الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 29، الدرس التاسع والعشرون : (ثم أعقب ذلك بما يدل على كمال حياته ... من طرق البحث والنظر والاستنتاج والتجربة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح معنى كمال حياة الله وقيوميته وملكه لجميع العوالم العلوية والسفلية. يُبين ذلك من خلال تفسير قوله تعالى 'لا تأخذه سنة ولا نوم'.
يتناول شرح معنى الشفاعة وشرح شروطها الثلاثة. يُبين الفرق بين الشفاعة الصحيحة والشفاعة المشركية المنفية.
يشرح علم الله تعالى وإحاطته بكل شيء، ويرد على من زعم أن الله لا يعلم إلا الكليات. يُبين أن المخلوقين لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء.
يتم الاكتفاء بالدرس الحالي وترك بعض التفاصيل إلى الدرس اللاحق مراعاة لظروف الحضور.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال، ثم أعقب ذلك بما يدل على كمال حياته وقيوميته، فقال: «لا تأخذه» أي لا تغلبه «سنة» أي نعاس، والسنة هي النعاس والنوم الخفيف، ويطلق على نوم العين، فنوم العين سنة ونوم القلب نوم. ولهذا قال: «ولا نوم»، فابتدأ بالأقل ثم الأكثر، الأدنى ثم الأعلى. قال رحمه الله: «ولا نوم»، فإن ذلك ينافي القيومية؛ لأنه سبحانه الحي القيوم، فلذلك لا تأخذه سنة ولا نوم، فمن كمال حياته وقيوميته أنه لا تأخذه سنة ولا نوم. قال رحمه الله: إذ النوم أخ الموت، وقد صح في صحيح مسلم حديث بموسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام»، والنوم أخ الموت. كذلك قال، ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون. وهذا المعنى جاءت فيه أحاديث، لكنها لا تصح. فقد جاء من حديثي عبد الله ابن أبي أوفاء، ذكره صاحب الحلية، وفيه نفيع بن الحارث متروك، بل كذبه ابن معين، وفيه كذلك أبو عبيدة سعيد ابن زربي منكر الحديث. وروى البزار في «الأوسط» من حديث جابر ابن عبد الله مرفوعا، وهو كذلك لا يصح. روي من خمس طرق، ثلاث طرق منها لا يلتفت إليها، ولا ينظر، وطريقان ظاهرها القبول، ولكنها معلة. أما الطريق الأولى، فجاءت من طريق الفضل بن يعقوب عن الفريابي محمد بن يوسف عن سفيان -وهو الثوري- عن ابن المنكدر عن جابر ابن عبد الله. وهذه الطريق معلة؛ فإن الفريابي قد ذكر في ترجمته أنه انفرد عن الثوري بإفرادات، حتى قال العجلوني: أخطأ في مئة وخمسين حديثا -يعني في روايته عن الثوري-، وضرب الذهبي رحمه الله في «الميزان»، وابن عدي في «الكامل» أمثلة لبعض ما أخطأ فيه. وقد رجح الحفاظ أن الصواب في ذلك أنه مرسل، فأشار الوادعي رحمه الله تعالى أنه لم يرويه مسندا إلا الثوري، ولا عنه إلا الفريابي. وكذا أشار العقيلي، فتبين أن الحديث بهذه الطريق معلة، والصحيح أنها رويت بطريق مرسلة، وهي أصح من المرفوع. وهكذا الطريق الأخرى، ظاهرها الحسن، وفيها علة. وقد رويت من طريق النظر بن هشام، قال: حدثنا الحسين بنفس الإسناد. وأشار أبو الشيخ في «تاريخ أصبهان» وألمح إلى أن المرسل أرجح، وجعله من غرائب النظر. والنظر -وإن قال فيه ابن أبي حاتم: «ثقة»، و«صدوق»- لكن ما دام نص الحفاظ أن الصحيح في هذا الحديث الإرسال، فيكون مرسلا، ولا يصح مرفوعا. وبه نعرف خطأ تحسين من حسنه من أهل الحديث. وقد حسنه بعض المشايخ الخضلاء، لكنه لا يصح بعد النظر إلى هذه الطرق، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: ثم ذكر عموم ملكه لجميع العوالم العلوية والسفلية، أي ملك الله سبحانه وتعالى. قال: «وأنها جميعا تحت قهره وسلطانه»، فقال: «له ما في السماوات وما في الأرض»، وهذا من تمام وعموم ملكه سبحانه؛ أن له ما في السماوات وما في الأرض. وما، كما مر معنا من الأسماء الموصولة التي تدل على العموم، أي: له كل ما في السماوات وكل ما في الأرض في تصرفه وقهره وسلطانه سبحانه وتعالى. وفي هذا إشارة وإثبات إلى أن السماوات متعددة، خلافا للفلاسفة والعقلانيين الذين يزعمون أنها سماء واحدة. والله جل وعلا يقول في كتابه -والآيات كثيرة-، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام أكثر: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهم﴾. قال رحمه الله: ثم أردف ذلك بما يدل على تمام ملكه، وهو أن الشفاعة كلها له، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. وقوله رحمه الله: «ثم أردف ذلك» يعني قوله سبحانه في آية الكرسي: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، وهذا من باب تأكيد قيوميته سبحانه وتعالى بخلقه في العوالم العلوية والسفلية، وأنها جميعا تحت قهره وسلطانه. فلأن له ما في السماوات وما في الأرض، فلا أحد يشفع عنده إلا بإذنه سبحانه وتعالى. وأصل الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهي في مقابل الوتر؛ لأنها مأخوذة من طلب الشافع وتأييده لطلب طالب الشفاعة، فطالب الشفاعة يشفع، وطلبه بطلب الشافع، فلهذا سميت شفاعة. الاقتران طلبين مع بعض: صاحب الحاجة والشافع. ومر معنا في دروس سابقة كثيرة أن هذه الشفاعة لها ثلاثة شروط. ما هي هذه الشروط الثلاثة؟ ها هي: الإذن بالشفاعة، وجمعت في قول الله جل وعلا: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد إذن الله لمن يشاء ويرضى﴾. فالإذن بالشفاعة: ﴿إلا بإذنه﴾، الرضا عن المشفوع: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، عن الشافع: الرضا عن الشافع: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾، وهكذا كذلك في قوله جل وعلا: ﴿ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها﴾. قال رحمه الله تعالى: وقد تضمن هذا النفي والاستثناء أمرين: أحدهما إثبات الشفاعة الصحيحة -يعني الشفاعة شفاعتان: شفاعة صحيحة مثبتة دلت عليها دلالة الكتاب والسنة، وفيها رد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة الذين أنكروا هذا النوع من الشفاعة-، وهذا مبني على أصلهم الفاسد في نزع اسم الإيمان والإسلام عن الفاسق الملي، والخلاف فيه وفيما بينهم فيه، سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في آخر الكتاب. وهكذا كذلك إشارة إلى الشفاعة المنفية، وهي التي أثبتها المشركون قديما وحديثا، وهي الشفاعة المزعومة في غير شروطها المذكورة. قال رحمه الله تعالى: «أحدهما إثبات الشفاعة الصحيحة»، وهي أنها تقع بإذنه سبحانه -يعني بإذن الله سبحانه وتعالى- أحد الشروط: ﴿لمن يرضى﴾، قوله وعمله. والثاني: إبطال الشفاعة الشركية التي كان يعتقدها المشركون لأصنامهم، وهي أنها تشفع لهم بغير إذن الله ورضا. ولهذا فهم لا يبالون ما فعلوا من المعاصي، زعما منهم أن ما يعبدونهم من دون الله ومع الله يشفعوا وتشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى. وبمثل هذا الذي يفعله أولئك المشركون قديما، ولا يزال حديثا، فعله عباد القبور؛ فإنهم يزعمون أن من يتقربون إليهم يشفعون لهم بغير إذن الله سبحانه وتعالى. قال: ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، وأنه لا يخفى عليه شيء من الأمور المستقبلة والماضية، وهكذا كذلك الحاضرة -ولم يذكر الحاضرة؛ لأنها تدخل في المستقبلة-. قال رحمه الله تعالى -يعني في قوله: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾-: «يعلم»، قال: «وأما الخلق فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه»، المخلوق لا يحيط بشيء من علم الله سبحانه وتعالى، بل الله جل وعلا يحيط بخلقه، ولا يحيطون به علما. وفي هذا رد على القدرية الذين زعموا أن الله لم يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه. فالله جل وعلا علمه محيط بكل شيء وشيء -نكره في سياق النفي-، فتفيد العموم: قليل أو كثير، قديم أو جديد، مستقبل أو حاضر أو ماضي، فهو على عمومه. كل ما هو من العلم، فالله جل وعلا محيط به، وخلقه لا يحيطون به. وهكذا فيه رد على من زعم أن الله لا يعلم إلا الكليات، كما زعمت الفلاسفة قديما، وهم في الحقيقة ينفون العلم عن الله سبحانه وتعالى؛ لو أثبت أنه لا يعلم إلا الكليات، معناه أنه لا يعلم الجزئيات -يعني لا يعلم أن الشيء الفلاني سيقع من زيد في هذا الوقت وفي هذا اليوم وفي هذا المكان، وعلى هذا الكيف، ونحو ذلك من الجزئيات-، وهذا في الحقيقة نفي للعلم. وبنحو قول الفلاسفة قول القدرية النفاة كالشيعة، وهكذا بعض العقلانيين المعاصرين كالذين لهم ميل إلى فكر أهل العلمنة، وهكذا كذلك من يسمي نفسه بـ«إسلامي متحرر»، بعض أهل النزعات العقلانية كالترابي والغزالي، ومن على شاكلتهم؛ فهم عندهم لوثة في باب القدر والعلم. قال رحمه الله تعالى: «قيل» -يعني من معلومه- «لا يحيطون بشيء من علمه» -يعني من معلومه- يعني من معلومات الله؛ لأنها من الغيب، والله جل وعلا يقول: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾. قال: «وقيل: من علم أسمائه وصفاته»، وهذا كذلك يدخل في المعلوم. والأصل أن هذا عام: «لا يحيطون بشيء من علمه»، كل شيء مما هو من علم الله، لا يحيطون به أبدا «إلا بما شاء» -يعني ما أعلمهم الله سبحانه وتعالى- كما قالت الملائكة: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾، وكما قال سبحانه: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾. قال: «إلا بما شاء» -أي الله سبحانه- أن يعلمهم إياه على ألسنة رسله، أو بغير ذلك من طرق البحث والنظر والاستنتاج والتجربة. والله جل وعلا يعينهم -مع البحث والنظر والاستنتاج والتجربة- يعينهم للوصول إلى ذاك المعلوم. وإلا لو شاء الله ما علموا شيئا، ما علموا شيئا، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء فأعلمهم. قال: هم ذكر ما يدل على عظيم ملكه وواسع سلطانه، فأخبر أن كرسيه قد وسع السماوات والأرض. نترك هذا إلى الدرس اللاحق حتى لا نطيل على الإخوة الذين يأتون من بعض المناطق البعيدة إلى هنا.