الدرس في كتاب الإيمان 26، باب بيان أن الدين النصيحة. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أهمية النصيحة في الدين مستندا إلى أحاديث نبوية، ويبين أنها واجب من واجبات الدين العظام. النصيحة واجبة لكل المسلمين وتتضمن طاعة ولي الأمر فيما يتوافق مع طاعة الله ورسوله.
يشرح المتحدث ضوابط طاعة ولي الأمر، حيث تكون بالمعروف وفيما يستطيع المسلم، وليس على عموم الناس بل لأهل الحل والعقد. كما يشدد على ضرورة الدعوة لولي الأمر بالخير.
ينتقد المقطع الديمقراطية ومفاسدها، ويشير إلى أنها تسبب الفتن وتستنزف الأموال. يقترح بديلا شرعيا يتمثل في طاعة ولاة الأمور بالمعروف وترك التبعية المقيتة للديمقراطية.
ينتقد المتحدث بعض الممارسات الحزبية مثل تفريق الناس وأخذ البيعة، ويعتبرها أمورًا محدثة لا أساس لها في الكتاب والسنة. يختتم كلامه بالتأكيد على أن ما ذكره كافٍ ويختم بالصلاة على النبي محمد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب بياني أن الدين النصيحة، قال: حديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: بايعت النبي -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة، فلقنني فيما استطعت والنصح لكل مسلم. قال: أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب على قاعدته في تبويب هذا الكتاب "اللؤل والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" بنسق حديث أحاديث الإمام مسلم وما بوب عليها به، ولفظ الحديث على قاعدته ولفظ الإمام البخاري في الباب المشار إليه. وقد خرج الإمام البخاري -رحمه الله- من طريق شيخه يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يسار عن الشعبي عن جرير بن عبد الله، فذكر الحديث بلفظه. وروى الإمام مسلم في صحيحه بنفس اللفظ، ولكن بدون ذكر الواو، فقال: "فيما استطعت النصح لكل مسلم"، وفي لفظ بذكر الواو. وقد ذكر الشيخان هذا الحديث بألفاظ أخرى، فله ألفاظ، فقد اتفق على رواية هذا الحديث بلفظ آخر كذلك، ولم ينبه عليه المؤلف -رحمه الله- في هذا الموضع. فقد اتفق على إخراجه في الصحيحين بلفظ: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بايعهم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم". فقد خرج البخاري -رحمه الله- في باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الدين النصيحة" الحديث، وخرج الإمام مسلم -رحمه الله- في نفس الباب: "باب بيان أن الدين النصيحة". كما رواه كذلك الإمام مسلم -رحمه الله- بلفظ: "بايعت النبي -صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم"، ونحوه الإمام البخاري. وانفرد الإمام البخاري برواية هذا الحديث بلفظ: "بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله والنصح لكل مسلم"، ذكره البخاري -رحمه الله- في باب هل يبيع حاضر لباد. وهكذا كذلك انفرد الإمام مسلم بحديث آخر من أحاديث الباب، أي في النصيحة، وهو حديث تميم بن أوس الداري المشهور: "الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". فقد انفرد الإمام مسلم -رحمه الله- بإخراج هذا الحديث، ولم يخرجه الإمام البخاري، ولم يخرجه الإمام البخاري موصولا، ولكن أخرجه معلقا مختصرا في باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الدين النصيحة"، قالوا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، فذكره مختصرا. وفي الحديث مسائل، من أهم هذه المسائل ما بوئ به من أن من خصال الدين النصيحة، ولهذا أدرج في كتاب الإيمان، فمن خصال الدين النصيحة، بل كاد الدين أن يكون في النصيحة. فقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "الدين النصيحة" يشبه قوله -عليه الصلاة والسلام-: "الحج عرفة"، كاد الحج أن يكون عرفة، لأهمية هذا الموقف والمنسك من مناسك الحج. وهكذا كذلك كاد الدين أن يكون في النصيحة، لأهمية هذا الواجب في هذا الدين، فكما لا يتم الحج بغير عرفة، فكذلك لا يتم الدين بغير نصيحة. ولهذا كان معنى نصيحة في قول جماهير من أهل العلم، وعدد غفير منهم: أنه واجب من واجبات الدين العظام، بل كاد أن يكون الركن الخامس من أركان الإسلام. واستدلوا بقول الله -عز وجل-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:71]، فقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من النصيحة، على الصلاة والزكاة، فدل على أهميته. ولهذا كان النصح، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سبب خيرية هذه الأمة وبقاء دينها، قال الله -عز وجل-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110]. والأدلة على هذا من كتاب الله، وسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- كثيرة، ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "من رآى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، وفي رواية: "وليس وراء ذلك مثقال حبة خردل من إيمان". فدل أن الإيمان يتفاوت بتفاوت القيام بهذا الواجب على مراتبه الثلاث: نصيحة باليد، ونصيحة باللسان، ونصيحة بالقلب، وهذا بحسب ما تقتضيه المصلحة. وفيه من المسائل كذلك وجوب النصح لكل المسلمين، وهكذا كذلك من حديث تميم: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". فأما النصح لله: بإخلاص الدين له، واحتساب الثواب منه، وتبليغ دينه وشرعه لخلقه، وما يدخل تحت هذه الأصول الثلاثة من تفاصيل. وأما النصح لرسوله: بحسن متابعته، وهكذا كذلك بتبليغ سنته، وما يلحق بهذين المعنيين من تفاصيل. وهكذا لكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فيما يتعلق بالدلالة على حق الله، وحق خلق الله، وقدم "لأئمة" على "العامة" لأهمية الواجب الذي يتعلق بصلاحهم. ولهذا خص بالذكر كذلك في بعض روايات هذا الحديث، كما في هذه الرواية: "بايعت النبي -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة فيما استطعت والنصح لكل مسلم". والسمع والطاعة من النصح لولي الأمر، فالنصح لولي الأمر يتضمن ثلاثة أصول: الأصل الأول نصحه في طاعة الله ورسوله، والأصل الثاني طاعته في طاعة الله ورسوله، والأصل الثالث الدعوة له بالخير، ومنه موافقته ومتابعته فيما استطاع المسلم. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك كيفية وصيغة مبايعة ولي الأمر وطاعته، ولهذا أورد الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في صحيحه حديث ابن عمر، حيث كتب لعبد الملك حين بايعه الناس: "من عبد الله بن عمر إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت، وإن بني أقر بذلك". ونلاحظ هنا ثلاثة أمور، وإلا ففي هذا الأثر أشياء كثيرة. نلاحظ أولا: كيف وافق فعل ابن عمر سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبه نعرف أنهم كانوا إذا تكلموا تكلموا بحلم وبعلم، وإذا سكتوا سكتوا بحلم، فكلامهم عبارة عن سنة واقتداء. ولهذا كان يقول -رحمه الله-: "إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة ماضية، أو لا أدري". فانظر وتأمل في هذا الأثر، وقارنه بحديث جرير، وأحاديث كثيرة بمعناه، تجد أنه يخرج من مشكاة النبوة. ونلاحظ ثانيا: كيف أنه جمع بين إعطاء هذا الأمير حقه، وبين تذكيره بحق ربه: "من عبد الله بن عمر إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين"، هو ليس اسمه عبد الله، اسمه عبد الملك، ولكن كتب إليه: "إلى عبد الله عبد الملك"، ولم ينس أن يعطيه منزلته، قال: "أمير المؤمنين". ونلاحظ كذلك قوله: "على سنة الله وسنة رسوله"، لأن الطاعة إنما بالمعروف. ونلاحظ قوله: "فيما استطعت"، وهذا من فوائد هذا الحديث كذلك: أن طاعة ولي الأمر فيما يستطيع الإنسان. وفيه تنبيه لولي الأمر، وتنبيه كذلك لعموم المسلمين، ففيه تنبيه للمطاع والطائع، وللراعي والرعية. وفيه كذلك: أن البيعة لا تكون لعموم الناس، وإنما تكون لأهل الحل والعقد، ويعقدونها عمن تحتهم وخلفهم. فما يفعله الناس اليوم من سلوك مسلك الانتخابات، هذا مسلك أولا: ليس من مسالك أهل الإسلام، بل هو من مسالك الكفار، وقد نهينا عن متابعة الكافرين. وثانيا: كذلك فيه مفاسد كثيرة، فضلا عن الدينية، في نواح اجتماعية، واقتصادية، وأمور كثيرة من أمور المجتمع الدنيوية، ما لا تعد ولا تحصى. ربما في بعض الدول يزول الأمن في أيام الانتخابات، تستحل دماء، وتكثر الاغتيالات، ويكثر الشغب، ويحصل الشيء الفضيع الذي لا يوصف في أيام الانتخابات. ربما في بلادنا هذه أحسن من غيرنا، لكن في بلاد أخرى -كبعض بلاد إفريقيا وغيرها- في أيام الانتخابات تسمع بالأشياء الفضيعة، ربما لا يصل الأمر فقط إلى الرؤوس المنتخبة، يتعدى إلى أطفال وإلى نساء، واستغلال أولئك الرؤوس بأسرهم وأطفالهم وغير ذلك، أشياء فضيعة تقع في العالم بسبب جريرة هذا المسلك الذي هو متابعة لأعداء الله. إضافة إلى ما تبدد من أموال طائلة، المجتمع في حاجة لحفظها فيما ينفعه من أساسياته ومقوماته، ربما تكون شعوب فقيرة غاية في الفقر، ومع ذلك تبدد أموال طائلة في الصور وفي الإعلانات وغير ذلك، بحجة تحقيق الديمقراطية. والشعب ربما الكثير منه يموت جوعا، ومن رأسه إلى أساسه -كما يقال- مليء بالأمراض التي هي تعتبر من أساسيات حياة الإنسان، فضلا عن مسلم أو أي اعتبار آخر. فأين المعايير -كما يقال- التي يكون بها العقلانية أو الإنسانية؟ ذهبت وراء هذه التبعية المقيتة، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة والفوضى المتنوعة التي تحصل. ولهذا ينادي الدعاة والعلماء الناصحون المصلحون إلى ترك هذه التبعية المقيتة، ليس لأنهم حريصون على الكراسي -لا والله- هم أبعد الناس عن الكراسي، بل يدعون الناس لطاعة ولاة أمور المسلمين بالمعروف، وأن تجتمع كلمتهم، ويعتصموا بحبل الله. بل يحذرون من هذا المسلك الذي تكون به الفتن، لكن يريدون للأمة السلامة بطريقها الشرعي. فانظروا إلى هذا الحديث وإلى هذا الأثر، نجد الفرق بين حال المجتمع المسلم وبين غيره. والعجيب العجيب: أنك ترى الديمقراطية المزعومة تطبق على الشعوب المعدمة، وأما بلاد الكفار الديمقراطية لها -كما يقال- كيلتان: كيلة للشعب، وكيلة أخرى بالسلطة. فالدول الكبرى عبارة عن ممالك، دولة بريطانيا مثلا ما هي؟ مملكة، كيف ديمقراطية وهي ملكة؟ هل تتغير الملكة؟ ما تتغير، ملكة مستمرة. وهنا الشعوب تفحس فحيس -كما يقال- تفحس فحيس، وكل يوم وهذا الرئيس يبدل للكثير، ربما يموت من أبنائه، ويموت من أقربائه، ويذهب من الأموال. والشعوب كذلك كلما صعد رجل إلى المنصب -كما يقال- يصعد فقيرا وينزل غنيا، فيطلع آخر فقير، فيريدون الشعب كله يرتاح حتى يقول: لعل الغنى يبلغ حدا معينا وتنتهي معاناة الشعوب. ولكن هكذا الديمقراطية تبقي الشعوب فقيرة، ولا ينتهي الغنى، وفي حروب وفتن وأمور ما يعلم بها إلا الله. وتلك الدول تعيش في راحة ملك مستمر وديمقراطية كاذبة، إذا أراد المؤذن يؤذن، قالوا له: لا، ممنوع. كيف ديمقراطية؟ الناقوس يضرب والأذان ممنوع، وإذا أرادت المرأة تنتقب، قالوا: قرار ممنوع النقاب، والنقاب فيه غرامة، يأتي شرط المرور ويحاسب المرأة كما يحاسب السيارة المخالفة، يأخذ منها الهوية ويكتب عليها مخالفة، ليش؟ لأنها منتقبة. وتلك تمشي عارية ما في شيء، ديمقراطية، إذا الديمقراطية بالإباحية والفساد، أما في الفضيلة والخير ما في ديمقراطية. فأين معايير العدل؟ كاذبة، ولكن من الذي يعقل هذا؟ القليل من الناس من يعقل هذا، وأكثرهم لأجل الدنيا الفانية، وكذلك أشياء من الأغراض والأعراض تجعله يرضى بهذا الواقع المقيت الذي تتفانى فيه شعوب، فضلا عن أفراد. وإلا لو نصح الإنسان لنفسه، فضلا عن المسلم، ولدينه، لم يرض أحد بمثل هذا الواقع المرير، فإن لله وإن إليه راجعون. ومن مسائل الحديث وما يلحق به من أحاديث ورواياته كذلك: الوصية بهذه الخصال المذكورة: النصيحة لكل مسلم، والطاعة، وهكذا كذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وكذلك شهادة أن لا إله إلا الله أن محمد رسول الله، والبيعة على ذلك. وفيه مشروعية مبايعة الإمام لرعيته على الإسلام وتفاصيله، وهذا ليس إلا للإمام، ولا تشرع البيعة لغير ولي الأمر المسلم، لا لرئيس جمعية، ولا لجماعة، ولا لدائرة، ولا لغير ذلك. فما يفعله بعض المتحزبين من تفريق الناس وأخذ البيعة عليهم، كل ذلك من الأمور المحدثة التي ليست في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا في شرعه ودينه. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.