الدرس في كتاب الحج 39، الدرس التاسع والثلاثون : من : ( فلما طافوا وسعوا أكد عليهم أن يقصروا ... وفعل مثله من ساق الهدي من أصحابه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح أحكام صيام الأيام الثلاثة في الحج لمن لم يجد الهدي في التمتع، ويبين وقت ابتداء الصيام ومدته. يجوز صيامه حتى أيام التشريق وبعد انتهاء أيام الحج.
شرح الفروق بين طواف القدوم وطواف الحج وطواف الوداع، وأحكام الطواف وصلاته. يبين تحلل الحاج من إحرامه بعد رمي جمرة العقبة.
استدلال على أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنا مستندا إلى أحاديث نبوية متعددة. يُظهر أن النبي ساق الهدي ولم يتحلل إلا يوم النحر.
يوضح معنى إفراد الحج ويفسر روايات الصحابة الذين أفردوا الحج. يبين أن المراد بإفراد الحج هو عدم تكرار أعمال الحج مثل الطواف والسعي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ البسام رحمه الله تعالى في شرحه لحديث عبد الله بن عمر قال رحمه الله تعالى: فلما طافوا وسعوا أكد عليهم أن يقصروا من شعورهم وليتحللوا من عمرتهم، ثم يحرموا بالحج ويهدوا لإتيانهم بنسكين بسفر واحد. والصحيح أن الهدي ليس هو هدي الجبران، فقد اختلف أهل العلم هل الهدي في التمتع هدي جبران أم هدي شكر وتعبّد لله؟ والصحيح - الله تعالى أعلم - الثاني، ولا دليل على أنه جبران. والأولى أن نقول: هو من النسك أمر الله عز وجل به، فوجب امتثال هذا الأمر. قال رحمه الله تعالى: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة في أيام الحج يدخل وقتها بإحرامه بالعمرة، وسبعة إذا رجع إلى أهله. وفي وقت ابتداء الصيام، الصيام الثلاث خلاف بين أهل العلم، وأحوطها وأحسنها أن يكون من بعد الإتيان بالعمرة، لأن الله عز وجل قال: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾. وهل يكون ذلك من ابتداء دخوله في العمرة في الحج؟ في هذا خلاف. وأما بعد انقضاء العمرة، فهو الآن في تمتع الحج، فالأفضل ألا يجعلها قبل الإتيان بالعمرة، بل يجعلها بعد الإتيان بالعمرة. ويجوز له أن يصوم هذه الأيام الثلاثة حتى أيام التشريق، بل وما بعد أيام التشريق في غير يومي العيد - يعني يوم العاشر - فيجوز أن يصوم في أيام التشريق. هذه الأيام كما جاء في حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن صيامها إلا لمن لم يجد الهدي. وإذا احتاج أن يصوم بعد الحج - يعني بعد انتهاء أيام الحج بعد يوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر - هل يجوز؟ الجواب: نعم يجوز كذلك، فهو ما زال ما دام في مكة وفي أشهر الحج ولم يؤدي طواف الوداع، فهو ما زال في الحج على الصحيح، لكن الأولى أن يكون قبل ذلك، وهذا هو الأحوط. لكن قد يضطر الإنسان إلى ذلك، مثل إنسان عنده نفقة الهدي فضاعت عليه يوم التاسع مثلا، وهذا يحصل لبعض الناس ضاعت عليه النفقة التي سيشتري بها الهدي، فماذا يصوم؟ يصوم متى سيصوم؟ وهو الآن ضاق عليه الوقت أو ضاعت عليه في اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر، فيجوز له أن يصوم بعد ذلك ثلاثة أيام في الحج - يعني ما دام في أشهر الحج في شهر ذي الحجة وهو في مكة - فيصوم ثلاثة أيام. وهل يجوز أن يصوم هذه الأيام إذا خرج من مكة؟ بهذا خلاف، والأحوط أن يصوم في مكة، وإن ضاق عليه الوقت وصام بعضه في مكة أو بعضه في الطريق أو في المدينة فلا بأس إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: فلما قدم صلى الله عليه وسلم مكة استلم الركن وطاف سبعة، خبّ ثلاثة لكونه الطواف الذي بعد القدوم، ومشى أربعة، وذلك لأن طواف القدوم يختلف عن سائر الطواف في الحج بفروق. ما هذه الفروق يا أبا سفيان؟ الفروق بين طواف القدوم وطواف الوداع وطواف الحج. نعم، طواف القدوم يكون بلبس الإحرام، بخلاف طواف الحج قد تكون محرم وقد تكون غير محرم. الفرق الثاني: لأن طواف الحج يكون في يوم العاشر، ويوم العاشر إذا رميت الجمرة وذبحت - على أحد القولين - وإلا فيكفي على الصحيح رمي الجمرة، فإنك تلبس ثيابك وتطوف طواف الحج وأنت بغير إحرام. الفرق الثاني ما ذكره المؤلف الآن: فصاحب قبرة بهذا الباب، الرمل. نعم، فإنه يرمل في طواف القدوم وليس في طواف الحج ولا طواف الوداع رمل. الثالث: الاضطباع، ليس في طواف الحج ولا طواف الوداع اضطباع، إنما الاضطباع في طواف القدوم فقط. هذا الاضطباع الذي تكشف الكتف الأيمن وتستر الكتف الأيسر، يسمى اضطباع. فهذا لا يكون إلا في طواف القدوم، حتى ولو طفت طواف الحج وأنت محرم فلا تتطبع. حتى لو طفت طواف الحج وأنت محرم فإنك لا تتطبع، الاضطباع في طواف القدوم فقط. هذه ثلاثة فروق يختلف فيها طواف القدوم عن طواف الحج وطواف الوداع. قال رحمه الله تعالى: ثم صلى ركعتين عند مقام إبراهيم. وهل كل طواف لابد له من ركعتين؟ الجواب: نعم، الصحيح حتى ولو كان الطواف طواف تنفل، فإنه لا يكون كاملا إلا بركعتين. الطواف أردت أن تتنفل في رمضان بطواف، تطوف سبع وتصلي ركعتين، تطوف سبع وتصلي ركعتين. قال رحمه الله تعالى: ثم أتى إلى الصفا فطاف بينه وبين المروة سبعا، يسعى بين العلمين ويمشي فيما عداهما، ثم لم يحل من إحرامه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر، هذا هو الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة الصريحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فلما خلص من حجه ورمى جمرة العقبة ونحر هديه وحلق رأسه - ونحر هديه وحلق رأسه يوم النحر - وهذا هو التحلل الأول، أفاض في ضحى إلى البيت، ومعنى أفاض يعني توجه بطواف الحج أو طواف الإفاضة، فطاف به، ثم حل من كل شيء حرم عليه حتى النساء. وفعل مثله من ساق الهدي من أصحابه. عندنا في الحج تحللان: تحلل أول وتحلل ثاني، تحلل أصغر وتحلل أكبر. التحلل الأول أو الأصغر هو الذي يكون برمي جمرة العقبة على القول الصحيح. وذهب بعض أهل العلم أنه يكون بفعل اثنين من ثلاثة، بفعل عملين من ثلاثة أعمال من أعمال يوم العاشر، واستدلوا بذلك بآثار وأحاديث، لكن الأحاديث ضعيفة لم تصح. فلو فعل لا بأس، والصحيح أنه يجزئ برمي جمرة العقبة، من رمى جمرة العقبة فقد حل لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها. قال رحمه الله تعالى: وذهب الطائفة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنا، وهذا هو الصحيح الذي يسهل رد الأدلة الصحيحة إليه، فقد ساق له ابن القيم من الأدلة ما يزيد على عشرين حديثا صحيحا صريحا في ذلك، وكثير منها بالصحيحين أو أحدهما. منها ما رواه مسلم من حديث ابن عمر: «أنه قرن حج إلى العمرة وطاف لهما طوافا واحدا، ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وهذا يدل أن النبي عليه الصلاة والسلام حج قارنا - يعني قرن بين العمرة والحج. قال: وما أخرجاه بالصحيحين عن حفصة: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني قلت هدي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أحل من الحج». وهذا يدل على أنه كان في عمرة معها حج، وهذا هو الصحيح، وهذا الحديث صريح كذلك وهو في الصحيحين. قال: «وقال صلى الله عليه وسلم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولحللت معكم». قال: وهذا صريح في أنه استمر في حجه ولم يتحلل إلا يوم النحر. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «سقت الهدي وقرنته». وهذا يدل كذلك كما سبق على أن النبي عليه الصلاة والسلام قارن. لو أنه تحلل كما تحلل الناس فهو ليس بمتمتع، ولو أنه لم يسق الهدي فهو ليس بمفرد، لأن المفرد ماذا؟ ليس عليه هدي. فهذا الحديث يرد كونه مفردا لأنه ساق الهدي، والمفرد لا يسوق الهدي، ويرد كونه متمتعا لأنه لم يتحلل كما تحلل المتحللون. قال رحمه الله تعالى: وقد قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا. قال: وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من الذين يرون أنه حج قارنا، ويوفق بين الروايات التي ظاهرها الاختلاف. فيقول: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب متفقة إلا باختلاف يسير يقع مثله في غير ذلك - يعني يقع مثله في غير هذه المسألة - وهذا الاختلاف قد يكون وهم من بعض الرواة. فمثلا جاء في حديث معاوية في الصحيحين: «أنه قص للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شعره بمشقص». وفي رواية لمسلم - وهو في المروة جاء خارج الصحيحين - «أنه فعل ذلك في أيام العشر». وهذا يدل أن النبي عليه الصلاة والسلام تحلل من عمرته، وهذا خطأ. فأصل الحديث في الصحيحين ليس فيه في العشر، ليس فيه في العشر. ولهذا نبه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن حديث معاوية هذا بلفظ «في العشر» خطأ، والصواب ما في الصحيحين ليس فيه ذكر في العشر. فكأنه تحلل من عمرته ثم دخل في الحج مرة أخرى، ولكن هذا الصريح ليس بصحيح. فإذن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن أحاديث هذا الباب متفقة، والاختلاف يسير يقع مثله بغير ذلك. وأما غير الصريح - مثل حديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج» - جوابه: أنه أحرم بالحج باعتبار أنه لم يتمتع، فلا معارضة في ذلك، فهو ساق الهدي ولن يكون مفردا وهو قد ساق الهدي، بل هو قارن لا شك. ومن قال: تمتع كما مر معنا في بعض ألفاظ حديث ابن عمر، فيحمل على التمتع اللغوي الذي من معانيه القران، من معانيه القران أنه كان قارنا عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: فإن الصحابة ثبت عنهم أنهم تمتعوا، والتمتع عندهم يتناول القران كما مر معنا. والذين روي عنهم أنهم أفردوا، روي عنهم أنهم تمتعوا، ويريدون به إفراد أعمال الحج بحيث لم يسافروا للنسكين سفرين، ولم يطفوا لهما طوافين، ولم يسعوا لهما سعيين، فيكون كذلك معنا من المعاني اللغوية، فلا معارضة، وهو ليس بصريح. وأما الصريح كحديث معاوية فهو خطأ، والصواب على خلافه. إلى هنا والله تعالى أعلم.