الدرس في كتاب الإيمان 32، تابع 22-باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحرم الانتساب لغير الأب الحقيقي ويعتبره من الكبائر، ويترتب عليه حرمان دخول الجنة أوليًا ووعيد بالنار. هذا الفعل يعتبر مخالفة كبيرة للشرع.
تناول الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك تفصيل مفهوم المخالفة للحديث ومعنى العلم في هذا السياق وتطبيقه على كتابة الأنساب، كما بين حكم أنكحة الكفار وانتساب الشخص لغير أبيه بعد إسلامه.
ناقش المقطع حكم تغيير اسم المتبنى عند إسلامه وضرورة تجنب المفسدة والضرر، كما تطرق إلى مسألة إقرار أنكحة الكفار واعتبارها نكاحًا إذا كانت معترفًا بها في مجتمعهم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي الله عنهما، قال سعد: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام». فذكر لأبي بكرة، فقال: وأنا سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه البخاري بكتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان. وهذا الحديث تقدم معنا بعض معناه في الأحاديث السابقة، وعلى قاعدته، فهذا هو لفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه. قال رحمه الله: حدثنا مسدد، قال: حدثنا خالد -وهو ابن عبد الله الطحان- قال: حدثنا خالد -كذلك وهو ابن مهران الحذاء- فخالد عن خالد في البخاري: الطحان عن الحذاء عن أبي عثمان... وما اسم أبي عثمان؟ عبد الرحمن بن مل، ويجوز مل، ويجوز مل بالتثليث. يجوز مل، ومل، ومل عن سعد، فذكر الحديث. وفيه أنه سأل أبا بكر، وفيه قصة. هذا الحديث أكثر مسائله قد مرت معنا في الأحاديث السابقة. ومما يضاف هنا: فيه أن من ادعى إلى غير أبيه وهو لا يعلم -وهو مفهوم المخالفة للحديث- فإنه ليس عليه شيء. وهذا قد يقع بالجهل والخطأ. وكما تقدم معنا أن هذا يشمل الأب الخاص، أو يشمل القبيلة، ويشمل كذلك الرغبة. وكذلك يدخل في هذا المعنى ما قد يشنع به بعض الناس أو يتورع منه بعض الناس في الكتابة في الأنساب. فإن كتب الأنساب فيها هذا المعنى، فقد يقع الإنسان بالخطأ والجهل في نسبة قبيلة إلى غير نسبتها. ولهذا بعض أهل العلم شدد في هذا الباب، فتورع جماعة من أهل العلم في الكتابة في الأنساب مخافة أن تلحقهم هذه الأحاديث وما فيها من وعيد. ولكن هذا الحديث فيه فسحة ورخصة. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وهو يعلم أنه غير أبيه» يدل صريحًا أن من لم يعلم لا شيء عليه. فإذا هذا في حق المعين، ففي حق المخبر كالكاتب في كتب الأنساب من باب أولى. وهو كذلك في حق من يغلب عليه الظن أنه مصيب، والأمر ليس كذلك، معذور. وتحت هذا مسائل كثيرة، مع أن العمومات تدل على هذا، ولكنه جاء التنصيص فيه. وفيه كذلك من المسائل أهمية الاعتناء بالقيود في الأحكام، فإن ذلك مهم. وإلا فمثل هذا المعنى قد يفهم من العمومات، لكن قد لا يكفي. فلذلك عينه النبي صلى الله عليه وسلم. فكذلك قد يحتاج لتعيينه، وهو من الفصاحة والبيان. فلا ينافي الفصاحة والبيان ذكر المعلوم عند الحاجة إليه، لأنه قد يذكر لأجل التأكيد. وفيه من المسائل كذلك هذا الحكم الآخر الذي لم يذكر في الأحاديث السابقة. ففيه أن الجنة تحرم على من انتسب لغير أبيه وهو يعلم، أو ادعى لغير أبيه وهو يعلم. قد مر معنا أن بينه معموم وخصوص الادعاء والانتساب. يعني لو ادعى ولم ينتسب لحقه كذلك هذا الحكم، ولو انتسب فهو أشد. فالادعاء ولو مرة أو مرتين، والانتساب على وجه الاستمرار، أو كذلك مرة أو مرتين. ففيه أن هذا من الكبائر كذلك، خلافًا لمن ظن غير هذا. ومعنى التحريم ها هنا كما قال أهل العلم: الدخول الأولي. وفيه الوعيد بالنار. فإذا حرم دخول الجنة دخولًا أوليًا، معناه صار في هذا الترهيب من عذاب النار. فكأن النار لا بد أن يدخلها، والأمر لله سبحانه وتعالى. ولكن هذا هو الأصل، وفضل الله ومغفرته أوسع. فقد يوفق العبد للتوبة، أو تكون له حسنات، أو يتجاوز الله عز وجل عنه. وقد قال: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». وجاء في رواية لمسلم: «ومن ادعى أبًا في الإسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه». فقوله «في الإسلام» في رواية مسلم، يدل أنه إذا وقع في غير الإسلام فليس يؤاخذ عليه الإنسان. وبعد الإسلام يؤاخذ عليه. وهل على هذا يعدر الكافر إذا أسلم وقد انتسب إلى غير أبيه؟ الصحيح أنه فيه تفصيل. إن كان على أنكحة الكفار، فأنكحة الكفار مقرة في الإسلام، حتى ولو كان أصلها غير صحيح في الإسلام. ننتبه لهذا: في الإسلام توجد أنكحة صحيحة، وأنكحة غير صحيحة. أما أنكحة الكفار، ما دام يسمى عندهم نكاحًا ليس بصفاح، فهو في الإسلام صحيح على كل حال، سواء وافق شروط الإسلام أو لم يوافق شروط الإسلام، لأن الإسلام لم يستفصل في ذلك. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله بحثًا طويلًا في هذه المسألة في مواضع من كتبه، ويكرره رحمه الله من موضع إلى موضع، وذكر أدلة ذلك من الكتاب ومن السنة. فمن ذلك قال الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ وهو مشرك، وهي مشركة، ونكاحهم نكاح شرك وكفر، ومع ذلك أثبته ربنا جل وعلا. وهكذا قال الله عز وجل كذلك في حق فرعون وامرأة فرعون، فأثبت نكاح فرعون من امرأته، وهو نكاح كان في حال الكفر، بل أسلمت وآمنت وهو كافر، ومع ذلك أثبت ربنا جل وعلا النكاح. فدل على أن أنكحة الكفار صحيحة. فعلى هذا لا يقول قائل: أنا كنت في الكفر لا أدري هذا أبي أو ليس أبي. الأصل ما دام هو أبوك وهذه أمك بنكاح، فهو أبوك تنسب إليه. فأنكحة الكفار مقرّة في الإسلام. ونوع آخر يكون بغير نكاح، يكون بغير نكاح بسفاح، كحال الكثير من الكفار في هذا الزمان، يزني رجل بامرأة فتلد له فيقول: هذا ولدي، وينسب إليه أنه ولده. فهذا في الإسلام ليس بولده. فإذا كان كذلك، ما حال هذا الولد بعد إسلامه؟ هل ينتسب لمثل هذا الأب أم لا ينتسب؟ الجواب: إذا أمكنه أن لا ينتسب فلا ينتسب، وإذا كان لا يمكنه وصار في هذا مفسدة فهو معذور من هذا. والغالب كما أخبرت أن فيه مفسدة، خصوصًا إذا قد ثبت في الأوراق الرسمية، فيصعب تغيير ذلك. وهذا يختلف من بلاد إلى بلاد. فالمهم إذا أمكن من غير مفسدة ولا ضرر، غير لأنه ليس بأب له. وننتبه: ليس هذا نكاح وإنما هو سفاح. أما ما كان نكاحًا بأي صورة من الصور، فإنه يبقيه ولا يغير. وقسم آخر: ما إذا كان مجهول النسب، مجهول الأب. إذا كان مجهول الأب وجعل له اسمًا بالتبني، وهذا موجود كذلك، ثم أسلم، يجعل له اسمًا بالتبني فيسلم. هل يبقي هذا الاسم؟ يغيره؟ كذلك يقال فيه كما قيل من قبل: إن أمكنه أن يغير غير من دون مفسدة ولا ضرر عليه، وإن لم يمكنه فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وكذلك إذا ترتب على هذا مفاسد، إذا ترتب على هذا مفاسد فكذلك. وتأتي ها هنا مسألة خفية، وهي ما إذا كان بعض الكفار يتعاملون ببعض علاقاتهم الأسرية معاملة الأنكحة، وليست بأنكحة. فهل تعتبر أنكحة أم لا؟ وهذا مشكل. يعني تكون هناك علاقة بغير نكاح، خلاص رجل يتعرف على امرأة فيتعاملون معاملة الزوجين، وربما حتى الناس ما يدرون هل هؤلاء تزوجوا أو لم يتزوجوا. وجدوهما مع بعض وعندهم أولاد، وربما إذا سئلوا أحيانًا يقول: نعم زوجتي، وتقول: نعم هو زوجي. وأحيانًا ربما عنده جواب هو لا يدري، لكن جرى مجرى الزواج من جهة معاملتهما ومن جهة وجود الأبناء. فما دام أنه أمر مشتبه ومع وجود الكفر والجهل به، فالأصل أننا نبقيه. لأن الكثير من الأبناء قد يشق على نفسه في هذا. فيقول: كيف أسمع أنا ما أدري هل علاقة أبي بأمي كانت نكاح أم سفاح؟ وإذا سألتهم ما يدرون. الأصل إذا كان يجري مجرى النكاح، فهو مما يخفف فيه مع هذه الأمور، وخصوصًا إذا علمت أن الإسلام يقر أنكحة الكفار على أي صورة كانت، حتى لو جرى عرف الكفار أن النكاح يكون بغير ولي وبغير أوراق وبغير إلى آخره، ولكنه يسمى نكاحًا، فالإسلام يقره. لم يفصل الإسلام، ليس يقره داخل الإسلام، لكن يقره كونه عند الكفار نكاح، ما دامهم يقرونه نكاحًا. وتأتي تفاصيل كثيرة في مثل هذه المسائل، ينبغي في مثل هذا الباب أن تراعى مثل هذه التفصيلات التي ألمح إلى بعضها أهل العلم. وهذا كما يقال: إشارات لبعض المسائل التي قد يبتلى بها المجتمع في مثل هذا الباب. وللحديث قصة جاء في بعض روايات الحديث، وهو في صحيح مسلم. أصل هذه الرواية أن أبا عثمان النهدي، وهو عبد الرحمن بن مل، أتى إلى أبي بكرة ينكر عليه ما صنع أخوه من أمه، وهو زياد بن عبيد الثقفي، وكان قد نسب نفسه أو نسبه معاوية رضي الله عنه إلى أبي سفيان. كان مع علي رضي الله عنه، فانتقل مع معاوية رضي الله عنه، رضي الله عنهم جميعًا أرضاهم، فنسبه معاوية إلى أبيه، فصار يقال: زياد بن أبي سفيان، ويقال له: زياد بن أبيه أو زياد بن أمه. الشاهد: جاء أبو عثمان ينكر على أبي بكرة ما صنع. ولعله لم يبلغه أن أبا بكرة أنكر على أخيه. حتى قيل: إنه هجره لأنه نصحه فلم يستجب، فهجره لأجل ذلك. وفيه دليل أن من لم يستجب لذلك يجوز أن يهجر لأجل التأديب، يجوز أن يهجر لأجل التأديب. والهجر كما لا يخفى يستعمل للعلاج. فإن كان ينفع فإنه يستعمل. طيب في شيء في هذا طيب. لهنا والله تعالى أعلم.