الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 114، الدرس الرابع عشر بعد المائة:( -مجموعة من المسائل ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في عددٍ من كتبه تتمة للفائدة في هذا الفصل -). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع الأول مسائل في الإيمان والإسلام، مثل التفاضل بينهما والاستثناء في الإيمان. يُذكر أن هناك ثلاثة أقوال في كل مسألة منها.
يناقش المقطع الثاني مسائل تتعلق بالإيمان، مثل كونه مخلوقًا أو لا، وتفاصيل تكفير المعين وعدم جواز ذلك حتى تقوم عليه الحجة، ومسألة اللعن.
يناقش المقطع الثالث مسائل تتعلق بعدم جواز لعن المعين واستدل بقصة عمر مع شارب الخمر، ويناقش الشهادة على أحد بأنه في الجنة أو النار.
يشير المقطع الرابع إلى أن الحكم ليس مقصورا على فرقة معينة في زمن الصحابة، بل يتجاوز ذلك إلى غيرهم، ويتناول تطبيق حكم معين على مختلف الفرق.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق من ذكر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مبحث الإيمان، نذكر مجموعة من المسائل ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في عدد من كتبه، تتمة للفائدة في هذا الفصل. من هذه المسائل ما ذكره رحمه الله تعالى في مسألة التفاضل في الإيمان والإسلام، أيهم أفضل. وأشار رحمه الله في كتابه "مجموع الفتاوى" إلى ثلاثة أقوال مشهورة عن أهل العلم. أولها أن الإسلام أفضل، أي من الإيمان؛ لأنه يدخل فيه الإيمان، وبين أنه قول للمرجئة. وثانيها أن الإسلام والإيمان سواء، وأنه قول الوعيدية من الخوارج والمعتزلة. وأشار رحمه الله لتنبيه مهم، وهو أن ابن نصر الإمام رحمه الله حكى هذا القول عن طائفة من أهل الحديث، وبين رحمه الله أن هذا خطأ وليس بصحيح. ومثله ما نسب إلى الإمام البخاري رحمه الله أنه يقول بهذا القول، فهو خطأ. والإمام البخاري رحمه الله ذريء مما نسب إليه؛ فقد بوّب رحمه الله في صحيحه بابًا يدل على التفريق، فقال رحمه الله في صحيحه: "باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة"، وذكر الآية، وذكر حديث سعد، وفيه قال: "أو مسلمًا". وهو يدل على تفريقه بين الإسلام والإيمان، لا كما نسب إليه أنه يوافق قول الوعيدية. والقول الثالث أن الإيمان أكمل وأفضل، وهو الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة والنصوص الكثيرة، كما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى"، الجزء السابع. ومنه قول الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. من مسائل هذا الفصل كذلك مسألة الاستثناء في الإيمان. فقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في نفس المرجع إلى أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال. أولها: منهم من يحرمه ويمنعه، كطائفة من الحنفية، ويقولون: لا يستثني إلا شاك. وهو خطأ. ومنهم من يوجبه، يعني يوجب الاستثناء، ومعنى الاستثناء: "أنا مؤمن إن شاء الله"، فيقولون: يجب أن تقول ذلك، يعني ضد القول الأول. وأشار إلى أن ذلك نقل عن بعض من ينتسب إلى أهل الحديث. والقول الثالث هو التفصيل في ذلك، وأنه يجوز أو يستحب، قال رحمه الله: "وهذا هو أعدل الأقوال". وفصل رحمه الله أنه يفصل إذا أريد بالإيمان الأعمال، أو أريد به أصل الإيمان. فإن أريد أصل الإيمان فلا استثناء في أصل الإيمان، وإن أريد به الأعمال، فيقول: "أنا مؤمن إن شاء الله"، أي بتحقيق أعمال الإيمان. وعلى هذا يحمل ما نقل عن عبد الله بن مسعود رحمه الله، كما أشار إليه. وهذه المسألة مبنية على مسألة سابقة، وهي ثمرة لها، وهي مسألة: هل الإسلام والإيمان شيء واحد؟ وسبق معنا أنهم إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. من مسائل هذا الفصل كذلك ما ذكره رحمه الله تعالى في نفس الجزء من مسألة الإيمان: هل هو مخلوق؟ وبيّن رحمه الله تعالى مسألة التفصيل، وأن من قال: إن الإيمان مخلوق، فقد أخطأ، ومن قال: غير مخلوق، فقد أخطأ. وبيّن رحمه الله أن القول الأول، أي القول بأن الإيمان مخلوق، قالت به الجهمية. فهي مسألة تابعة لمسألة اللفظ، على ما سبق التفصيل فيها. فهم حين قالوا: لفظي بالقرآن مخلوق، أرادوا بذلك الإيمان. فكذلك قولهم: "الإيمان مخلوق"، فإنه يدخل فيها قول: "لا إله إلا الله". وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله". وهذا مما أنكر به أهل السنة على الجهمية ومن وافقهم في ذلك. ولذلك كان الصحيح التفصيل، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو قول جماعة من الأئمة، نقل عن أحمد والبخاري وجماعة. فيقال: ما المراد باللفظ؟ فكذلك يقال: ما المراد بالإيمان؟ هل المراد عمل الجوارح والقلب، أو ما في العمل من كلام الله سبحانه؟ وبهاتين المسألتين امتحن الإمام البخاري رحمه الله وابتلي. وكان قوله في الحقيقة موافقًا لقول عامة أهل السنة من التفصيل في هاتين المسألتين، كما سبق الكلام في قضية لفظه بالقرآن مخلوق. فإنه يفرق بين اللفظ والملفوظ، يفرق بين الفعل الذي هو فعل الإنسان مخلوق، وبين القراءة التي فعل الإنسان فهو مخلوق، وبين المقروء والملفوظ الذي هو كلام الله ليس بمخلوق. وهكذا كذلك يقال في مسألة الإيمان. من هذه المسائل كذلك ما أشار إليه رحمه الله تعالى كذلك من مسألة عدم جواز تكفير وتفسيق المعين الذي لم تقم عليه الحجة؛ فإنه لا يجوز تكفير ولا تفسيق المعين حتى تقوم عليه الحجة. ومن ذلك أنه كذلك لا يجوز لعن المعين، ويجوز لعن من لعنه الله ورسوله على سبيل العموم. واستدل شيخ الإسلام رحمه الله بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها"، حديث ابن عمر الذي رواه أبو داود والحاكم، وهو صحيح، وصححه الألباني رحمه الله في "الإرواء" وفي "صحيح أبي داود" وغيره. وأما عدم لعن المعين، فاستدل رحمه الله بقصة عمر ولعن شارب الخمر الذي كثر الإتيان به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث في "صحيح البخاري". فقال عليه الصلاة والسلام: "لا تلعنه؛ إنه يحب الله ورسوله". وهكذا كذلك من المسائل أنه كذلك لا يجوز لعن المعين. وما ورد من لعن المعينين في بعض الأدلة، فهو منسوخ بقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، كما أشار إلى ذلك في المجلد الثالث والمجلد الثامن من "مجموع الفتاوى"، وهو يشير إلى لعن النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أعيان المشركين وقبائلهم. من مسائل هذا الفصل كذلك ذكر رحمه الله تعالى أن من لعن معينًا وجب تعزيره؛ لأنه فعل ما يخالف الشرع. ومن مسائل هذا الفصل كذلك أشار رحمه الله أنه لا يجوز الشهادة على واحد بعينه أنه في النار؛ وذلك لما سبق من الأدلة الكثيرة في هذا المعنى. وبالمثل لا يجوز الشهادة على أحد بعينه أنه في الجنة، إلا أن يدل دليل أن هذا في الجنة أو هذا في النار، كما دلت الأدلة على ذلك في أناس معينين. من مسائل هذا الفصل كذلك القول بتخليد الكافر في النار: أنه لا يكون إلا عند ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، وأنه لا يعين حتى يقوم مقتضى التكفير في ذلك المعين، أي الكافر. وأخيرًا من مسائل هذا الفصل ما أشار إليه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" في المجلد الثامن والعشرين: أن الخوارج مسمى ليس لعين من خرج في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل هو مسمى لمن قال بقولهم ولو بعد حين، وأنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال. وبهذا يزول الإشكال الذي اعترض به بعض الناس بهذا الزمان في تسمية بعض من يرمي المسلمين بالتكفير بالخوارج، وأنه مسمى لفرقة ذهبت، ولا يجوز إلقاء هذا الحكم وهذا المسمى على من في هذا الزمان. وهذا خطأ؛ بل من قال بقول الخوارج، فكفر المسلمين بغير حق، فهو من الخوارج. ويدل عليه ما ثبت عند ابن ماجة وغيره بإسناد صحيح من حديث ابن عمر، وصححه شيخنا مقبل رحمه الله في "الصحيح المسند" والعلامة الألباني رحمه الله في "صحيح ابن ماجة" ومواضع أخرى من كتبه: أن ابن عمر يحكي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "ينشأ نشء يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع"، يعني كلما خرج قرن يسر الله من يقطعهم. قال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أكثر من عشرين مرة كلما خرج قرن قطع"، يعني أكثر من عشرين مرة، قال: "حتى يخرج في عراضهم الدجال"، يعني يستمر خروج الخوارج إلى خروج الدجال. وهذا صريح في عين المسألة، وأنه غير منحصر بالفرقة التي كانت في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.