شرح أصول في التفسير للعثيمين 13

شرح أصول في التفسير للعثيمين 13

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 13، الدرس الثالث عشر : من : ( الحكمة من نزول القرآن مفرقاً ... كما في آيات الإفك واللعان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكمة نزول القرآن مفرقًا والخلاف حول نزوله جملة واحدة

نزل القرآن مفرقًا على النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك خلاف حول نزوله جملة واحدة إلى السماء الدنيا ثم مفرقًا. الجمهور يرى نزوله جملة واحدة في ليلة القدر.

تثبيت قلب النبي وتسهيل حفظ القرآن

نزول القرآن مفرقًا يسهل حفظه وفهمه والعمل به، ويتدرج في الأحكام الشرعية، ويتصل بالوحي، ويحتوي على معاني التثبيت للنبي وأصحابه.

الرد على من أنكر نزول القرآن مفرقًا والتدرج في التشريع

الله جل وعلا أثبت حكمته في نزول القرآن مفرقًا، وأن التدرج في التشريع كان منهجًا في نزول القرآن، وسيتم تناول هذا الموضوع بالتفصيل لاحقًا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: الحكمة من نزول القرآن مفرقًا. قال: ومن تقسيم القرآن إلى مكي ومدني يتبين أنه نزل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مفرقًا، ولنزوله على هذا الوجه حكم كثيرة منها... أشار شيخنا رحمه الله تعالى في هذا الموضع إلى مسألة نزول القرآن مفرقًا، وهذا أجمع عليه أهل العلم، ولم يختلفوا فيه أبدًا. ولم يشر رحمه الله تعالى إلى مسألة نزوله جملة واحدة، هل نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقًا بعد ذلك إلى الأرض، أي على النبي عليه الصلاة والسلام؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والشيخ رحمه الله تعالى لم يتعرض لهذا. ربما أولًا لأن هذا الكتاب كتاب مختصر، والمقصود هو التنبيه على ما يحتاجه طالب العلم، وما يحتاجه في ذكره مفرقًا أهم مما يحتاجه في ذكره نزوله جملة واحدة. وربما، وهذا ثانيًا، أنه يكون لم يتعرض عليه أو ليتعرض إليه رحمه الله تعالى لكون هذه المسألة فيها خلاف. وقد اختلف أهل العلم على قولين مشهورين، وإن كانت هناك أقوال أخرى لكنها شاذة، اختلفوا على قولين مشهورين في مسألة نزول القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة. فمن أهل العلم من قال بذلك، وهو قول الجمهور، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير. ومنهم من قال: إنما المراد بنزوله في قول الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، فهذه الآيات إنما المراد ابتداء نزوله. وروي هذا المعنى عن الشعبي رحمه الله تعالى. والمعنى الأول الذي روي عن سعيد بن جبير وعن ابن عباس أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وكان ذلك في رمضان، وهي الليلة المباركة. ومن تأمل في هذين القولين فإنه ليس فيهما تعارض كبير، فلا مانع أن يكون نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقًا بحسب الوقائع من السماء الدنيا إلى الأرض على النبي عليه الصلاة والسلام. وكان أول نزوله في ليلة القدر، وفي شهر رمضان، وهي الليلة المباركة. على أن الأول يحتاج لدليل صحيح صريح مرفوع يدل على هذا المعنى، ولا دليل صحيح صريح يدل على هذا المعنى. ولهذا في بعض ثنايا كلام ابن القيم رحمه الله ما يشعر بتضعيف القول الأول، وهو أنه نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا. والحاصل أن هذه المسألة نبه عليها؛ لأنكم قد تجدونها في كتب أخرى، فكان التنبيه على هذا لأجل أن يطلع الناظر في مثل هذا الموضع أو يتعرف على ما ذكر في هذا المعنى. وأما ما حكاه القرطبي رحمه الله من الإجماع على هذا المعنى فهو ليس بصحيح، فالمسألة فيها خلاف. قال رحمه الله تعالى: «وإنزاله على هذا الوجه حكم كثيرة منها: أولًا تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾، ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾». ذكر شيخنا رحمه الله بأن من حكم نزول القرآن مفرقًا أنه نزل مفرقًا ليثبت به ربنا جل وعلا فؤاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي قلبه. ومعنى هذا التثبيت للعلماء فيه تفاسير. ومن معنى التثبيت أن المراد تثبيت حفظه، فإن نزوله جملة واحدة لا يكون معه سهولة الحفظ، بخلاف نزوله مفرقًا فإنه أيسر للحفظ وأثبت. ونجد هذا المعنى في سورة القيامة، فإن ربنا جل وعلا أخبر نبيه عليه الصلاة والسلام أنه تكفل بإعانته على حفظه. وهذا كذلك كما أنه للنبي عليه الصلاة والسلام، فهو كذلك للناس من بعده من الصحابة ومن بعدهم، يعني أنها سنة أن يؤخذ القرآن مفرقًا ليس جملة واحدة. ولهذا صح عن عبد الله بن مسعود أنهم كانوا يتعلمون عشر آيات لا يتجاوزونهم حتى يأخذوا ما فيها من العلم والعمل. وهكذا كذلك نعرف بهذا أن المعنى الثاني من معاني التثبيت: التثبيت والإعانة على العمل، فإن العمل بالعلم لا يمكن أن يكون جملة واحدة، ولكنه كذلك يكون مفرقًا. ولهذا كان من حكمة الله جل وعلا التدرج في إنزال الأحكام الشرعية. وهذا هو المعنى الثالث من معاني التثبيت، فإن نزول القرآن مفرقًا من حكمه أنه كذلك يكون به التدريج في الأحكام الشرعية. التدريج في الأحكام الشرعية، وهذا فكذلك من معاني التثبيت: «لنثبت به فؤادك» أي بالاتصال بالوحي. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو نزل عليه القرآن جملة واحدة مرة واحدة فقط، هل سيكون بمثل أن ينزل عليه مفرقًا وفي كل مرة يأتيه كلام من الله سبحانه وتعالى؟ لا شك أن الثاني أولى وأقوى في التثبيت. وهذا هو الذي كان حكمة من الله سبحانه وتعالى وفضل. فمن حكمه الاتصال بالوحي، وأعظم من ذلك أن هذا الاتصال ليس لدون معنى، ولكنه لمعنى يحتاجه النبي عليه الصلاة والسلام، وينزل عليه في غزواته ما يثبته ويثبت أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، وينزل عليه في وقت شدته، وينزل عليه كذلك في وقت حاجته إلى العلم وهكذا. وقد مر معنا بعض أسباب النزول، ما به علمنا كيف أن القرآن ينزل لحاجة الناس إليه. وهكذا كذلك من معاني التثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كذلك أنه أدعى في إدراك الشريعة، فإن الشرع كما قلنا فيه تدرج في الأحكام، وفيه ناسخ ومنسوخ، وفيه عام وخاص، وفيه مجمل ومبين، ومطلق ومقيد، وغير ذلك مما هو في دين الله سبحانه وتعالى. فنزوله مفرقًا كذلك سبب لتثبيته على هذه المعاني جميعًا. قال: «ثانيًا: أن يسهل على الناس حفظه وفهمه والعمل به، حيث يقرأ عليهم شيئًا فشيئًا لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾». يعني من حكم نزول القرآن مفرقًا أن يسهل على الناس حفظه وفهمه والعمل به، كما مر معنا في أثر ابن مسعود، فكان الصحابة حتى بعد نزول القرآن كانوا لا يأخذون منه إلا قدر عشر آيات حتى يأخذوا ما فيها من العلم والعمل، انتقلوا إلى غيرها. ولهذا كذلك كان من أحسن الحفظ أن يحفظ القرآن مع العمل به. وهذا يكون لمن كبر في سنه، يعني يحرص على قراءة تفسير العشر الآيات، ويحفظها، ويستمر على ذلك، فإنه بإذن الله تعالى سيتم الحفظ مع معرفة المعنى والفهم. وهكذا كذلك يستعين بذلك على العمل بالعلم الذي تعلمه وحفظه. وقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، هذا بمعنى الآية التي في سورة الفرقان: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، ففرقه ربنا جل وعلا لماذا؟ ليقرأ على الناس على مكث، يعني بالتدرج، فيكون في ذلك إعانة للناس بحفظه وفهمه والعمل به. وهكذا كذلك الحكم الأخرى التي ستأتي: «ونزلناه تنزيلًا» أي نزل هذا القرآن مفرقًا. ولم يكن كما كان عند من سبق من أهل الكتاب، فإنه نزل جملة واحدة. ولهذا قيل: إن قوله جل وعلا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أنهم اليهود، هم الذين زعموا أو هم الذين قالوا هذه المقولة. وقيل: إنهم كفار قريش. وكذلك كفار قريش عندهم بعضهم أن الكتب السابقة نزل جملة واحدة. ووجه الإنكار، إن قال قائل: ما وجه الإنكار؟ لماذا أنكروا كونه ينزل مفرقًا؟ وجه الإنكار أنهم زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم يختلقه اختلاقًا فصلًا فصلًا، ولو كان من عند الله لنزل جملة واحدة. يعني كأنه يقول: كونك تتكلم به أو تقراه على الناس مفرقًا هذا يدل على أنه من عندك ليس من عند الله. فكذبهم الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، وأن لله حكمة في كون هذا القرآن نزل على غير ما نزلت به التوراة والإنجيل والزبور، بل نزل مفصلًا مفرقًا لحكم. ومن هذه الحكم كما سمعنا هذا الذي ذكر. قال رحمه الله تعالى: «ثالثًا: تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القرآن وتنفيذه، حيث يتشوق الناس بلهف وشوق إلى نزول الآية، لا سيما عند اشتداد الحاجة إليها، كما في آيات الإفك واللعان». فقد مر معنا ذلك، ففي قصة الإفك في حديث عائشة بالصحيحين، لما قال المنافقون ما قالوا، حتى إن بعض المسلمين وقع في شبهتهم، فنقلوا تلك المقولة الفاسدة الظالمة الجائرة. فنزل من القرآن ما يكون فيه فضح المنافقين، وما يكون فيه تأديب المسلمين، وما يكون فيه تبرئة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها. فكان بهذا حكم ودروس وعبر عظيمة. وهذا قصة اللعان نزلت كما سبق، وكان فيه حكم وعبر ودروس عظيمة. وهذا هو أحد معاني تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، فإنها بمعنى: لا يأتونك بشبهة إلا جئناك بما يرد هذه الشبهة على أحسن أوجه التفسير. وهكذا كذلك لا يأتيك الناس بقضية يحتاجون حكمها وتفصيلها ومعرفة العلم فيها إلا جاءك من الله جل وعلا العلم على أحسن أوجه التفسير. على أحسن أوجه التفسير. وكل المعنيين صحيح، يدخل في عموم هذا اللفظ. قال رحمه الله تعالى: «رابعًا: التدرج في التشريع». طيب، هذا نتركه لانتهاء الوقت. نتركه في الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم. طيب، نترك الأسئلة إن شاء الله إلى...