الدرس في كتاب الإيمان 42، 29-باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده . 30-باب بيان الكبائر وأكبرها .31-باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث عبد الله بن مسعود عن أعظم الذنب عند الله وهو الشرك بالله، ويوضح أهمية التوحيد وحرمة الشرك. يشرح معاني الشرك وأثره على الأعمال.
يناقش تحريم القتل والزنا والشرك بالله، ويبين أن هذه الذنوب من أعظم الذنوب. يشرح أحاديث نبوية متعلقة بالكبائر وأهمية شهادة أن لا إله إلا الله لدخول الجنة.
يشرح معنى الأحاديث النبوية التي تشير إلى علامات الخير مثل قول لا إله إلا الله أو الموت يوم الجمعة. يوضح أن هذه العلامات تعتمد على الإيمان والتوبة والندم على الذنوب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده. قال حديث عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قال: قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أي؟ قال: «وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك». قال: قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك». قال: أخرجه البخاري بكتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، باب قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾. قال باب بيان الكبائر وأكبرها. حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وجلس وكان متكئا، فقال: «ألا وقول الزور». قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. قال: أخرجه البخاري بكتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور. قال حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكبائر، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور». قال: أخرجه البخاري بكتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». قال: أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾. قال حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه». قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه». قال: أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه. قال باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قال حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار». قال: وقلت: أنا من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قال: أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله. قال حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي فأخبرني أو قال فبشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». قال: قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: «وإن زنا وإن سرق». أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله. قال حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة». قال: قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: «وإن زنا وإن سرق». قال: وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: «وإن رغم أنف أبي ذر». قال: أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الثياب البيض. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأبواب وما فيها من أحاديث في سياق ذكره لأبواب كتاب الإيمان، ولا يخفى علاقة هذه الأبواب وما فيها من أحاديث بالإيمان. فالباب الأول قوله: باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، فهذا الباب فيه كون الشرك أقبح الذنوب أي على الإطلاق، وأنه أعظمها، وبعده ذنوب أخرى عظيمة وهي من الكبائر التي خصت بالذكر دون سائر الذنوب الكبيرة. ثم ذكر في هذا الباب حديث عبد الله بن مسعود، وهو على قاعدته في الصحيحين مما اتفق عليه الشيخان، ولفظه لفظ البخاري. وقد أشار إلى تخريجه في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله تعالى: أي البخاري حدثني عثمان بن أبي شيبة قال: حدثني جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمر بن شرحبيل عن عبد الله فذكر الحديث بلفظه. وفي رواية للبخاري وغيره زاد ابن مسعود رضي الله عنه في آخره فقال: فأنزل الله تصديقها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب﴾ الآية. وهذا الحديث تضمن مسائل مهمة، من أهمها فيه ما بوّب عليه من كون الشرك أقبح الذنوب وأعظم تلك الذنوب، وذلك لقوله حين سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي ذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». وفيه كذلك بهذا التعليل الذي يقتضي أن يعبد الله جل وعلا وحده لأنه هو الخالق وحده. كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فلأنه الخالق وحده فإذن لا يشرك معه غيره. وقوله: «ندا» أي مساويا، فلا تجعل لله أندادا أي أضداد يجعل لهم ما يجعل لله، فلا يجوز أن يجعل لله عز وجل الند لا في أسمائه ولا في صفاته ولا كذلك في عبادته جل وعلا، بل يعبد الله جل وعلا وحده لا يشرك معه غيره لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. وفي قوله: «قلت: إن ذلك لعظيم» تأكيد لعظم هذا الذنب أنه أقبح الذنوب أعظمها، ولهذا تضافرت الأدل من الكتاب والسنة في التحذير من الشرك وجعل الندية لله عز وجل. فقد قال سبحانه: ﴿إن الله لا يغيفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. والشرك سبب لحبطان الأعمال كما قال سبحانه: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾. وقال جل وعلا: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. ولدل في هذا الباب كثيرة. وفيه كذلك من المسائل فضل العلم والسؤال فيه، فانظروا كيف ابن مسعود رضي الله عنه أفاد نفسه والصحابة والناس من بعدهم إلى يومنا هذا بهذا العلم الذي سأل عنه. وفيه فضل عبد الله بن مسعود وما كان عليه من الحرص على العلم وعظيم مسائله، فانظروا إلى هذا الحديث والحديث الذي قبله حين سأل: أي العمل أحب إلى الله؟ وهنا سأل: أي الذنب أعظم عند الله؟ ويدلك على فقهه وكذلك حسن سؤاله، وهو من فضائله رضي الله عنه وأرضاه. وهذا قليل من كثير من العلم الذي حفظ لهذه الأمة رضي الله عنه عن جميع الصحابة أجمعين. وفيه من المسائل كذلك حرمة القتل عموما، وقتل القريب خصوصا، وأخص منه قتل الولد. قال: «وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك». وفي قوله: «أن يطعم معك» إشارة إلى أنه لا يجوز أن يقتل خشية الفقر، ولا تقتل أولادكم خشية إملاق. فإذا كان كذلك فمن باب أولى أن يقتله بغير هذه العلة، فإنه من باب أولى أن يحرم هذا. فإذا كان هذا حرام في حق الولد الذي تملكه، فما بالك بغيرك الذي لا تملكه؟ فكل القتل حرام، فهو من أعظم الذنوب بعد الشرك بالله عز وجل. ولا ينافيه ما جاء في الأدلة الأخرى من بر الوالدين الذي قرن بحق الله عز وجل، وهو التوحيد: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾. وفي حديث المسعود الذي قبل هذا: «أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها»، قال: «ثم أي؟ قال: بر الوالدين، ثم بر الوالدين». فقال العلماء: لعل هذا المراد منه أنه باعتبار يكون القتل أعظم، يكون القتل أعظم باعتبار ما يتعدى هذا الذنب وما يؤدي ويؤول إليه. وقال بعضهم: هذا باعتبار حال السائل. والظاهر أن الأول هو أقرب، والله أعلم. ولهذا جاء في وعيد القاتل ما لم يأت في عقوق الوالدين. وفرق بين الإحسان للوالدين والبر إليهما، فهو من أحب الأعمال، وبين أعظم الذنوب، فالقتل أعظم من عدم بر الوالدين. وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. ويعظم هذا القتل إذا كان للمسلم، كما قال عز وجل: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾. وفيه كذلك تحريم الزنا، وأنه أعظم الذنوب بعد الشرك والقتل، لأنه أعظم الذنوب بعد الشرك والقتل لأن الله عز وجل قرنه بالشرك والقتل في كتابه، كما جاء كذلك في هذا الحديث. وفي رواية للبخاري ومسلم قال ابن مسعود: فأنزل الله تصديقها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾. فانظروا إلى هذا الترتيب الذي فيه معنى ما في هذا الحديث. وفيه كذلك من المسائل أن هذه الثلاث من أعظم الذنوب وأكبرها، وهذا لدلالة الكتاب والسنة. وفيه دليل كذلك على أن الواو في كتاب الله عز وجل تقتضي على الأغلب الترتيب، خلافا على ما هو عليه في أصل العربية. وهذا علم بأدلة كثيرة، منها هذا الدليل، وهكذا كذلك في مواضع ونظائر كثيرة، منها ذكر الوضوء وأحكامه وفرائضه وغير ذلك مما جاء في كتاب الله، فهذا يدل على أن الواو في كتاب الله تقتضي الترتيب، هذا هو الذي عليه أكثر نصوص الكتاب باقتران نصوص السنة وتوضيحها وتفسيرها. وفيه من المسائل كذلك تحريم الزنا بحليلة الجار، وهو أشد هذا الذنب، فالزنا حرام، والآية كما ترون عامة: ﴿ولا يزنون﴾. وأعظم هذا الزنا الزنا بحليلة الجار. وتأملوا قوله: «تزاني حليلة جارك». قال العلماء: هذه الصيغة من الصيغة التي تدل على اشتراك الفعل من الجانبين. فإذا كان الزنا بتراضي وتواطئ فإذا كان بغير ذلك من الإغواء والإغراء والإفساد فهو أشد. وفي قوله: «حليلة جارك» فيه كذلك إشارة إلى أنها خاصته، فهي حلال له خاصة، فكيف يجترئ مسلم على أن يأتي ما حرم الله عليه؟ ومما هو من خاصة غيره، مع ما فيه مما ذكره العلماء أن هذا فيه إشارة إلى خطورة اقتحام حقوق الآخرين، أن لا يبتليك الله باقتحام حقوقك وحدودك، والجزاء من جنس العمل. كما أنك لا تريد أن يعتدي على حليلتك أحد، فلا تعتدي على حليلة غيرك. فإن اجترأت فاحذر أن يبتليك الله بحليلتك. وهكذا كذلك في هذا دليل على أن الذنوب تضاعف بمضاعفة الوصف أو العدد، فهنا ازداد هذا الذنب عظما ومضاعفة بزيادة هذا الوصف، فالزنا حرام، وكونه بحليلة الجار هذا أشد لأنه محل استئمان لك، هو يظن أنك محل مأمن من البوائق، فأتيت بهذه البائقة العظيمة. وهذا كان سببا لتعظيم هذا الدم مثل زنى الشيخ الكبير أعظم من زنى الشاب، فالشاب عرض للفتنة أكثر من الشيخ، فكون الشيخ يزني هذا يقتضي مضاعفة في العذاب كمضاعفة هذا الوصف. وهكذا كذلك في العدد كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بشرح هذا الحديث في بعض كتبه، قال: فهذا أفاد على أن المضاعفة في الوصف والعدد يقتضي المضاعفة في العقاب. فمن سرق مرة ليس كمن سرق مرات، ومن زنى مرة ليس كمن زنى مرات، وهكذا كذلك يقال في سائر الذنوب والمعاصي. وكذلك فيه من المسائل ما أشار إليه رحمه الله من أن هذا المذكور بالنسبة لغيره أعظم، وإلا فالعظيم كثير، ولهذا أتبع بقوله: باب بيان الكبائر أكبرها. ثم أورد حديث أبي بكرة الذي خرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا مسدد قال: حدثنا بشر بن المغفل قال: حدثنا الجريد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكر الحديث بلفظه. وحديث أنس الذي خرجه بالموضع المشار إليه البخاري، وهو كذلك على قاعدته في الصحيحين، فقال رحمه الله: البخاري حدثنا عبد الله قال: أنه سمع وهب بن جرير وعبد الملك بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس فذكر الحديث بلفظه. وهكذا حديث أبي هريرة والذي خرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني سليمان بن بلال عن ثور بن زيد المدني عن أبي الغيث عن أبي هريرة فذكره بلفظه. وهكذا حديث عبد الله بن عمر في الباب المشار إليه، قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر فذكره بلفظه. وهذه الأحاديث كذلك فيها مسائل كثيرة، من أهمها على وجه الاختصار في حديث أبي بكرة ما تقدم من عظم أمر الشرك وأنه من أعظم الذنوب وأكبرها، ولهذا قال: «الإشراك بالله»، ثم ذكر عقوق الوالدين. وهذا فيه إشارة لما سبق من أن عقوق الوالدين مما يتبع الإشراك بالله، فقيل: إنه هناك ذكر القتل باعتبار السائل أو المقام الذي يقتضي تقديم هذا الذنب، وهنا بالاعتبار الآخر. والظاهر والله أعلم كما تقدم أن القتل أعظم من عقوق الوالدين. ويؤيد هذا أن هناك قال: «ثم»، وهنا قال: «وعقوق الوالدين». هناك قال: «ثم ذكر ثم القتل»، وهنا قال: «وعقوق الوالدين»، فعقوق الوالدين من الكبائر، ولكن القتل أعظم منه. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى أحاديث كثيرة، فلم يزل المؤمن في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما. وهكذا كذلك فيه خطورة قول الزور وشهادة الزور، حتى كررها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الصحابة: رفقا به وشفقة عليه: «ليته سكت». وليس كراهية تكرار ذلك. وفي هذا دليل على تكرار العلم لتثبيته وتأكيده، فيجوز للإنسان أن يكرر الجملة أو الكلمة لأجل تأكيدها وتثبيتها. وفيه جواز الزيادة على أكثر من ثلاث، لأن ظاهر هذا الحديث أنه كررها كثيرا أكثر من ثلاث. وإلا فالغالب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاثا، وهذا خرج عن الغالب فيدل على جوازه عند الحاجة إليه. وفيه من المسائل كذلك عظم شهادة الزور، فقول الزور وشهادة الزور كله باطل، والشهادة من القول، لكن الشهادة أعظم من القول. قول الزور يدخل فيه الكذب، وشهادة الزور هو أعظم، ولهذا كررها وخصها في أحاديث أخرى، ومنها حديث أنس الذي بعده. وفيه المسائل التي ذكرت في حديث أبي بكرة. ثم ذكر حديث أبي هريرة، وفيه ذكر السبع الموبقات، وهي التي توبق صاحبها أي تقذف به وترمي به في نار جهنم والعياذ بالله. وليس معنى ذلك أنها فقط، بل يوجد غيرها، لكنها أوكدها في إهلاك أصحابها، أوكد الكبائر في إهلاك أصحابها لعظم أمرها، ولهذا سميت السبع الموبقات. وكذلك في قوله: «السبع الموبقات» ليس معناه أنها ليس منها توبة أو كذلك أنها خارجة عن معنى المشيئة، بل فيها توبة كسائر الذنوب والمعاصي، وهي كذلك تحت المشيئة: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. ولكن المشيئة في هذه ليس كغيرها، لأن الله يغضب عليها أعظم من غضبه على غيرها، ولهذا كانت من أعظم الكبائر أكبرها، ولهذا جاء في بعض الألفاظ: «أكبر الكبائر». وهي هذه السبع الموبقات. وفيه تأكيد ما سبق من تقديم الشرك، وكذلك النهي عن السحر، والقتل. قال العلماء: لأن السحر فيه معنى الشرك، فلا يكون سحرا إلا بكفر وشرك، ولهذا ذكر على وجه التفصيل من باب زيادة التبيين، فيكون كل ما كان بمعنى الشرك والكفر قولا أو فعلا فهو بمعنى الشرك، فهو مثل: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى»، الصلاة الوسطى من ماذا؟ من الصلوات، ولكن فصلت للتأكيد. والسحر من الشرك، ولكن ذكر كذلك للتأكيد. ذكر كذلك للتأكيد. وقتل النفس التي حرم الله، وهذا يؤكد ما سبق من أنه أعظم الذنوب بعد الشرك بالله، وكذلك يؤكد ما سبق أن القتل عموما أعظم، وأنه في حق القريب أشد، وفي حق الابن أشد. وهكذا كذلك فيه أن أكل الربا وأكل مال اليتيم كذلك من أكبر الكبائر، ولكن ليس في هذا الحديث أنها أعظم من عقوق الوالدين، لكن قال العلماء: باعتبار عظيم أثره، وكذلك ما يؤول إليه حال صاحبه، فهو عظيم، إذ تتعلق به حقوق الآخرين، ولا شك أن الأمر إذا كان متعديا أعظم مما إذا كان غير متعد. وهذا متعد لا شك. وقوله: «التولي يوم الزحف» يعني من أرض المعركة ومقابلة العدو، والتولي يوم الزحف من كبائر الذنوب. وقد استثنى العلماء ما دل الدليل على الاستثناء فيه، مثل أن يتولى ليرجع إلى صف المسلمين، أو لأجل أن يعيد الكرة على المشركين. وقد مر معنا في دروس قريبة في كتاب الجهاد. وقوله: «وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»، قذف المحصنات محرم، ويعظم حرمته إذا كان مؤمنة، إذ الكافر المحصنة لا يجوز قذفها، وقدفها إذم وذنب، ولكنه إذا كان في حق المؤمنة فهو أعظم، وإذا كان في حق المؤمنة الغافلة أي التي هي محل مأمن ولم يصدر منها ولا خطر ببالها فهو أعظم جرماً وذنباً. وفي هذا دليل كذلك على أن قذف المؤمنة إذا كانت مظنة ذلك لا يعد كغيره. وهل قد يكون في أحوال ليس بذنب؟ الجواب: نعم. ويدل على ما جاء في البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه». قيل لابن عباس: أهي الملاعنة؟ قال: «لا، ولكنها امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام». قال العلماء: في هذا دليل على أن من اشتهر بالفسوق والمجون وإن لم ير منه الزنى، فإنه مقذوف العدالة ومقذوف العرض، ومع ذلك لا يتجري على قذفه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه». وفيه العمل بالقرائن. وفي حديث عبد الله بن عمر ما تقدم، وأن من الكبائر لأنه قال: «إن من أكبر الكبائر»، فهي ليست أكبر، ولكن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، ثم ذكر الحديث. وفيه دليل على أنه من باب أولى أن يلعن والديه مباشرة، فإذا كان لعن والدي الآخرين الذي يسبب لعن والدي الرجل من أكبر الكبائر، فكيف باللعن المباشر؟ فهو أشد وأشد. ثم ذكر الباب الأخير في هذه الفقرات المذكورة: باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وذكر حديث ابن مسعود، حديث أبي ذر بروايته. وقد أخرج البخاري حديث ابن مسعود في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا عمر بن حصن قال: حدثنا الأعمش عن عبد الله فذكر لفظه. وهكذا حديث أبي ذر في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا مهدي بن ميمون قال: حدثنا واصل الأحدب عن المعرور بن سويد عن أبي ذر فذكره بلفظه. وهكذا كذلك الحديث الأخير في الباب المشار إليه، قال: حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر أنه سمع أبا الأسود الدؤلي فذكره عن أبي ذر رضي الله عنهم جميعا ورحمهم الله. وفي هذه الأحاديث ما تقدم من خطر الشرك وأنه يحرم صاحبه من دخول الجنة. وفيه كذلك دخول الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن من مات وخرج من الدنيا وهو يشهد أن لا إله إلا الله فإنه يدخل الجنة، ولكنه مقيد بما دلت عليه النصوص الأخرى. فمن تلك المعاني التي تقيده أن لا يكون قبل طلوع الشمس من مغربها، كما جاء معناه في حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى، فإنه لا تقبل توبة تائب عند ذاك، ولا ينفع نفسا إيمانها عند ذاك. وهكذا كذلك ما لم يغرغر، فإذا غرغر لم تقبل توبته، ولا كذلك شهادته، لحديث ابن عمر عند الترمذي وغيره بإسناد حسن: «يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر». ومعناه في قول الله عز وجل في قصة فرعون: ﴿قال لا إله إلا الله﴾ فقال: ﴿آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ لم يقبل الله منه قول لا إله إلا الله لأنها كانت وقت الغرغرة. ولهذا قال الإمام البخاري رحمه الله بعد ذكر حديث أبي ذر في باب الثياب البيض، قال رحمه الله: قال أبو عبد الله يعني نفسه: قال: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال لا إله إلا الله يغفر له. ومعناه إذا كان في وقت الغرغرة لا يقبل، أو طلوع الشمس من مغربها، أو لم يحصل منه توبة وندم. وفي هذا دليل كذلك أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله». وهذا مما تؤيد هذه الأحاديث، ومأمور به كما جاء في الصحيح مسلم من حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة، هذا لنيل هذا الفضل، ولا يعني أن من قاله فقد ناله، ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. ومثل حديث معاذ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه أبو داود والحاكم بإسناد صحيح، فليس معناه الجزم لمن قال لا إله إلا الله بأنه من أهل الجنة، بل من عقيدة أهل السنة والجماعة أننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، إذ قد تظهر بعض علامات الخير ولا يستلزم ذلك الخير لصاحبه. فهذا فرعون قال لا إله إلا الله وكان آخر كلامه لا إله إلا الله، ومع ذلك ماذا؟ هو من أهل النار، هو من أهل النار لأنه قالها وقت الغرغرة، لأنه قالها وقت الغرغرة فلم تقبل منه. وهكذا كذلك كما قال الإمام البخاري: إذا تاب وندم، فإذا قال لا إله إلا الله ولم يتب ولم يندم، فإننا نخاف عليه من ذنوبه، ولا يستلزم قوله لا إله إلا الله أنه من أهل الجنة. مثله من مات يوم الجمعة، أو كذلك مات بعرق الجبين، فنحن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، فهذه في حق المؤمن بشارات خير، وأما في حق الفاسق والفاجر فلا يستلزم أنها بشارات خير، فربما يكون محنة وفتنة، وليس يستلزم الخير. نكتفي بهذا القدر، وحسبنا ما ذكر على وجه الاختصار، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.