كتاب الإيمان 11

كتاب الإيمان 11

الدرس في كتاب الإيمان 11، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع النزع . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم إسلام المشرك عند الموت

يتناول شرح حديث المسيب بن حزن حول وفاة أبي طالب واستغفار النبي له قبل نزول الوحي بتحريم الاستغفار للمشركين. يشرح الفرق بين حضور الموت مع وبدون النزع والغرغرة وقبول التوبة في كل حالة.

دروس مستفادة من استغفار النبي لعمه أبي طالب

يتناول تحليل حديث النبي عن استغفاره لعمه أبي طالب ويستخلص مسائل فقهية مهمة مثل جواز الاجتهاد للنبي وبطلان الشفاعة الشركية. يؤكد على أن الشفاعة لا تكون إلا لمن رضي الله عنهم.

أهمية الدعوة إلى الله ومراعاة رضاه وتجنب الهروب من الجهاد

يتناول أهمية الدعوة إلى الله وعدم اليأس منها مع التركيز على حرص النبي على هداية عمه. يشدد على أهمية مراعاة رضا الله وتجنب التقليد الأعمى واتباع الأنساب، ويبين تحريم الهروب من الجهاد ومفاسده.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات على الشرك فهو في أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل. قال حديث المسيب بن حزن: قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي طالب: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويعودان بذلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك. فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾». قال: «أفرجه البخاري بكتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله». أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب، وهو تبويب من وضع التبويب على صحيح مسلم. وهذا الحديث الذي لفظه، لفظ الإمام البخاري -رحمه الله- في هذا الباب المشار إليه: «باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله»، وهو كذلك في صحيح مسلم، فهو من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان: البخاري ومسلم. وفي الحديث عدة مسائل، من أهمها هذه المسائل التي أشار إليها في التبويب. أولها قوله: «الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة». معناه: أن الإنسان إذا أسلم وهو في مرض الموت، أو حتى حضره الموت -ومعناه: أن آثار الموت قد ظهرت عليه من ضعفه، وكذلك ربما قلة حركته- لكنه لم يشرع في النزع، وفسر النزع بأنه الغرغرة. لما سيأتي معنا -إن شاء الله- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أن المرأة تقبل توبتها ما لم تطلع الشمس من مغربها، وما لم تغرغر». وكذلك ما جاء في كتاب الله -عز وجل-: فإن فرعون لما أدركه الموت، وشرع في النزع والغرغرة، قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. فقال الله -عز وجل- له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فالله -عز وجل- لم يقبل توبة فرعون. وهنا النبي -صلى الله عليه وسلم- عرض التوبة على عمه أبي طالب، وعرض عليه أن يقول: لا إله إلا الله، فيسلم. والفرق بينهما ظاهر، وهو أن حضور الموت ينقسم إلى قسمين: حضور الموت مع عدم الشروع في النزع والغرغرة، وهذا يكون في آخر لحظات الإنسان في الدنيا. فإذا كان في النزع والغرغرة، فإنه لا يقبل منه لا إسلام، ولا شهادة، ولا توبة، ولا تحلل من مظالم. وأما إذا كان قبل النزع والغرغرة، وهو ما يكون الإنسان في حال الإمكان، ولو كان في مرض الموت، فإنه تقبل منه التوبة، والتحلل من المظالم، والدخول في الإسلام، وهكذا كذلك قول: لا إله إلا الله. فبين أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كرر عليه الكلمات، وأنه يموت في لحظات، لكن تلك اللحظات ليست وقت النزع والغرغرة. والغالب أن وقت النزع والغرغرة يكون معها ثقل في الحديث، وتقطع فيه، وكذلك ربما يكون لها آثار على الجسد من ارتعاشة في العنق والأطراف، وكذلك ثقل في الحركات، ومنها ربما سكون العينين. فإذا كان كذلك، فهو وقت النزع والغرغرة، لا يصح فيه إسلام، ولا تقبل توبة، ولا تحلل من مظالم، ولا غير ذلك. وفيه من المسائل كذلك ما أشار إليه بالتبويب بقوله: «ونسخ جواز الاستغفار للمشركين». والدليل عليه ما في الآية. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك». فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيات. وفي هذا دليل على ما ذكر في هذا التبويب. ومعنى أن الاستغفار للمشركين كان جائزًا على الأصل، ولكنه منعه بعد ذلك. وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك»، في هذا دليل على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علم أن من عمومات علم من عمومات الشريعة أنه قد ينهى عن ذلك. وهذا يدل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستنبط بعض الأحكام، ولكنه إما أن يقر، وإما أن لا يقر على ذلك. وهذه هي المسألة الثانية. ففي هذا كذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجتهد في بعض الأحكام، فمنها ما يقر عليها، ومنها ما لا يقر عليها -عليه الصلاة والسلام-. وفيه ثالثًا: رحمة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأمة، وحبه للخير لها. فهو حرص -عليه الصلاة والسلام- على الاستغفار لعمه أبي طالب، ورجى أن ينفعه. وهذا يصدق قول الله -عز وجل-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فمن عظيم رحمته أنه يطمع أن ينجو من النار كل أحد، إذا كان هذا في الإمكان. وفيه كذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا، وأن الأمر كله لله -عز وجل-. فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يملك لعمه أبي طالب -الذي دافع عنه وحماه في حياته، وفعل الذي فعل، وصبر- مع ذلك لم يستطع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينفع عمه أبا طالب بأن يخرجه من النار، ويكون سببًا في الشفاعة له بدخول الجنة. فمن دونه من باب أولى. وبهذا يعلم تلك الشفاعة الشركية التي ظنها المشركون قديمًا، والتبست على المشركين حديثًا، فظنوا أن أحدًا يستطيع أن يملك الشفاعة لأحد مع وجود الموانع، وما عدى توفر شروط الشفاعة المعروفة. فإذا كان ما في هذا الحديث يدل على عدم إمكان النبي -عليه الصلاة والسلام- لعدم توفر شروط الشفاعة، فمن دونه من باب أولى. وشروط الشفاعة: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع، والإذن بالشفاعة. وبهذا تبطل ما يظنه المشركون في قضية الشفاعة قديمًا وحديثًا. وفيه من المسائل كذلك ما أشار إليه في التبويب بقوله: «والدليل على أن من مات على الشرك فهو في أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل». وفي هذا رد على المشركين قديمًا وحديثًا، ومنهم المتصوفة والباطنية وعباد القبور، الذين يظنون أنه يمكن لأحد إذا كان من الأولياء والصالحين -فضلا عن من فوقهم- أنه يملك أن يخرج أحدًا من النار ويدخله الجنة. بل في بعض كتبهم من هذه الخرافات، وهذا الدجل الشيء الكثير، حتى زعموا أن فلانًا يأخذ جماعة في قذفته -يعني في طرف شاله وعمامته- يلف من شاء ممن كانت بينه وبينهم ما كان في الدنيا، أنه يملك أن يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة. وهذا من الكذب على الله وعلى رسوله وعلى دين الله. فأدلة الكتاب والسنة تنفي ذلك. قال الله -عز وجل-: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. بل الله فاعبد وكن من الشاكرين. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾. فإذا كانت أعمال الكافرين والمشركين يجعلها الله هباءً منثورًا، وهم لهم أعمال، لكن لأجل شركهم وكفرهم، فكيف بمن ليس له عمل صالح، ثم بعد ذلك يرجو أن يدخل الجنة بشفاعة من يشفع له؟ فأنا تكون له شفاعة؟ والله -عز وجل- جعل الشفاعة إنما لمن رضي عنه. وفيه من المسائل كذلك ما أشار إليه الإمام البخاري -بكتاب الجنائز- من باب: «إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله»، يعني قبل الغرغرة، نفعته هذه الكلمة، ولو لم يعمل خيرًا قط أبدًا. فهذا الحديث دليل على ذلك. ولهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أشهد لك بها عند الله». وفيه من المسائل كذلك مضرة وشؤم رفقاء السوء. فكيف أن رفقاء السوء يضرون بمن يرافقون مضرة عظيمة؟ فهذا عم النبي -صلى الله عليه وسلم- كان من أسباب حرمانه الدخول في الإسلام وجود رفقاء السوء حوله. وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». أي: من يصاحب. وهكذا كذلك فيه من المسائل أهمية الدعوة إلى الله، والحرص عليها مع المدعوين حتى مع آخر لحظات الحياة، وألا ييأس الداعي إلى الله من فضل الله -عز وجل-. فقد حرص النبي -عليه الصلاة والسلام- على هداية عمه حتى في هذه اللحظات. وفيه كذلك الحرص على الأقربين، وأنه ينبغي أن يبالغ القريب في الحرص على هداية أقربائه بكل ما يستطيع من وسع. فنبينا -عليه الصلاة والسلام- أعظم قدوة في هذا الباب. وفيه كذلك من المسائل أهمية تكرار العلم والدعوة، وأن التكرار من أسباب الهداية. فالمرء ربما يعرض مرة ومرتين وثلاثًا، فيكون القلب مغلقًا، ولكنها توافق في لحظة ما إن شراح الصدر، فتكون الهداية. فلا ييأس الإنسان. وفيه من المسائل كذلك خطورة التقليد، وهكذا كذلك الفرار بالأحساب واتباع الأنساب. فإن ذلك من أعظم ما يضر الإنسان. فالشبه التي عرضها هؤلاء المشركون: أنهم قالوا: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» فلا ينبغي لإنسان أن يكون مقلدًا لمن يعتز بهم من أهل قرابته، ولو بالباطل. بل ينبغي أن يكون الميزان في معرفة الحق والدليل والبرهان. وفيه كذلك من المسائل أهمية مراعاة رضى الله -سبحانه وتعالى- وعدم الاعتبار بمراقبة الخلق وموافقتهم. لأن المقصود الأعظم هو مراقبة الله -جل وعلا- ورضاه. فإن الحرص على السمعة والفخر وثناء الناس ربما يكونوا سببًا للهلاك. وهذا كان كذلك من أسباب دخول هذه الشبهة على عم النبي -صلى الله عليه وسلم-. فإنه خشي أن يذيع في الناس أن أبا طالب ترك ملة أبيه عبد المطلب. فانظر مراعاة السمعة وحديث الناس ماذا أدى به. وهكذا كذلك فيه من المسائل الأدب القول في حكاية كلمة الكفر والفجور، وما كان بمعناها مما هو منكر ولا يحبه الله: أنه لا يحكى بلفظ المتكلم، ولكنه يحكى بلفظ المنقول عنه. وانظر إلى قوله: «فكان آخر ما قال»، أو في هذه الرواية: «ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب». ولم يقل: «أنا على ملة عبد المطلب»، كراهية أن يتلفظ بلفظ فيه ما لا يجوز قوله. فحكاه على وجه الحكاية بضمير المتكلم الذي يحكى عنه الغائب، فقال: «هو على ملة عبد المطلب». ونبه العلماء من أهل الفقه والحديث واللغة إلى هذا الأدب الذي ينبغي أن يتأدب به المسلم. فإذا كان هذا في لفظه، فمن باب أولى ما يكون من فعل. فلا ينبغي للإنسان أن يحكي الأفعال بنفسه إذا أراد أن ينقلها لغيره. فيكفي أن يصفها بلسانه دون أن يتشبه بها بفعاله. وفي الحديث كذلك من المسائل ما كان عليه نبينا -صلى الله عليه وسلم- من الصبر في الدعوة إلى الله، ومنه أنه لم يمتنع أن يأتي إلى عمه أبي طالب حتى في مثل هذه اللحظات، ومع وجود المشركين. وفي هذا دليل كذلك على منافسة أهل الباطل فيما ينبغي أن يكون من باب الاستباق في الخير. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي. ويترك -إن شاء الله- ما يلحق في درس لاحق. والله تعالى أعلم. يقول: ما حكم من قتل نفسًا عمدًا وهرب إلى بلد آخر؟ فهل يجوز له أن يسلم نفسه؟ أم تقبل توبته إذا تاب؟ وما حكم إذا هجر أو هجر ما له أهله؟ الإجابة: إذا هجر هو -لعله- لا يجوز للمسلم أن يقتل نفسًا متعمدة. ومن قتل نفسًا متعمدة، فأتغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا. ومن التوبة أن يرضى بالقصاص، إلا أن يشفع الشافعون فيعفون عنه، فتكون الدية. وأما الهروب مع ما فيه من مخالفة الشرع، فهو سبب للفتن. لأن أولياء المقتول إذا قل دينهم وعظم جهلهم قتلوا الأبرياء من القبيلة الأخرى بسبب أنهم عجزوا أن يصلوا إلى القاتل. وهذا ظلم من سببه هذا القاتل. فالقاتل تحمل الظلم الأول وهو القتل، ثم تحمل المظالم الثانية من قتل الأبرياء. وربما تستمر وربما تستمر المعارك والقتال بين القبيلتين بسبب هذا القاتل. لكن ينبغي عليه أن يسلم نفسه. وعند ذلك ينتهي الشر. قتل عرف خطأ نفسه، يسلم نفسه، تقتلة نفس واحد، لكن تحفظ به أنفس كثيرة. ولكم في القصاص حياة -يا أولي الألباب-. فالتوبة لابد أن تكون وفق الشرع. وأما الهجر، فما فهمت. إذا أراد به: لأجل الهروب، يهجر أهله وماله، فأصلًا الهروب حرام، وهذا تبع، زيادة في الحرام. لأن هروبه يسبب مفاسد وفتن كثيرة.