الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 28

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 28

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 28، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على ادعاءات النصارى حول البشارة بالنبي محمد والمسيح

يناقش الادعاءات النصرانية حول بشارات الأنبياء السابقين بالمسيح دون النبي محمد، ويرد عليها بالتأكيد على وجود بشارات بالنبي محمد وتأويلات أهل الكتاب لها. كما يشدد على أن نبوة النبي لا تعتمد على بشارات السابقين بل على دلائل النبوة والمعجزات.

الاحتجاج بكلام الرسول وحدود تصديقه فيما يبلغه عن الله

يتناول المقطع مناقشة حول جواز الاحتجاج بكلام الرسول ومدى تصديقه فيما يبلغه عن الله، ويبين أن الرسول إما صادق في كل ما يبلغه أو غير صادق، وإن كان غير صادق في شيء فلا يكون رسولًا لله. كما ينتقد تشبيه إقرار المقر على نفسه بقول من يدعي أنه رسول الله.

الرد على شبهة تناقض القرآن وبيان عموم رسالة النبي

يتمسك بالنص الناسخ دون المنسوخ، ويرد على شبهة أن النبي أرسل للعرب خاصة، ويبين أن الإيمان برسالة النبي يستلزم الإيمان بأنه رسول لغير العرب. كما يشير إلى أن ما استدل به على رسالة النبي يدل على صدق رسالته.

نقد القياس المستخدم في الاستدلال

ينقد المقطع استخدام قياس معين ويعتبره دليلاً على سفه وجهل صاحبه، لأنه يستند إلى استدلال غير صحيح ويعتبر من أضعف أنواع الأقيسة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «الجواب الصحيح من بدل دين المسيح» فصل: ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا من النصارى إنما يعتمدون في النبوات على بشارة الأنبياء بمن يأتي بعدهم، فيقولون: المسيح عليه السلام بشرت به الأنبياء قبله، بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يبشر به نبي. وجواب هؤلاء من وجهين. أحدهما: أن يقال بل البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة أعظم من البشارة بالمسيح صلى الله عليه وسلم. وكما أن اليهود يتأولون البشارة بالمسيح على أنه ليس هو عيسى بن مريم بل وآخر ينتظرونه، وهم في الحقيقة إنما ينتظرون المسيح الدجال، فإنه الذي يتبعه اليهود ويخرج معه سبعون ألف مطيلس من يهود أصبهان، ويقتلهم المسلمون معه حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم، هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وثبت أيضا في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل عيسى بن مريم من السماء على المنارة البيضاء شرق دمشق، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويقتل مسيح الضلالة الأعور الدجال» عيسى بن مريم «مسيح الهدى على بضع عشرة خطوة من باب لد، ليتبين للناس أن البشر لا يكون إلها، فيقتل من ادعى فيه أنه الله، وهو بريء ممن ادعى فيه، لمن ادعى في نفسه أنه الله، وهو دجال كذاب». فهكذا البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة، وقد يتأولها بعض أهل الكتاب على غير تأويلها، كما قد بسط في موضع آخر. فإن بسط الكلام في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب له موضع آخر. والجواب الثاني: أن يقال ليس من شرط النبي أن يبشر به من تقدمه، كما أن موسى كان رسولا إلى فرعون ولم يتقدم لفرعون به بشارة. وكذلك الخليل عليه السلام أرسل إلى نمرود ولم يتقدم به بشارة نبي إليه. وكذلك نوح وهود وصالح وشعيب ولوط، لم يتقدم هؤلاء بشارة إلى قومهم بهم، مع كونهم أنبياء صادقين. فإن دلائل نبوة النبي لا تنحصر بأخبار من تقدمه، بل دلائل النبوة منها المعجزات ومنها غير المعجزات، كما قد بسط في موضع آخر. وهؤلاء النصارى إنما مستند دينهم في التثليث والاتحاد وغير ذلك هو السمع، وهو دعواهم أن الكتب الإلهية جاءت بذلك، ليس مستندهم فيه العقل. فإذا تبين أنهم مع تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم يمتنع أن تثبت نبوة غيره، امتنع استدلالهم بالسمعيات. وأما العقليات فإن تشبثوا ببعضها، فهم معترفون بأن حجتهم فيها ضعيفة، وأنها على نقيض مذهبهم أدل منها على مذهبهم. وسنبين إن شاء الله تعالى أنه لا حجة لهم في سمع ولا عقل، بل ذلك كله حجة عليهم. وأما تمثيلهم الكتاب بالوثيقة التي كتب الوفاء في غارها، فتمثيل باطل غير مطابق. لأن الإقرار بالوفاء إقرار بسقوط الدين، ولا مناقضة بين ثبوت الدين أولا وسقوطه آخرا بالوفاء، بل أمكن مع هذا دعواه. وأما من يذكر أنه رسول الله، فلا يمكن أن يقر بأنه رسول الله في بعض ما أنبأ به عن الله دون بعض، ولا يمكن اتباع بعض كتابه الذي ذكر أنه منزل من عند الله دون بعض. فإنه إن كان صادقا في قوله إنه رسول الله، كان معصوما فيما يخبر به عن الله، لا يجوز أن يكذب في شيء منه لا عمدا ولا خطأ، ووجب اتباع الكتاب الذي جاء به من عند الله، ولم يمكن رد شيء مما ذكر أنه جاء به من الله. وإن كان كاذبا في كلمة واحدة مما أخبر به عن الله، فهو من الكاذبين المفترين، فلا يجوز أن يحتج بشيء من دينهم، ولا دين غيرهم بمجرد إخباره عن الله، بل ولا بمجرد خبره وقوله، وإن لم يذكر أنه خبر عن الله، كما لا يجوز مثل ذلك في سائر من عرف أنه كاذب في قوله: إني رسول الله، كمسيلمة الحنفي والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي وباب الرومي وأمثالهم من الكذابين. والواحد من المسلمين وإن كان الله لا يؤاخذه بالنسيان والخطأ، بل والرسول أيضا وإن لم يكن يؤاخذ بالنسيان والخطأ في غير ما يبلغه عن الله، عند السلف والأئمة وجمهور المسلمين، لكن ما يبلغه عن الله لا يجوز أن يستقر فيه خطأ. فإنه لو جاز أن يبلغ عن الله ما لم يقله ويستقر ذلك ويأخذه الناس عنه معتقدين أن الله قاله ولم يقله الله، كان هذا مناقضا لمقصود الرسالة، ولم يكن رسولا لله في ذلك، بل كان كاذبا في ذلك، وإن لم يتعمده. وإذا بلغ عن الله ما لم يقله وصدق في ذلك، كان قد صدق من قال على الله غير الحق، ومن تقول عليه ما لم يقله، وإن لم يكن متعمدا. ويمتنع في مثل هذا أن يصدقه الله في كل ما يخبر به عنه، أو أن يقيم له من الآيات والبراهين ما يدل على صدقه في كل ما يخبر به عنه، مع أن الأمر ليس كذلك. ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله، كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله، لا يجوز أن يكون في خبره عن الله شيء من الكذب لا عمدا ولا خطأ. وهذا مما اتفق عليه جميع الناس من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، لم يتنازعوا أنه لا يجوز أن يستقر في خبره عن الله خطأ، وإنما تنازعوا هل يجوز أن يقع من الغلط ما يستدركه ويبينه؟ فالناس متفقون على أن من أرسله الله وأقام الآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله، لم يكن ما يبلغه عنه إلا حقا، وإلا كانت الآيات الدالة على صدقه دلت على صدق من ليس بصادق، وبطلان مدلول الأدلة اليقينية ممتنع. والصدق الذي هو مدلول آيات الأنبياء وبراهينهم هو أن يكون خبره عن الله مطابقا لمخبره، لا يخالفه عمدا ولا خطأ. ولو قال: قال أنا لا أسمي الخطأ كذبا، أو قال: إن المخطئ لا إثم عليه في خطأه، قيل له: هذا لا ينفع هنا. فإن الآيات دلت على أن الله أرسله ليبلغ عنه رسالاته، والله لا يرسل من يعلم أنه يخبر عنه بخلاف ما قال له، كما لا يجوز إرسال من يتعمد عليه الكذب. بل الواحد من الناس لا يرسل من يعلم أنه يبلغ خلاف ما أرسله به، ولو علم أنه يقول عليه ما لم يقل وأرسله مع ذلك، لكان جاهلا سفيها، ليس بعليم حكيم. فكيف يجوز ذلك على أعلم العالمين وأحكم الحاكمين؟ وأيضا فإن الآيات والبراهين دلت على صدقه في كل ما يبلغه عن الله، وأن الله مصدقه في كل ما يبلغه عنه، فيمتنع أن لا يكون صادقا في شيء من ذلك، ويمتنع أن يصدق الله في كل ذلك من لا يصدق في كل ذلك. فإن تصديق من لا يصدق كذب، والكذب ممتنع على الله. وإذا تبين أن من ذكر أنه رسول الله إما أن يكون رسولا صادقا في جميع ما يبلغه، فيمتنع مع هذا تناقض أخباره، لأنها كلها صادقة. وإما أن يكون غير صادق ولو في كلمة، فلا يكون رسولا لله، فلا يحتج بشيء مما يخبر به عن الله. كان تمثيل من ذكر أنه رسول الله بالمقر باستيفاء وثيقته تمثيلا باطلا. فإن صاحب الوثيقة الذي أقر بوفائها، بعد كانت له حجة ثم استوفاها. ومن ذكر أنه رسول الله إما صادق وإما كاذب، وعلى التقديرين لا يجوز أن يحتج ببعض كلامه دون بعض. وإذا قال القائل: مقصودي أبين أنه متناقض، وأن نفس كلامي يبين أنه لم يرسل إلينا، وأن ديننا حق، كما أن نفس كلامي الذي كان له الحق هو المقر بالوفاء. قيل: إن كان كلامه متناقضا، فليس برسول. وحينئذ فلا يجوز لك أن تحتج بشيء مما بلغه عن الله، بخلاف المقر بالوفاء، فإن إقراره مقبول على نفسه، فإنه شاهد على نفسه بالوفاء، وإقرار المقر على نفسه وشهادته على نفسه مقبولة، ولو كان كافرا وفاسقا، بخلاف شهادته وخبره عن الله. فمن شبه إقرار المقر على نفسه بقول الذي يقول: إنه رسول الله، دل ذلك على غاية جهله بالقياس والاعتبار والتمثيل. فإن إقرار المقر على نفسه حجة عليه، ولو كان فاسقا معروفا بالكذب، ليس هو مثل شهادة الإنسان على غيره، فإن شهادته على غيره لا تقبل إذا كان معروفا بالكذب، فكيف بمن شهد على الله بأن الله أرسله؟ فالمقر على نفسه يمكن قبول إقراره على نفسه، ولا يقبل دعواه على غيره. وكذلك الشاهد قد تقبل شهادته فيما ليس هو خصما فيه، ولا تقبل شهادته بما ادعاه. وأما من يقول: إنه رسول الله، فلا يمكن أن يصدق في بعض ما يخبر به عن الله، ويكذب في بعض، بل إن كان كاذبا في كلمة واحدة، فليس هو رسولا لله، فلا يحتج بكلامه. وإن قدر أن الكلام في نفسه صدق، فكان نسبته إلى الله أن الله أرسله به وأوحاه، لا يكون صادقا فيه إذا كذب في كلمة واحدة، لأن الله لا يرسل كاذبا. وإن لم يكن كاذبا في كلمة واحدة، وجب تصديقه في كل ما يخبر به، فلا يمكن تصديقه في بعض ما يخبر به عن الله. ويلاحظون بعض بخلاف المقر والشاهد. وإن كان المقصود بيان تناقضه، كان هذا احتجاجا على أنه ليس برسول، فلا ينفع، مع أنه تبين أنه ليس بمتناقض. وإن كان المقصود إلزام المسلمين به، فقد بينا أنه لا يلزمهم من وجوه متعددة. فهذا بيان أنه لا يجوز لهم الاحتجاج بشيء من كلام محمد صلى الله عليه وسلم، سواء صدقوه أو كذبوه. ثم يقال لهم ثانيا في الجواب عن التمثيل بالوثيقة: إن الإقرار بالاستيفاء يناقض استيفاء الحق. وأما القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فليس في إخباره بأنه أرسل إلى قريش ثم إلى العرب ما يناقض إخباره بأنه أرسل إلى جميع الناس، أهل الكتاب وغيرهم. كما أنه ليس في إخباره أنه أرسل إلى بني إسرائيل ومخاطبة الله لهم بقوله: «يا بني إسرائيل» ما يمنعه أن يكون مرسلا لليهود من غير بني إسرائيل، وإلى النصارى والمشركين. وهو لم يقل قط: إني لم أرسل إلا إلى العرب، ولا قال ما يدل على هذا. بل ثبت عنه بالنقل المتواتر أنه قال: «إنه مرسل إلى جميع الجن والإنس، وإلى أهل الكتاب وغيرهم». ولو قدر أنه قال: إنه لم يرسل إلا إلى العرب، ثم قال: إني أرسلت إلى أهل الكتاب، لكان قد أرسل إلى أهل الكتاب بعد إرساله إلى العرب. كما قال: «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دم مسفوحا أو لحم خنزير». وقال أيضا: «إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير». ثم إنه بعد هذا حرم الله أشياء، فلم يكن بين نفي تحريمها في الزمن الأول وإثبات تحريمها في الزمن الثاني منافاة. ولكن يظهر الدين إذا أوجب شيئا ثم نسخ إيجابه، كما نسخ إيجاب الصدقة بين يدي النجوى. في مثل هذا يتمسك بالنص الناسخ دون المنسوخ، كما يتمسك بالإقرار بالوفاء الناسخ للإقرار بالدين. أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل كذلك ليرد على شبهتهم في زعمهم أنه أرسل للعرب خاصة، وما استدل به مما زعم فيه التناقض، أو ما استدل به مما فيه القياس. وبين رحمه الله تعالى في الفصل الذي قبله ما يبين أنه عليه الصلاة والسلام أرسل للعرب ولغيرهم، وأن الإيمان بأنه رسول للعرب يستلزم الإيمان بأنه رسول لغيرهم، لأن الرسول لا يقول إلا الحق والصدق. ولو قدر أنه رسول وقال غير الحق والصدق، لما أذن الله جل وعلا له، ولا تركه، كما سبق: «ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين». ثم ذكره رحمه الله تعالى بأن ما استدل به على إثبات رسالات الأنبياء فيمن آمنوا بهم من أنبياء ورسل، يلزمهم بمثلها أن يؤمنوا برسالة النبي عليه الصلاة والسلام. فإن كان آيات ودلائل وبراهين تبرهن وتصدق رسالته، فإن نبينا عليه الصلاة والسلام قد أوتي من ذلك الشيء الكثير. وإن كان بشارات، فنبينا عليه الصلاة والسلام قد بشر ببشارات أصح، كما أخبر الله عز وجل عن عيسى عليه السلام وموسى، وكما أخبر بذلك الصادقون ممن عرف دين أهل الكتاب، كقصة عبد الله بن سلام، وقصة سلمان، وجماعة من أهل الكتاب ممن علموا علم أهل الكتاب، ك ورقة بن نوفل، وجماعة، وعمر بن نفيل، وغيرهم، مما جاء ذكر أخبارهم، مما يؤكد هذا المعنى. وما أشار إليه من الحديث الذي فيه أن المسيح الدجال يخرج معه من يهود أصبهان عليهم الطيلسان، وهو ثياب من ثياب العجم، أسود، وهو من خصائص لبس اليهود، ولا يزال إلى يومنا هذا، واليهود يحرصون على لبس السواد، وهذا يؤكد ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. فالشاهد أن البشارات إذا صحت، فنبينا عليه الصلاة والسلام قد بشر ببشارات أصح. كما أخبر الله عز وجل عن عيسى عليه السلام وموسى. وأشار إلى الحديث الذي قال: في الصحيح في ذكر بعض أخبار المسيح الدجال، وقتل عيسى بن مريم عليه السلام له، فهو مجموع من مجموعة أحاديث، بعض من حديث أبي هريرة في الصحيحين، وبعض من حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم، وبعضه ليس في الصحيحين. كقوله: «ويقتل مسيح الهدى عيسى بن مريم مسيح الضلالة الأعور الدجال على بضع عشرة خطوة من باب لد». فهذا اللفظ لم أقف عليه، ولكن أشار صاحب «كنز العمال» أن ابن عساكر أخرج عن «مجموع ابن جارية» لفظا قريب منه، وهو قوله: «دون باب لد سبع عشرة ذراعا». يعني: ليس في باب لد نفسها. وباب لد موضع معروف في فلسطين إلى يومنا هذا، باب مشهور قرب بيت المقدس، يقال له: باب لد، وهو اسم مكان في أرض فلسطين. وهذه الرواية التي أشار إليها لم يتيسر الوقوف على إسنادها، أشار صاحب «كنز العمال» لأنها عند ابن عساكر. فإن شاء الله ينظر في إسنادها. ثم ما أشار إليه من قصة الغرانيق، وأشار كيف أن أهل العلم لهم فيها طريقان: طريق بضعفها، وهذا قول أكثر المحققين، أنهم ضعفوا هذه القصة، لأنها كما قال ابن كثير: أكثرها مرسلات ومعضلات. وكما قال ابن خزيمة رحمه الله: «هذه القصة من وضع الزنادقة». واستنكرها جماعة من أهل العلم، كابن العربي والقاضي عياض، وأنكروا هذه القصة سندا ومتنا، مع ما فيها من كلمة شنيعة شركية، وهو ما ذكر عن الغرانيق، وهي الأصنام، أن شفاعتهن ترتجى: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى». ومن صحح القصة، كما قال الحافظ ابن حجر، وابن بطال، قال: ومن صححها ذكر تأويلا لهذه اللفظة الشنيعة. والتأويل ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هنا، أن هذا ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ومحال أن يكون من كلامه عليه الصلاة والسلام، ولكنه مما ألقاه الشيطان على أسماع الحاضرين، ولم يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وبعضهم تساهل فقال: لا يمنع أن يكون قاله النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه نسخ، وبين أنه ليس من القرآن، وأنه مما فعله الشيطان على لسانه خطأ. فبين أنه لا عيب ولا نقص في ذلك. ولكن كما سبق أن القصة ضعيفة، ليس لها إسناد صحيح. وهذا يكفي، وأحسن من تكلف الأجوبة. والمناسبة من إيراد ذلك، كما أشار رحمه الله تعالى، أن ما يستدلون به لو قدر أن هناك شيئا فيما ظاهره التعارض، فهو إما لا يصح، وإما له تفسير لا يرده كل عاقل، فالجمع بين ما ظاهره التناقض إذا كان له تفسير صحيح، وهذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه المنصف. وما أكثر ما ظاهره التناقض في كلام المتكلمين من سائر المخلوقين، فكيف برسول ونبي يؤمن أنه رسول ونبي؟ ثم بعد ذلك يدعى أن بكلامه تناقض؟ فهو كما قال شيخ الإسلام: على أحد أمرين: إما أن يؤمن أنه نبي، فما يقوله كله حق، وما ظاهره التناقض له جواب عند أهل الإنصاف والمعرفة. وإما أن لا يكون نبيا، فيصح عند ذلك أن يدعى أن بكلامه تناقض. وهم كما سبق يزعمون أنه نبي، فإذا زعموا أنه نبي، لزمهم أن يرجعوا إلى القول الثاني. وأما قياسهم بمثال الوثيقة، كما ذكر في أول هذا الكتاب في هذه الشبهة، فهو كما أشار: ليس بقياس صحيح، بل هو عند أهل المعرفة بالقياس يعد من قياس الشبه، وهو أضعف أنواع القياس، كما هو متقرر عند أهل هذا العلم: علم الأصول. بل هو عند العقلاء جميعا. ويذكر أهل المنطق من أنواع الأقيسة: قياس الشبه. وقياس الشبه من أضعف الأقيسة عقلا وشرعا، هذا إذا توفرت أوجه الشبه، فكيف إذا لم تتوفر أوجه الشبه، كما هو ظاهر في هذا التمثيل والقياس الذي قاسوه؟ ولهذا كل منصف إذا رأى هذا القياس الذي استعملوه، يعلم أنه إن دل على شيء، دل على سفه وجهل وضعف صاحبه، إذ يستدل بما لا يصح الاستدلال به، وأنه استدل بقياس من أضعف أنواع الأقيسة. والله تعالى أعلم.