الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 10، الدرس العاشر:من( باب عقد الذمة وأخذ الجزية ... أو يقال بل دين الإسلام فيه من الهدى والنور ما يزيل شبهته بخلاف دين أهل الكتابين؟هذا فيه نظر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع حكم كتاب إسقاط الجزية عن يهود خيبر الذي يزعم أنه بخط علي بن أبي طالب، ويُثبت بطلانه. العديد من العلماء رأوا أنه كتاب مكذوب ولا يسقط الجزية عن اليهود.
يتناول المقطع مسألة الجزية على اليهود في خيبر بناء على كتاب مزعوم بأيديهم، ويشدد على أهمية التثبت في دعاواهم. يُبرز ضرورة بقاء الجزية ما لم تثبت بينة واضحة على إسقاطها.
يناقش المقطع حكم قتل الزنديق من أهل الذمة وتفاصيل قبول توبته، مع استعراض آراء أهل العلم في هذه المسألة. يُبرز أسباب خروج بعض أتباع أهل الكتاب من دينهم.
يتناول المقطع حكم من يدخل الإسلام بعد زوال الشبهة التي كانت تمنعه، ويشترط صدقه في الإسلام. يُنظر في صدق إسلامه بعد القبول، وإن لم يصدق عوقب بما يستحق.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيما نقل من اختياراته: قال باب عقد الذمة وأخذ الجزية: «والكتاب الذي بأيدي الخيابرة، الذي يدعون أنه بخط علي بن أبي طالب في إسقاط الجزية عنهم، باطل». وقد ذكر ذلك الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، كأبي العباس بن سريج والقاضي أبي يعلى والقاضي الماوردي، وذكر أنه إجماع، وصدق في ذلك. قال أبو العباس: ثم إنه في عام إحدى وسبعمائة، جاءني جماعة من يهود دمشق بعهود، في كلها أنه بخط علي بن أبي طالب في إسقاط الجزية عنهم، وقد لبسوها بما يقتضي تعظيمها، وكانت قد نفقت على ولاة الأمور من مدة طويلة، فأسقطوا عنهم الجزية بسببها، وبيدهم تواقيع ولاة الأمور بذلك. فلما وقفت عليها، تبين لي في نقشها ما يدل على كذبها من وجوه عديدة جدًا. هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في أمر وضع الجزية عن الخيابرة، وهم يهود خيبر المنتقلين إلى الشام. فقد زعموا أن عندهم كتابًا كتبه علي، وأنه من النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر بوضع الجزية عنهم، وذكروا عددًا من الصحابة أنهم شهدوا على هذا الكتاب. فنظر الحفاظ والعلماء في هذا الكتاب، فقال كثير منهم من المحققين وأهل المعرفة أنه كتاب مكذوب. وقد ذكر عدد من أهل التاريخ والتراجم، ومن كتب في أحداث السنين، أمر هذه الحادثة، منهم الحافظ ابن كثير رحمه الله في «البداية والنهاية»، والذهبي في «تذكرة الحفاظ». فقد ذكر الحافظ ابن كثير في المجلد الرابع عشر قصة الخيابرة، وما كان من كلام العلماء في هذه الحادثة، وأن ما أتوا به من كتاب كتاب مكذوب. فإنهم ذكروا عددًا من الصحابة شهدوا هذا الكتاب، ومنهم من لم يكن أسلم بعد، فإسلامه كان بعد خيبر، ومنهم من كان مات قبل خيبر، وغير ذلك مما نبه عليه الحافظ ابن كثير. وهكذا الحافظ الذهبي رحمهم الله تعالى وغيرهم في تلك المواضع. بل بعضهم ذكر ذلك حتى في كتب الفقه. وشيخ الإسلام ممن بيّن في هذه الحادثة خطأ من أسقط الجزية عن الخيابرة، حتى كانت قضية من قضايا في الحقد والحسد على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله في «البداية والنهاية» في الموضع المشار إليه. فمن أراد الاستزادة فليرجع إلى تلك المراجع المذكورة. فقوله: «والكتاب الذي بأيدي الخيابرة» إلى آخره، يشير أولًا إلى هذه القضية التي هي قضية عين، في أن أمثال هؤلاء الحقيقة والصواب أنهم لا يسقط عنهم الجزية؛ لأن ما عندهم من كتاب مكذوب. وهو كذلك يشير إلى معنى آخر، وهو أهمية التثبت فيما يدعيه أهل الكتاب في إسقاط الجزية من دعاوى سواء بكتاب أو بغيره. ونبه عدد من أهل العلم في مثل هذا المقام أن الأصل في أهل الذمة هو وجوب الجزية، يعني لا يسقط هذا الأصل إلا ببينة واضحة ظاهرة. وينبغي لولي الأمر إذا وقع خلاف بين أهل العلم أن يبقى على الأصل ما هو الأصل، لزوم الجزية. وهذا هو الذي يجب في مثل هذا المقام. فهذه المسألة حصل فيها شيء من اللبس عند بعض أهل العلم، وفتنة من الزمن، حتى استقر قول عامة الفقهاء، كما أشار الحافظ من الكثير، إلى أن الخيابرة كذبون دجالون، وليس معهم ما يسقط عنهم الجزية. فكل ما ادعوه من كتاب فهو كتاب مكذوب. قال رحمه الله تعالى: «ومن كان من أهل الذمة زنديقًا يبطن جحود الصانع أو جحود الرسل أو الكتب المنزلة أو الشرائع أو المعاد، ويظهر التدين بموافقة أهل الكتاب، فهذا يجب قتله بلا ريب، كما يجب قتل من ارتد من أهل الكتاب إلى التعطيل؛ لأنه ملحد، لأنه ملحد من الملحدين». وهؤلاء أمثالهم كثير قديمًا وحديثًا، ممن يزعم أنه من أهل الكتاب ومع أهل الكتاب وعلى دين أهل الكتاب، وهو في الحقيقة ملحد، كحال الكثير من العلمانيين اليوم الذين يزعمون أنهم يهود أو نصارى، وهم في الحقيقة أهل إلحاد. قال: «فإن أراد الدخول في الإسلام، فهل يقال إنه يقتل أيضًا كما يقتل منافق المسلمين؛ لأنه ما زال يظهر الإقرار بالكتب والرسل، أو يقال: بل دين الإسلام فيه من الهدى والنور ما يزيل شبهته، بخلاف دين أهل الكتابين». هذا فيه نظر. والصحيح في هذا التفصيل كحال الزنديق. الزنديق إذا أظهر التوبة يفصل في حاله. وعلى هذا وجه عدد من المحققين من أهل العلم. ما رويت من آثار ونقولات عن أهل العلم في الزنديق، فقد لا تقبل توبة الزنديق إذا علم أنه متلاعب وتبين ذلك، فإنه لا تقبل توبته. وقد تقبل توبته إذا علم أن له حجة في هذه التوبة. وهذا يناسبه قول الشيخ رحمه الله: «بل دين الإسلام فيه من الهدى والنور ما يزيل شبهته، بخلاف دين أهل الكتابين؛ لأن دين أهل الكتابين فيهما من التحريف والتبديل، وكذلك الضلال، ما أوجب لبعض من يبحث عن جواب لما يرى أنه باطل الشك في هذه الأديان». وهذا هو أحد الأسباب العظمى التي جعلت الكثير من أتباع أهل الكتاب يخرجون عن دين أهل الكتاب، فيصيرون لا دينيين. نشأ كثير من أتباع أهل الكتاب على غير الدين؛ لأنهم رأوا فيما وقفوا عليه في دين أهل الكتاب من التناقضات والباطل ما أوجب لهم الشك، فتركوا تلك الأديان، فصاروا بلا دين. فهذه شبهة، فمن كان وقوعه في إنكار الكتب والرسل والشرائع والمعاد بسبب مثل هذه الشبهة، فبين له الإسلام، فقال: الآن أقتنعت بالإسلام وأريد الدخول في الإسلام، فيقال له: يقبل منك. ثم بعد ذلك ينظر في حاله، هل يصدق في إسلامه أو لا يصدق في إسلامه؟ فإن صدق في إسلامه قبل منه، وإن لم يصدق كان ذلك كافيًا في معاقبته بما يستحق. نقف لهنا، والله تعالى أعلم.