الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 98، الدرس الثامن والتسعون:من( وهناك تنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد ... أولئك لهم نصيبهم من الكتاب يعني ما كُتب عليهم فيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح مفهوم وزن الأعمال والأجساد يوم القيامة باستخدام الموازين الحقيقية لوزن أعمال وأجساد العباد، حيث تثقل أعمال المؤمنين وتخف أعمال الكافرين. يُستدل على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يتم شرح كيفية وزن الأعمال حيث تصبح الأوصاف كالأجسام وتوزن، مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة. كما يتحدث عن نشر الدواوين وصحائف الأعمال وتسلم الناس كتبهم إما بيمينهم أو بشمالهم.
يشرح ترتيب أحداث يوم القيامة حسب الترتيب القرآني، حيث يأتي الوزن بعد الحساب، ثم تسليم العباد كتبهم. يُوضح عقيدة أهل السنة في الكتابة المسبقة والواقعة مع العمل ومعنى الطائر في عنق الإنسان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: وهناك تنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، وهي موازين حقيقية، كل ميزان منها له لسان وكفتان. ويقلب الله أعمال العباد، وهي أعراض، أجساما؛ أعراض يعني أوصاف، أجساما لها ثقل، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. يريد رحمه الله تعالى أن يبين ما ذكره المؤلف رحمه الله في المتن: «فتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، فمن تقلت موازينه فأولئك هم المفلحون» إلى آخر ما ذكر في الموازين. والموازين المراد بها ما يوزن، كما أشار رحمه الله: «فتوزن بها أعمال العباد»، فهناك موازين من الميزان؛ ميزان لأعمال العباد، وموزونات وهي أعمال العباد. وهكذا كذلك أجسادهم؛ فالأجساد توزن، فتثقل أجساد المؤمنين، وتخف أجساد الكافرين، على أنها تعظم حتى يكون الضرس كجبل أحد في النار -يعني للكافر-، ومع ذلك قال الله عز وجل: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾؛ يعني لا لأعمالهم إن كانت يجعلها الله رَمَثًا منثورة؛ لأن طيباتهم عجلت لهم في الدنيا، ولا أجسادهم؛ فإنها لا يكون لها وزن ينتفعون به، على خلاف أهل الإيمان، كما جاء في حديث ابن مسعود: «أن ساقه أثقل من أحد يوم القيامة»، وفي حديث ابن هريرة: «يؤتى بالرجل العظيم يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة» -يعني بكفره-. فالأجساد والشاهد: الأجساد توزن، وهكذا كذلك الأعمال توزن كذلك. وقوله رحمه الله: «وهي موازين حقيقية»، رد على بعض العقلانية من المعتزلة وغيرهم الذين نفوا هذا المعنى؛ فأدلة الكتاب والسنة دلت أنها موازين حقيقية توزن بها الأعمال والأجساد، والله عز وجل على كل شيء قدير. وقوله: «كل ميزان منها له لسان وكفتان»، ورد هذا المعنى في بعض كتب الحديث، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في «الفتح»، وقد ذكره اللالكائي مسندا عن الحسن من قوله، ولم يصح مرفوعا؛ يعني أن الميزان له لسان وكفتان. وأما مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا. ومعناه معقول؛ يعني أن تنطق الأشياء بما يكون به أحوال الناس؛ فإن الأصابع تنطق، وإن الأيدي تنطق، وكل ما كان منه عمل في الدنيا ينطقه الله عز وجل يوم القيامة، وهذا ليس بممتنع، لكن مثل هذا لا يثبت إلا بدليل شرعي صحيح صريح، ولا يوجد مثل ذلك؛ فالله أعلم. وأما قوله رحمه الله تعالى: «ويقلب الله أعمال العباد، وهي أعراض، أجساما»؛ يعني أن الأوصاف تصير كالأجسام لها ثقل وتوزن، يشير للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. فأما من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، وهكذا كذلك شرا يره؛ فالخير والشر قليل وكثير يوزن يوم القيامة، والله عز وجل على كل شيء قدير. وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في قصة صاحب البطاقة، وما يؤتى به من الأعمال، فتطيش تلك السيئات بتلك البطاقة التي فيها كلمة التوحيد، تدل على هذا المعنى. وقوله رحمه الله تعالى: «كذلك فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة»، معنى ذلك جاء كثيرا، منه حديث البطاقة الذي تقدم، وهكذا كذلك الآيات: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وغيرها مما هو بمعناه في أحاديث، وكذلك آيات كثيرة. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، حديث أبي هريرة في الصحيحين. قال رحمه الله تعالى: «ثم تنشر الدواوين، وهي صحائف الأعمال؛ فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابا يسيرا، وأما من أوتي كتابه بشماله أو من وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، ويصلى سعيرا، ويقول: يا ليتني لم أوت كتابه، ولم أدري ما حسابيه». قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. وأما قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، فقد قال الراغب: «أي عمله الذي طار عنه من خير أو شر». ولكن الظاهر أن المراد بالطائر هنا نصيبه في هذه الدنيا، وما كتب له فيها من رزق وعمل، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ نَالُوا نَصِيبَهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ يعني ما كتب عليهم فيه. وأتبع رحمه الله بالكلام على الدواوين ونشرها، كما ذكر المؤلف رحمه الله: «وتنشر الدواوين، ويا صحائف الأعمال؛ فآخذ كتابه بيمينه» إلى آخره. وهذا في ظاهر ترتيب المؤلف أنه بعد الوزن؛ لأنه به يتبين أهل اليمين من أهل الشمال، ومن هو مسرور ممن هو من أهل الثبور؛ فإن الله عز وجل يأمر بوزن أعمال العباد، كما جاء في الحديث: «الميزان بيد الرحمن، يرفع أقواما ويضع آخرين إلى يوم القيامة»، حديث النواس بن سمعان، وقد مر معناه قريبا. ثم بعد ذلك يكون أمر الدواوين، فتثقل الصحائف وتخف أخرى، كما مر في حديث صاحب البطاقة؛ فمن كان من أهل السرور فإنه يأخذ كتابه بيمينه، ومن كان من أهل الثبور فإنه يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره. وقوله: «أو من وراء ظهره»، إشارة منه إلى أنه على حالين. والظاهر والله أعلم أنه يأخذه من شماله ووراء ظهره تنكيلا به. وقد روي هذا المعنى عن سعيد بن المسيب، وبه قال مجاهد: «أن شماله تجعل خلف ظهره»، وبهذا يكون الجمع بين الدليلين الواردين في هذا المعنى. وقوله رحمه الله: «ويقول: يا ليتني لم أوت كتابه»، ثم قال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾؛ يشير رحمه الله تعالى إلى أن تفاصيل ما يعمله العباد قد كتب عليهم، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة: أن ذلك قد كتب فيما سبق، ويكتب بعد العمل، وعند العمل؛ فيكون بعد ذلك قيام الحجة على الخلق. فالكتابة السابقة هي كتابة علم، والكتابة الواقعة مع العمل هي التي هي مناط الثواب والعقاب، وتكون به قيام الحجة على الخلق. وأما المعتزلة ومن ذهب مذهبهم من القدرية النفاة؛ فهم في الحقيقة جهلوا الشرع، وخرجوا عن مقتضى الحس والفطرة الصحيحة. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، هذا بمعناه الصحيح الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، لا بمعنى العدل الذي زعمه المعتزلة في أصولهم الفاسدة الباطلة، الذي سبق الكلام عليها في دروس سابقة. ثم قال: «وأما قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾؛ إيضاح لمعنى هذه الآية: أي عمله الذي طار عنه». قال الراغب: «أي عمل الذي طار عنه من خير أو شر». وقد رجح ذلك ابن جرير، ونقله عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. ونحوه نقل ابن كثير، رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم. ورجح المؤلف هنا قوله. ولكن الظاهر أن المراد بالطائر هنا نصيبه في الدنيا، وما كتب له من رزق وعمل. ويشير أن هذا المعنى الثاني هو الصواب في معنى الآية، وليس العمل يوم القيامة. ولا نعلم أن الآية يكون فيها المعنيان جميعا: معنى العمل الذي يطير عنه من خير أو شر؛ لأنه يكون قد كان منه في الدنيا، فكذلك خرجت منه بهذا المعنى، فيكون كذلك يوم القيامة، بما يكون من تدوينه في صحائف أعماله، ووصفها بالطيران؛ لأنها طارت عنه بعد عمله بها -يعني انفلتت-؛ فالإنسان يود أنه ما عمل العمل، وأنه قابض عليه، لكن بعد أن يعمله ينفلت منه؛ فكان وصفه بالطيران أبلغ في انفلات العمل من صاحبه بعد عمله به. والمعنى: أن المرء ينبغي أن يحاسب نفسه، ويدقق في عمله. نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.