الدرس في كتاب الإيمان 1، مقدمة الكتاب + نبذة يسيرة عن المؤلف:( الدرس الأول ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الكتاب بمقدمة عن أهمية جمع الأحاديث المتفق عليها بين البخاري ومسلم، ويتناول منهج المؤلف في ترتيب الألفاظ.
يشرح المقطع معنى الاتفاق على الأحاديث بين البخاري ومسلم، ويوضح أن الاتفاق قد يكون على المعنى أو الألفاظ مع تسامح في الاختلاف اليسير.
يناقش أهمية الأحاديث المتفق عليها كدليل على صحتها، ويشير إلى آراء العلماء حول تصنيفها وجمعها في كتب خاصة.
ينص على عدم جواز نسبة الولد للزاني لما في ذلك من اختلاط الأنساب، ويبين عدم جواز التوارث بين الزاني والولد الناتج عن الزنا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، نبتدأ في هذا اليوم ويوم بعده القراءة في كتاب «اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان»، وهو كتاب عظيم تناول فيه مؤلفه، كما سنقرأ إن شاء الله، أحاديث الصحيحين التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وحرص أن ينظر إلى اللفظ الذي حصل فيه الاتفاق، وما حصل فيه شيء من الاختلاف اليسير، فقدم فيه لفظ الإمام البخاري، رحمه الله. وسأتي معنا إن شاء الله في المقدمة التنبيه على منهج المؤلف، رحمه الله، في هذا الكتاب. فلأهمية ما في هذا الكتاب من أحاديث الصحيحين، وحاجة طالب العلم لحفظها والاعتناء بها ومعرفتها، خصوصا ما حصل فيه الاتفاق، ولأنه بإذن الله تعالى سلم لما بعده، فقد كانت من طريقة بعض مشايخنا، وهكذا كذلك طريقة عدد كثر ممن سبق من أهل العلم، جرد أحاديث السنة بهذه الطريقة: أخذ أولا ما اتفق عليه الشيخان، ثم أفراد البخاري، يعني من فرد به البخاري عن مسلم، فتكون زائدة بعد ما اتفق عليه، ثم أفراد مسلم، ويكون في هذا تيسير لطالب العلم لحفظ السنة: يحفظ ما في الصحيحين أولا، ثم يزيد بعده من فرد به البخاري، فيكون قليلا، ثم يزيد بعده من فرد به مسلم، يعني على ما زاد ما في الصحيحين، ثم يزيد من فرد به أهل السنن على كتاب كتاب، وهكذا، وهكذا ينتقل إلى سائر كتب السنة بما انفرد به صاحب الكتاب عما في الصحيحين. ويكون بهذا طريقة سهلة يستطيع معها جمع أحاديث السنة، وبهذا الحصر والترتيب في الصحة وفي القوة، وفي كذلك معرفة المرجع. كذلك في هذا فائدة أخرى، وهو أن القارئ فيما اتفق عليه الشيخان إذا قرأ في هذه الأحاديث، تتبين له الألفاظ التي حصل فيها الاتفاق الحقيقي في اللفظ والمعنى، وما حصل فيه الافتراق اليسير في بعض الألفاظ، وما حصل فيه الاختلاف في الألفاظ وإن اتفق المعنى بالجملة. وهذا ما يستطيع طالب العلم أن يصل إليه إذا أخذ البخاري مفردا وأخذ الصحيح مسلم منفردا. وهكذا كذلك يزيد عليه أنه إذا حصر ألفاظ الصحيحين وما اتفق عليه، انتبه إلى ما تركاه، أي البخاري ومسلم، وخصوصا أن الكثير مما تركوه منه ما هو صحيح، ومنه ما ترك لعله. فيجمع في هذا بين حفظ السنة ومعرفة ألفاظها ودرجات قوتها، وللطلاع على بعض العلل التي تعرف في ثنايا مثل هذه الدراسة. فلهذا ولغيره كانت القراءة في هذا الكتاب، ونسأل الله عز وجل التوفيق والسداد. قال المؤلف محمد بن فؤاد بن عبد الباقي، رحمه الله تعالى: «طريقة وضع الكتاب». قال مسلم بن قاسم القرطبي، وهو من أقران الدارقطني في تاريخه عند ذكر مسلم: «لم يضع أحد مثله»، وهذا محمول على حسن الوضع وجودة الترتيب وسهولة التناول، أي صحيح مسلم، فإنه جعل لكل حديث موضعا واحدا يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها، وأورد فيه ألفاظه المختلفة، بخلاف البخاري، فإنه يذكر الطرق في أبواب متفرقة، ويورد كثيرا من الأحاديث بغير الأبواب التي يتبادر إلى الذهن أنها تذكر فيه. ولذلك يعجز أحيانا بعض من ينشغل بالعلم وجود حديث في البخاري، إذ أنه يكون ذكره مرة واحدة، ولكنه لم يذكره في مضانه، خصوصا وأن الإمام البخاري، رحمه الله، له طريقة في مسألة الاستدلال بالأحاديث، فإنه ربما يستدل بالحديث في أمر خفي دقيق، ليس هو من مضان ذاك الحديث. قال: «وقد وقع بسبب ذلك، لناس من العلماء أنهم نفوا رواية البخاري لأحاديث هب موجودة فيه، حيث لم يجدوها في مضانها السابقة الفهم». قال: «لهذا كان ترتيب صحيح مسلم هو الترتيب الذي توخيت وارتضيته، فأخذت منه أسماء كتبه وأبوابه مع أرقامها، وأخذت من صحيح البخاري نص الحديث الذي وافقه مسلم عليه، وبينت عقب سرد كل حديث موضعه من صحيح البخاري، بذكر اسم الكتاب وعنوان الباب مع أرقامهما، يعني عند مسلم وعند البخاري». قال: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين...» [الفاتحة: 1 - 3] الآيات. أما بعد، هذه مقدمة أوردها، رحمه الله، فاتحة لكتابه، واقتبس فيها هذه الآيات من كتاب الله، يشير بذلك إلى أنه يفتتح كتابه بالثناء على الله بما هو أهله، بذكر هذه المحامد، وبالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى ملائكته ومن تبعه بإحسان من آله وصحبه. قال: «أما بعد، فهذا كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، إمام المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبة البخاري الجعفي، المولود عام 194 للهجرة، والمتوفى عام 256 للهجرة، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، المولود عام 204 للهجرة، والمتوفى عام 261 للهجرة». أشار بوضعه الناشر والقائم بطبعه، السيد محمد الحلبلب، مدير دار إحياء الكتب العربية، يعني طلب منه هذا الطلب. قال: «وقد ألزمني فيه ذكر نص حديث البخاري الذي هو أقرب النصوص طباقا على نص الحديث الذي اتفق فيه مسلم معه». فكان لهذا الإلزام من جانبه والالتزام من جانبي، وموافقة الشيخ محمد بن فؤاد عبد الباقي، رحمه الله، لهذا الطلب لعلمه وعلم سائله، ما ذكره العلماء من شفوف الإمام البخاري في انتقاء الألفاظ. وإن كان الإمام البخاري، رحمه الله، يكرر ذكر الألفاظ، لكنه يكررها برواياتها، بأسانيدها. ولما كان عند أهل المعرفة بالحديث أن انتقاء الإمام البخاري لألفاظ صحيحه أشد من انتقاء الإمام مسلم، وإن كان كل ما في الصحيحين بالجملة صحيح، قدم من قدم صحيح البخاري على صحيح مسلم، لشدة شرطه وسعة معرفته وشفوفه في انتقاء ألفاظ أحاديثه. فلهذا وافق على هذا الشرط، رحمه الله. قال: «فكان لهذا الإلزام من جانبه والالتزام من جانبي عسر ومشقة دونهما كل عسر ومشقة، ويكفينا دلالة على صعوبة القيام بتنفيذ هذا الالتزام، أن أحدا ممن ألف أو قال: إن هذا الحديث متفق عليه، لم يتقيد قط بمثل هذا القيد»، يعني أن يحرص على ألفاظ البخاري، وينظر ما وافقه من ألفاظ مسلم، ويجعل الأولوية لذلك. لكن سيأتي معنا أن هذا، وإن كان هو من الجهة المذكورة حسن، إلا أنه أحيانا من جهة استيعاب الألفاظ ليس كذلك، فكثيرا ما تكون ألفاظ صحيح مسلم، أو من الألفاظ التي يذكرها الإمام البخاري، وليس أكثر، ولكن كثير. ولذلك سيحتاج التنبيه إلى بعض ذلك فيما يمر معنا من أحاديث، إن شاء الله. قال: «ذلك لأن الحافظ ابن حجر، وهو أستاذ الدنيا في علم الحديث، قرر فيما قرر أن المراد بموافقة مسلم للبخاري، موافقته على تخريج أصل الحديث عن صحابيه، وإن وقعت بعض المخالفة في بعض الصياغات»، يعني يريد أن هناك ألفاظ يسيرة تختلف، لكن مراد أهل العلم أن أصل الحديث في الصحيحين، وهم يعلمون أن التقييد بتلك الألفاظ بحذافيرها فيه مشقة. فكون المؤلف هنا يلتزم بألفاظ البخاري، كان فيه معنى من معاني المشقة. قال: «وهذا الإمام النووي، شارح صحيح مسلم، لما وضع كتاب الأربعين النووية، وابتدأه بحديث الأعمال بالنية، وأشار إلى أنه مما اتفق عليه الشيخان، لم يذكر أقرب نصوص البخاري إلى نص مسلم، بل ذكر أول نص أخرجه البخاري في صحيحه، وبينه وبين الحديث الذي أخرجه مسلم بعض المخالفة في الصياغة». وسيأتي معنا معنى أن حديث الأعمال بالنية له ألفاظ كثيرة. قال: «ويجمل بي أن أسرد هنا جميع طرق حديث الأعمال بالنية الذي ابتدأ الإمام البخاري صحيحه به، ليتأثر للمطلع مقارنة هذه النصوص بالنص الذي أخرجه مسلم». أخرج الإمام البخاري حديث الأعمال بالنية في سبعة مواضع: «الأول عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»». قال: «الثاني في كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الأعمال بالنية، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»». وهذا الثاني ذكره بكتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق. قال: «الثالث عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «الأعمال بالنية، والامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»». وهذا كما ترون كذلك مختلف عن اللفظين السابقين. قال: ذكره بكتاب الأنصار، باب هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وصحابته إلى المدينة. قال: «الرابع عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «الأعمال بالنية، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم»». قال: كتاب النكاح، باب من هاجر وعمل خير لتزوج امرأة، فله ما نوى. قالوا: «عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الخامس عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «العمل بالنية، وإنما لمرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»». كتاب الأيمان والنذور، باب النية في الأيمان. قال: «والسادس عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما الامرئ ما نوى، فمن كانت هجرة إلى الله ورسوله، فهجرة إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرة إلى دنيا يصيبها، وامرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»». كتاب الحيل، باب في ترك الحيل. قال: «والسابع عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: «أيها الناس، إنما الأعمال بالنية، وإنما الامرء ما نوى، فمن كانت هجرة إلى الله ورسوله، فهجرة إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»». قال: «وقد أخرج مسلم هذا الحديث بهذه النصوص في كتاب الإمارة، باب قوله، صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية»، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية، وإنما الامرء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»». قال: «هذا النص لا ينطبق إلا على الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، وهو ما مر معنا في الحديث السادس، فهو فيه: «إنما الأعمال بالنية، وإنما الامرء ما نوى»». قال: «هذا العناء الذي يعترضني، ويكاد يقف سدا حائلا دون هذا الالتزام، قد ذل له كتاباي: «جامع مسانيد صحيح البخاري»، و«قرة العينين في أطراف الصحيحين». وللمؤلف، رحمه الله، خدمة عظيمة لكتب السنة، تعرف ذلك من مؤلفاته في الأطراف، وكذلك التخريجات. قال: «فمن الكتاب الثاني أهتدي إلى الأحاديث المتفق عليها، ما إحصائها وحصرها، وهو «قرة العينين في أطراف الصحيحين»». قال: «ومن الأول أقف على النص الذي ألزمنيه الناشر والتزمته، وهو «جامع مسانيد صحيح البخاري»». قال: «أما قيمة كتاب اللؤلؤ والمرجان، فقد قال الإمام تقي الدين أبو عمر عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الشهرزوري الشافعي، المعروف بابن الصلاح، عند ذكر أقسام الصحيح ما يأتي، وهذا ذكره في كتابه المعروف المشهور في علم المصطلح، المسمى بمقدمة ابن الصلاح». قال: «فأولها: صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعا، الثاني: صحيح انفرد به البخاري، أي عن مسلم، الثالث: صحيح انفرد به مسلم، أي عن البخاري، الرابع: صحيح على شرطه، ما لم يخرجه، الخامس: صحيح على شرط البخاري، لم يخرجه، السادس: صحيح على شرط مسلم، لم يخرجه، السابع: صحيح عند غيرهما، وليس على شرط واحد منهما». وبه نعرف أن أول درجات ومراتب الصحة ما اتفق عليه البخاري ومسلم معا، وهذا الذي أخرجه المؤلف ها هنا. قال: «هذه أمهات أقسام الصحيح، وأعلاها الأول، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيرا: «صحيح متفق عليه»، يطلقون ذلك، ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك، وحاصل معا لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول». ولأهل العلم اختلاف في تفسير هذه اللفظة، وهي «متفق عليه». فبعضهم يجعلها لاتفاق الألفاظ، وبعضهم يجعلها لإخراج أصل الحديث في الصحيحين. والصحيح أن هذه اللفظة تختلف بحسب اختلاف موردها، فأحيانا، وهذا هو الغالب الأكثر، يريدون به ما حصل فيه الاتفاق لألفاظ البخاري ومسلم في الحديث، فيقال: «متفق عليه». وأما الاختلاف اليسير في بعض الألفاظ، فهو غير مقصود، ويتسامح به. وأما إذا قالوا: «أخرجه البخاري ومسلم»، فإنهم في الغالب يريدون به ما أخرج أصل الحديث فيه، مع اختلاف كثير في ألفاظ الحديث عند البخاري ومسلم، فيكون «أخرجه البخاري ومسلم» ليس في توافق الألفاظ مثل «متفق عليه». وأحيانا يتسامحون، فيعبرون بهذا أو هذا لكلا المعنيين. وأما قوله: «أن ما اتفق عليه هو اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة»، يريد بذلك أن اتفاق لفظ البخاري ومسلم هو خاص بهما، وليس المراد به اتفاق الأمة على التصحيح، ولكن قال: ذلك يصلح ويحصل باللازم، يعني إذا كان البخاري ومسلم أصح الكتب، فما اتفق عليه لازم منه أنه اتفقت الأمة على تصحيحه، لأن الأمة اتفقت على أن البخاري ومسلم أصح كتب الحديث. فإذا اتفاق الأمة على التصحيح تابع لأصل اعتقادهما أن ما في البخاري ومسلم أصح الأحاديث. قال: «رحمه الله: لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفق عليه بالقبول، وهذا هو المشار إليه قبل قليل». قال: «وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به»، يعني ما اتفق عليه البخاري ومسلم. والصحيح أن الحديث الذي يفيد العلم اليقيني النظري، ليس من شرطه أن يكون متواترا، ليس من شرطه أن يكون متواترا، بل ولو كان آحادا إذا احتفت به القرائن، فهو كذلك. وهذا يدل أن هذا الإمام، وهذا الحافظ الجامع، هو على هذا المعنى، فهو يرى الآن كما ترون أن ما اتفق عليه البخاري ومسلم يفيد العلم اليقيني النظري، ما أن بعضه من الآحاد، كحديث: «إنما الأعمال بالنية»، على سبيل المثال. قال: «ولا أعلم كتابا جمع فيه مؤلف الأحاديث المتفق عليها، إلا كتاب «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم»، لإستاذنا المرحوم الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي». وأهل العلم ينتقدون التعبير بالمرحوم. فالله أعلم من رحمه الله، ومن لم يرحمه. لكن يقال: من باب الدعاء، مثلا: «فلان رحمه الله». أما «المرحوم» صيغة فيها نوع من الجزم، لا يليق ذلك بما ينبغي أن يكون عليه المسلم من التأدب بالآداب الشرعية في مثل هذا المقام، مما يوافق الشرع. فالأولى والأحوط أن يقال: «فلان رحمه الله». وأما «المرحوم» فهذا جزم بالرحمة، وليس كذلك، يعني ليس لأحد أن يكون عنده الحكم بالجزم لأحد، بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء. قال: «ولكنه لم يستوفي فيه جميع المتفق عليه، بلفظ «كان» و«نهى»، وحديث المصدر بلفظ «نها»، فكان عدد جميع أحاديث الكتاب ثمانون وستون وثلاثمائة وألف حديث». وهذا إشارة منه إلى أن هذا المعنى قد ألف قبله، ولكنه لم يستوعب، أي جمع أحاديث الصحيحين المتفق عليها. فبعضهم جمع كهذا الشيخ المشار إليه، ولكنه تحاشى لفظ «كان» و«نهى»، لأن هذا الباب فيه أحاديث كثيرة، وربما يصعب حصرها. قال: «وقد قال الإمام النووي في شرح مسلم ما يأتي، فصل: إذا قال الصحابي: «كنا نقول أو نفعل أو يقولون أو يفعلون كذا»، أو «كنا لا نرى أو لا يرون بأسا بكذا»، اختلفوا فيه». فقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: «لا يكون مرفوعا، بل هو موقوف». والأصل إن لم يضفه إلى زمن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فليس بمرفوع، بل هو موقوف. وإن أضافه، فقال: «كنا نفعل في حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، أو في زمنه، أو وهو فينا، أو بين أظهرنا، أو نحو ذلك»، فهو مرفوع. وهذا هو المذهب الصحيح الظاهر، فإنه إذا فعل في زمنه، صلى الله عليه وسلم، فالظاهر اطلاعه عليه وتقريره إياه، صلى الله عليه وسلم، وذلك مرفوع. وقال آخرون: «إن كان الفعل مما يخفى غالبا، كان مرفوعا، وإلا كان موقوفا». وبهذا قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، الشافعي. والله أعلم. وأما إذا قال الصحابي: «أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا»، أو «من السنة كذا»، فكله مرفوع على المذهب الصحيح، الذي قاله الجماهير من أصحاب الفنون. وفي هذا إشارة منه إلى أن مثل هذا المعنى من الأحاديث لا ينبغي أن تترك، لأن الكثير منها من الأحاديث المرفوعة. وهذا على أن بعض أهل العلم ترك مثل هذه الأحاديث، لما أشار إليه النووي، رحمه الله، إذ ظنوا أن هذا ليس من المرفوع. والصحيح التفصيل كما أشار. ويضاهي تنبيه آخر، وهو أن بعضهم لم يلحق مثل هذه المعاني في كتابه، ليس فقط لأجل أنها لا تدخل في معنى المرفوع، ولكن كذلك ربما لكثرتها، ولقلة القدرة في استيعاب ألفاظها. فهذان معنيان ربما لأجلهما ترك مثل هذا النوع من الأحاديث. والصحيح كما قال. وقال السيد جمال الدين القاسمي في «قواعد التحديث»: قال الإمام تقي الدين بن تيمية في بعض فتاويه: «الحديث النبوي هو عند الإطلاق ينصرف إلى ما حدث به عنه، صلى الله عليه وسلم، بعد النبوة، من قوله وفعله وإقراره، ومن إقراره: «كان» و«نهى»، و«كنا» و«نهينا»، فإنه كله من معنى التقرير». قال: «ومن هنا كان الفرق بين عدد الأحاديث التي جمع مؤلف كتاب «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم»، وقدرها ثمانون وستون وثلاثمائة وألف، وبين عدد أحاديث اللؤلؤ والمرجان، وقدرها ستة وألفين». فدونك أيها القارئ كتابا أحصى جميع الأحاديث التي هي في أعلى درجة من درجات الصحة، فأحرز نفسك في حرزه، واجدد يديك بغرزه. ومعناه: كان فيه زيادة عدد كبير، يستدعي الاعتناء بما في هذا الكتاب. قال: «ربنا آمنا بما أنزلت، واتبعنا الرسول، فاكتبنا مع الشاهدين» [آل عمران: 53]، «وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم». وبهذا يكون انتهى من المقدمة. ونقرأ عليكم شيئا من ترجمة هذا الشيخ، لتعرف ما جمعه، وما كانت فيه بعض بحوثه. وهذا منقول هذه الترجمة من «الأعلام» للزركلي. قال: «عبد الباقي هو محمد فؤاد بن عبد الباقي بن صالح بن محمد، عالم بتنسيق الأحاديث النبوية، هو وضع الفهارس لها، ولآيات القرآن الكريم، مصري الأبوين، ولد في قرية بالقليوبية، ونشأ في القاهرة، ودرس في بعض مدارسها، ثم عمل مترجما عن الفرنسية في البنك الزراعي، وانقطع إلى التأليف، وضعف بصره إلى أن كف قبيل وفاته، وتوفي بالقاهرة، كان صائم الدهر، قوي العزيمة، ترجم «مفتاح كنوز السنة» عن الإنجليزية في خلال درسه لها، يعني درسه لهذه اللغة، وتفصيل آيات القرآن الحكيم عن الفرنسية، وصنف «تيسير المنفع بكتابي مفتاح كنوز السنة والمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم»، و«اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم»، ثلاثة أجزاء، و«معجم غريب القرآن»، و«فهرس موطأ الإمام مالك»، و«سنن ابن ماجة»، و«صحيح مسلم»، وأضاف إليها شروحا، وخرج الأحاديث والشواهد الشعرية في كتاب «شواهد التوضيح والتصريح» لابن مالك، وخرج أحاديث «الأدب المفرد» للبخاري، وله «جامع الصحيحين»، و«طراف الصحيحين»، و«جامع المسانيد»، و«المسلمات المؤمنات ما لهن وما عليهن من كتاب الله والحكمة»، وأشرف على تصحيح «محاسن التأويل»، سبعة عشر جزءا، للسيد جمال الدين القاسمي، وكان يقول الشعر في صباه، يعني في صغره». وبهذا تعرف أن له جهودا كثيرة في السنة، وفهارسه إلى يومنا هذا، وهي يرجع إليها. طيب نقف إلى هنا، ونبتدي القراءة في متن الكتاب، إن شاء الله، في درس لاحق. والله تعالى أعلم. هذا سائل يقول: هل هناك ترجمة مختصرة للمؤلف محمد فهد عبد الباقي؟ لعل الجواب أتاك. فقرأنا ترجمة مختصرة من كتاب الزركلي يقول: «إذا ولدت المرأة مولودا من الزنا، هل يجوز أن ينسب لذلك الزاني؟ وهل يكون الزاني محرما لهذا المولود إن كان أنت؟ وهل يتوارثان؟». الجواب: لا يجوز نسبة هذا المولود إلى ذاك الزاني، «الولد للفراش، وللعاهر الحجر». والزنا ليست علاقة تثبت به نسبا، أولا لأن الشرع قضى بذلك: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر». وثانيا كما قال أهل العلم: الشرع يقوم للمعاني العامة التي تحفظ بها الأعراض والأنساب. فهذه المرأة التي مكنت نفسها من هذا الرجل الزاني، ما أدراه أنها لم تمكن نفسها من رجال قبله؟ فالله أعلم: هو له أو لغيره؟ وربما بعض النساء إذا فسدت، ما تعرف هذا الرجل: ابن من؟ لعظم فسادها. فلهذا ولغيره لا يجوز نسبة هذا الولد الذي جاء من الزنا لمن ظن أنه ولده، ولو قالت المرأة: أجزم أنه هو، هي أصلا لا تقبل شهادتها، هي فعلت كبيرا من الكبائر، تستوجب الحد في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فكيف يصدق قولها أو يقبل؟ وهل يكون الزاني محرما؟ لا، ما يكون محرما، ولا يجوز أن يكشف على هذه البنت، ولو زعم أنها بنته من الزنا، ولا يجوز له أن يتزوجها، لمظنة أن تكون ابنته، وقد جاء في قصة سودة نحو ذلك. وهل يتوارثان؟ الجواب: لا يتوارثان. طيب لهنا، إن شاء الله.