الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 82، الدرس الثاني والثمانون:من(وقوله أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك ... قرب إحاطة وعلم وسمع ورؤية فلا ينافي علوه على خلقه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شرح أحاديث نبوية متعلقة بصفات الله ومعيته، مع التركيز على ضعف سند حديث "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت". واستدلال بآيات قرآنية وأحاديث أخرى تؤيد معناه.
يشرح أهمية استحضار معية الله أثناء الصلاة، ويبين أن الله محيط بكل شيء وفوق العرش وفي جهة قبلة المصلي دون منافاة، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يشرح تعظيم بيوت الله وضرورة الثناء على الله قبل الدعاء كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين معاني أسماء الله الحسنى وتفسير الدعاء المذكور.
يشرح علو الله على خلقه وإحاطته بهم، ويبين الرقية المشروعة بالتوسل بأسماء الله وصفاته وباستخدام اللسان العربي مع الإيمان بأنها لا تؤثر إلا بتقدير الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال وقوله: «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت» حديث حسن. وقوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمام وجهي ولا عن يميني، فإن الله قبل وجهه، ولكن عن يساره أو تحت قدميه» متفق عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم رب السماوات السبع والأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر» رواية مسلم. قال وقوله: «لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر، أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» متفق عليه. أورد رحمه الله تعالى هذه الأحاديث ليستدل بها على مجموعة من الصفات، مما سيأتي التنبيه عليه في كلام الشارح رحمه الله تعالى. وأولها ما أشار إليه في حديث: «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت»، وهو حديث عبادة بن الصامت. وقد أشار المعلق إلى ضعفه وأن الحفاظ ضعفوه، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط الكبير وتفرد به عثمان بن كثير. وهكذا كذلك أشار إلى ما في «الأسماء والصفات» للبيهقي، والحديث بهذا كما ترون ضعيف. وهكذا في إسناده كما أشار كذلك في بعض طرقه نعيم بن حماد، وقد قال أبو داود: عنده نحو عشرين حديثًا لا أصل لها. وهكذا كذلك فيه علة أخرى، ففيه عروة بن رويم، قيل روايته عن عبد الرحمن بن غنم مرسلة. فالشاهد أنه ورد من طرق كلها ضعيفة، فالحديث لا يصح، لكن يغني عنه أشياء أخرى وأحاديث أصح منها ما جاء من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بأشياء، ثم ذكر تزكية النفس، فقالوا: كيف نزكي نفوسنا؟ فقال: «أن تعلم أن الله عز وجل معك حيث كنت» رواه البيهقي وابن عاصم وغيرهما، وذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة» في المجلد الثالث حديث 1046. وهكذا معناه في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وهكذا كذلك حديث ابن عمر عن أبيه عمر في قصة جبريل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهكذا في قول الله عز وجل، كذلك في قصة أبي بكر والنبي عليه الصلاة والسلام في الغار، وجاء مفسرًا في السنة في الصحيحين: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، ففيه معنى ما أراد المؤلف رحمه الله. وأما ما ذكره من حديث ابن عمر الذي أشار إليه: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمام وجهي ولا عن يميني»، فقد جاء عن عدد من الصحابة، جاء عن ابن عمر في الصحيحين، وجاء كذلك من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث أنس ومن حديث جابر بن عبد الله، وجماعة من الصحابة. وفيه كذلك ما أراد أن يشير إليه، وسيأتي إن شاء الله: أن الله عز وجل في علوه وهو في قبل أو وهو قبل وجه المصلي كذلك، ولا منافاة بين هذا وهذا، فالله عز وجل محيط بكل شيء، والله من ورائهم محيط. والحديث الذي أشار إليه بعد ذلك هو حديث أبي هريرة في صحيح مسلم في الدعاء في الليل، حتى إن مسلمًا رحمه الله ذكر عن أبي صالح أنه كان يأمر أهله، وروي ذلك عنه أنه كان يأمر أهله أن يتجه أحدهم على شقه الأيمن ويقول الدعاء. قال رحمه الله: قال الشارح رحمه الله تعالى: «قوله: أفضل الإيمان... إلى آخره، فيه دلالة على أن أفضل الإيمان هو مقام الإحسان والمراقبة، وهذه هي المعية العامة التي ينبغي أن يستحضرها من يريد الوصول إلى أعلى مراتب العبودية، وهي مرتبة الإحسان استحضار المراقبة والعلم للطلاع». قال: «وهو أن يعبد العبد ربه كأنه يراه ويشاهده، ويعلم أن الله معه حيث كان، فلا يتكلم ولا يفعل ولا يقوض في أمر ما إلا والله رقيب مطلع عليه». قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. قال: «ولا شك أن هذه المعية إذا استحضرها العبد في كل أحواله فإنه يستحي من الله عز وجل أن يراه حيث نهى أو أن يفتقده حيث أمره، فتكون عونًا له على اجتناب ما حرم الله والمسارع إلى فعل ما أمر به من الطاعات على وجه الكمال ظاهرا وباطنا، ولا سيما إذا دخل في الصلاة التي هي أعظم صلة ومناجاة بين العبد وربه، فيخشع قلبه ويستحضر عظمة الله وجلاله، فتقل حركاته ولا يسيء الأدب مع ربه بالبصق أمامه أو عن يمينه». قال: «وقوله: إذا قام أحدكم إلى الصلاة... وهذا فهم من المعنى العام، فما ذكر من الحديث الخاص في ذلك وتأكيد لمتابعة مقام المراقبة في مرتبة الإحسان في العبادة، فهو فيه تحقيق استحضار معية الله عز وجل وقربه». ولهذا ذكر في مناسبة حديث أبي هريرة المتقدم في أحد روايات هذا الحديث: «إذا قام أحدكم يصلي قال فلا يبزق إلى أن قال فلا يبزق أمامه، فإنما يناجي الله تبارك وتعالى ما دام في مصلاه ولا عن يمينه»، فقوله: «فإنما يناجي الله» فهذا فيه إشارة إلى تحقيق استحضار المعية التي ينبغي أن يراعيها المصلي. قال: قال شيخ الإسلام في «العقيدة الحموية»: «إن الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه وكانت أيضًا قبل وجهه، والمراد بيناجي يعني يخاطب ونحوه». فإذا كان هذا في حق المخلوق يصح أن يكون في علو خاص يليق بقدر المخلوق، وهو مع ذلك في وجه هذا الإنسان مثل الشمس تكون في شروقها وفي غروبها في وجه الإنسان إذا توجه إليها وهي في علوها الخاص اللائق بها، وهكذا القمر، فلله المثل الأعلى، وهو سبحانه لا يعجزه شيء وليس كمثله شيء جل وعلا. وهكذا كذلك في الحديث حديث جواز النفخ والتنخع وتوابع البصاق، ولكن لا يكون في المسجد لأنه قال: «ولكن عن يساره»، وهذا مقيد هذا التقييد لأنه وردت أحاديث تنهى أن يكون في المسجد، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها»، والحديث في الصحيحين عن أنس. فدل قوله عليه الصلاة والسلام: «ولكن عن يساره أو تحت قدمه» يعني إذا لم يكن في المسجد، أما إذا كان في المسجد فهي خطيئة كما مر معنا. طيب كيف إذا كان المسجد كحال مساجدنا اليوم بالفرش وما كان بمعناها؟ فهو أشد وأشد، فإننا أمرنا بتعظيم بيوت الله عمومًا، بشعائر الله عمومًا، وبيوت الله على وجه الخصوص. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، ورفعتها بالرفع المعنوية والحسية، ومن ذلك الحرص على تجميلها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيب بيده جدار مسجده عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: وقوله: «اللهم رب السماوات... إلى آخره، تضمن الحديث إثبات أسمائه تعالى: الأول والآخر والظاهر والباطن، وهي من الأسماء الحسنى، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يدع مجالًا لقائل يعني أن يتكلم فيها، بل تبقى على حقيقتها وظاهرها الذي يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال: «فهو أعلم الخلق جميعًا بأسماء ربه وبالمعاني التي تدل عليها، فلا يصح أن يلتفت إلى قول غيره أيا كان، يعني هذا القائل أو القول، فلا يلتفت إلى قول أحد بعد تفسير النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الأسماء». قال: «وفي الحديث أيضًا... ومر معنا الكلام عليه في أوائل الكتاب، قال: وفي الحديث أيضًا يعلمنا نبينا صلوات الله وسلامه عليه وآله كيف نثني على ربنا عز وجل قبل السؤال، فهو يثني عليه بربوبية العامة التي انتظمت كل شيء، ثم بربوبية الخاصة الممثلة في إنزاله هذه الكتب الثلاثة التي تحمل الهدى والنور إلى عباده، ثم يعود ويعتصم به سبحانه من شر نفسه ومن شر كل ذي شر من خلقه». وهذه الكتب الثلاثة التي أنزلها الله عز وجل على من أنزلها عليه: القرآن على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وهذا هو الذي أراده ربنا جل وعلا بذكر التوراة والإنجيل. وأما ما في يد اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل، ففيه من التغيير والتبديل ما اقتضى ألا يؤخذ بما فيه، يعني ما عدم علمنا بالمغير والمبدل، وهذا الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب ومن السنة، وهكذا كذلك إجماع الأمة على ذلك. فالواقع والحس يؤكدان وجود التغيير والتبديل في التوراة والإنجيل التي في أيدي اليهود والنصارى، ولكن لا ندعي أن كل توراة في أيدي اليهود والنصارى هو مغير ومبدل، فإنه قد يوجد ما ليس بمغير ومبدل كما صحت بذلك الأحاديث، إذ أدرك نبينا عليه الصلاة والسلام بعض ذلك، أي الذي ليس فيه تغيير وتبديل كما جاء بأحاديث كثيرة. وهكذا كذلك قد يوجد بعض ذلك، ولكن ذاك يحتاج إلى تحقيق. قال رحمه الله تعالى: ثم يعود، والعود هو طلب دفع الشر، كما أن اللوذ هو طلب حصول الخير، وهو لا يكون إلا من الله جل وعلا، وطلبه من غير الله كفر لأنه من خصائص الرب سبحانه وتعالى. وقد يقول ذلك جاهل بحقيقة الشرع أو متجاهل، وعلى هذا طعن بعضهم في المتنبي بقوله: «يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره» وهو يتكلم في بعض الأمراء. قال: «ثم يسأله في آخر الحديث أن يقضي عنه دينه وأن يغنيه من فقر». وقوله: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم... إلى آخره، أفاد هذا الحديث قربه سبحانه من عباده وأنه ليس بحاجة إلى أن يرفعوا إليه أصواتهم، فإنه يعلم السر والنجوى، وهذا القرب المذكور في الحديث قرب إحاطة وعلم وسمع ورؤية، فلا ينافي علوه على خلقه، وقد تقدم معنا معنى ذلك. فالله عز وجل في علوه وهو قريب من خلقه سبحانه وتعالى بعلمه وإحاطته وقدرته وسمعه وبصره جل وعلا، فالسماوات مطويات بيمينه والأرض قبضته، فهو سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء من أمر خلقه جل وعلا. وفيه كذلك الرقية المشروعة التي فيها التوسل بأسماء الله وصفاته، والذي يكون باللسان العربي المفهوم، وكذلك أن يعلم أنها رقية ولا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله عز وجل، يعني الدعاء وما كان بمعناه من الأذكار من الكتاب ومن السنة.