقليل الطلاق. كما يتناول ضوابط النظر إلى المرأة عند الخطبة.
يناقش أهمية النظر إلى المرأة عند الخطبة مع الحفاظ على الضوابط الشرعية، ويحذر من الإفراط والتفريط في هذا الأمر. كما يشدد على ضرورة الحذر من الغلو والتقصير في الدين، مع التأكيد على أن دين الله وسط بينهما.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشوكاني، رحمه الله تعالى: قال «وتحرم الخطبة في العدة وعلى الخطبة، ويجوز النظر إلى المخطوبة، ولا نكاح إلا بوليه وشاهدين، إلا أن يكون عاضلاً أو غير مسلم، ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح، ولولٍ واحد». هذه مجموعة من المسائل كذلك جعلها في أوائل الكلام على كتاب النكاح، أولها وهي ليست بأول ما في هذا الفصل، ولكن فيما هو في درسنا اليوم. قال «وتحرم الخطبة في العدة وعلى الخطبة». فأما تحرموا الخطبة في العدة، فكما أشار إليه رحمه الله تعالى في شرحه في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. وذكر عن عبد الله بن عباس، فما ذكره البخاري أن يقول «إني أريد التزويج»، ولو ادّعى أنه يسر لي امرأة صالحة، هذا مثال للتعريض. مثال للتعريض «ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو يرسل خبر بأن أخبر بيت فلان أن فلان يبحث عن زوجة» أو كذلك يرسل من يتكلم ويقول «أعلم فلانا يبحث عن زوجة» ونحو ذلك، ليس أن يقول «أريد أن أخطب ابنتكم أو أختكم أو نحو ذلك»، فهذا لا يجوز؛ لأن قوله سبحانه «ولا جناح عليكم فيما عرضتم إلى آخره» فيه دليل أن ما سوى ذلك ففيه جناح، أي فيه إثم. فإذا لا يجوز، وإنما استثني التعريض أو ما أكن الإنسان في نفسه. وكما مر معنا الاستثناء معيار العموم، فعلم أن ما دون الاستثناء بقي على عمومه في المنع، بقي على عمومه في المنع. وهذا يفهم كذلك فيما أشار إليه رحمه الله في قصة فاطمة بنت قيس، فيما جاء في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها «إذا حللت فآذنيني»، وهذا يدل أنها إذا لم تحل فلا يجوز تكليمها في أمر الخطبة وأمر النكاح حتى تنتهي عدتها. ولهذا ولغيره جعلت عدة النساء من مطلقة أو كذلك متوفى عنها زوجها أو غير ذلك، إن كان هناك فسخ وقع بين الزوجين إن وقع فسخ، فكل امرأة دخل بها فلها عدة. وأما غير المدخول بها فليس عليها عدة كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. وإنما العدة للمدخول بها، كل امرأة دخل بها فعليها عدة. ومن كان عليها عدة فلا يجوز أن تخطب حتى تنتهي عدتها. والعدة سيأتي إن شاء الله له فصل خاص وكلام خاص في موضعه. فالمهم لا يجوز أن تزوج المرأة ما دامت في عدة زوجها الأول حتى تنتهي هذه العدة، فإذا وقع النكاح على هذا الوصف فهو نكاح فاسد أو باطل لا يجوز ولا يصح؛ لأنه منافي لما أمر الله به ورسوله. وقال عليه الصلاة والسلام «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». قال رحمه الله تعالى: «وقال وعلى الخطبة كذلك تحرم الخطبة على الخطبة». وله أدلة كثيرة، وأشار بالشرح إلى بعض تلك الأدلة، منها ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه». وفي رواية «لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له». وقوله «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه» باقٍ على إطلاقه، لا يجوز مطلقًا. وفي الرواية الأخرى «لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له»، وهذا معناه أنه يجوز له أن يخطب على خطبته حتى يترك، ولو لم يعلم أهل المخطوبة، فيعلمهم هو إن كان خبره خبرًا موثوقًا، أو يرسل من يخبرهم إن كان هناك من يثقون به؛ لأجل أن لا تبقى المرأة معلقة؛ لأنه قد يخطب الرجل ثم يترك ولا يستطيع أن يتكلم بأنه ترك أو لا يجرأ على ذلك، فيكفي أن يصل الخبر من جهة إنسان موثوق يوثق به ويؤمن على خبره فيخطب الثاني. وقوله «أو يأذن له» كذلك الإذن هو نوع من الترك، لكن معناه أنه إذا كان له رغبة وآثر من دون أن يضره ولا أن يحرجه فلا بأس في ذلك، وهو من التنازل عن حقه. لكن لا يجوز أن يضر المسلم بأخيه المسلم. وهذا هو المقصود التنبيه عليه. فقوله «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه» مع قوله «أو يأذن له» يشترط هذا الإذن بما ليس فيه أذية وضرر، وهكذا كذلك نوع من الحرج؛ لأنه ربما يحرجه يقول «اترك لي هذه المرأة»، وإن كان الرجل فيه حياء ربما يقول «تفضل»، فهذا فيه أذية واعتداء. فإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز. قال رحمه الله تعالى: قال «ويجوز النظر إلى المخطوبة». كذلك من مسائل هذا الفصل أنه يجوز النظر إلى المخطوبة، وله أدلة. وأشار إلى بعضها في شرحه رحمه الله تعالى، من ذلك ما جاء في قصتي في حديث جابر قال «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظرت إليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئًا». والحديث صحيح مسلم، ففيه الأمر بالنظر، ومشروعيته، وحكمة النظر. ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي أشار إليه كذلك قد صححه العلامة الألباني رحمه الله وغيره «انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». وهذا أفضل مما يفعله بعض العامة من منع النظر؛ فكون أن المرأة تخطب وإذا كان هناك عدم رضا لا يتم النكاح، أفضل من أن يتزوجها ثم يطلقها بسبب عدم النظر. وما أكثر الطلاق الذي يقع بسبب عدم قناعة الزوجين بعضهما ببعض، وخصوصًا من جهة الرجال، لماذا تطلق؟ يقول «ما رضيت بها». ولهذا ينبغي أن يرضى بالنظر حتى إذا تزوجها إنسان تزوجها عن قناعة. وقد يقول قائل: إذا فعلنا ذلك صارت المرأة عرضة لعدم النكاح؛ لأنها ربما ليست بذاك الجمال. الجواب: لا، ليس كل الناس ينظرون إلى الجمال، وليس كل الناس لهم معيار واحد في الجمال. فهذا ربما نظره إلى الدين أكثر، ولكن يريد جمالًا نسبيًا، وآخر ربما يريد جمالًا ليس بنسبي. فمثل هذا خير له أن ينظر؛ لأجل أن يفتقد عنكم ولا يضرب ابنتكم يخطبها ولا يرضى فيذهب، خير من أن ينكحها ثم يطلقها، وصارت ثيّبًا بعد بكْر، وهذا كما قلنا له شأن عظيم في الرفق بالمرأة وبأهل المرأة كذلك، وبالرجل كذلك، فهو فيه رفق بالجميع. وقد يقول قائل: هذا كذلك يعرض النساء لكثرة النظر، يأتي هذا فينظر فلا يرضى، ويأتي الثاني ولا يرضى، أو يصير الرجل طوافًا على النساء. الجواب: إذا كان سيحصل النكاح فلا بأس، ولكن ينبغي أن تعرض الصفات قبل النظر، مثلًا بالنساء تأتي امرأة من جهة الزوج وتنظر، فيصفن الصفات للرجل، فإن ارتضى فبعد ذلك ينظر، وهذا يخفف مسألة الخطأ في النظر أو كثرة النظر أو نحو ذلك. وهكذا كذلك هذا الذي عنده شروط شديدة في النظر هو الذي سيتضرر في الحقيقة؛ لأن النساء إذا علموا أنه نظر الأولى ولم يتزوج، والثانية ولم يتزوج، فإنهم يسدون أبوابهم دونه. ففي الحقيقة أولياء النساء غير متضررين. على أن من السنة وهي حكمة ورفق بالناس في النظر أنه ليس من شرط النظر أن تدري المرأة، يكفي أن يعلم ولي المرأة، يكفي أن يعلم ولي المرأة. يعني إذا كان ذلك شديدًا على المرأة، بعض النساء ما تستطيع أن تواجه الرجل ما تعودت هذا ولا تطيقه، فممكن لوليها، وهذا إذا كان ممكنًا وهو أرفق بالمرأة، يجعل هذا الخاطب ينظر إلى المرأة من دون أن تعلم المرأة، كأن يأتي به مثلًا وهي تعمل في البيت أو في البستان أو في الأرض أو نحو ذلك، فيقول «هذه أختي التي تريد أن تخطبها انظرها» فينظرها، فإذا رضي بها أو لم يرضَ يكون قد أدى ما ينبغي من مسألة النظر. ومسائل النظر في الحقيقة الناس فيه بين إفراط وتفريط، وناس تساهلوا في هذا الباب جدًا، ربما جعلوا النظر من غير محرم أو بغير إذن أهل المرأة، وهذا لا يجوز، بل هذا من الاعتداء. فلا يميز بين الصادق من الكاذب والفاسق من التقي، لا يتي إنسان ويتطاول على جدار جاره فيقول له «ما لك؟ ما لك؟ تنظر على النساء؟» يقول «يريد أن أخطب». كما قبض على بعض الناس وهو ينظر إلى بيت جاره «ما لك يا فلان؟» قال «أريد أن أخطب» وهو متزوج، قالوا «أنت متزوج» قال «أريد الثانية». قالوا «هكذا من غير إذن ولا إخبار أهل البيت ولا إخبار الولي»، من أين علمت هذا من شرع أو دين أو حجة أو برهان؟ فينبغي للإنسان أن يكون في هذا الباب وصفًا بين أهل الإفراط وأهل التفريط. كما لا يجوز أن يفعل ما يفعله بعض العامة، جاء الرجل ما شاء الله يخطب، فيخرج الأم والأب والجميع، ويتركون الرجل والمرأة في الغرفة ويغلقون عليهم الباب «ما لكم؟ ما لكم؟» قالوا «هذا يريد أن يتعرّف على المرأة يخطبها خطبة جائزة»، الخطبة الجائزة نظرة، ليس خلوة، نظرة، ليس خلوة. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام «مجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما». وقال «إياكم والدخول على النساء». قال «وَأَظْهَرْتَ الْحُمَّ» قال «الْحُمَّ والموت». وهكذا هذا الباب ينبغي أن يحذر، وزلاته التي يقع فيها بعض الناس، كما كذلك ينبغي أن يحذر من تشديدات بعض الناس، فدين الله بين الغالي والجافي. طيب نريد نأخذ من الكتاب الثاني ولو مسألة واحدة، نقف هنا إن شاء الله، ونأخذ من الكتاب الآخر شيئًا.