كتاب البيوع  2

كتاب البيوع 2

الدرس في كتاب البيوع 2، الدرس الثاني:من( من الحديث الحادي والتسعون بعد المائتين إلى ... وله الحمد والمنة والحمدلله الذي أعز بهم الإسلام ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث سعد بن أبي وقاص

يبدأ الشرح بحديث سعد بن أبي وقاص حيث جاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده وتحدث عن التصدق بجزء من ماله. أجازه النبي للتصدق بالثلث.

تفصيل في ألفاظ الحديث ومعانيها

يتناول الشرح ألفاظ الحديث وتوضيح معانيها مثل "الشطر" و"كثير" مع مناقشة الروايات المختلفة والآراء النحوية حول بعض الألفاظ.

بيان حكم المهاجرين والبقاء في البلد الأصلي

يشرح الحديث عن المهاجرين ومدى جواز بقائهم في البلد الأصلي بعد الهجرة، ويبين شروط النهي عن البقاء أكثر من ثلاث أيام.

دعاء النبي لأصحابه وفضل الهجرة وتتمة الكلام

دعا النبي لأصحابه بقبول هجرتهم وثباتهم على دينهم، واستجاب الله لدعائه. يشير إلى اكتفاء المؤلف بالحديث حتى هذه النقطة مع متابعة الموضوع لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الحادي والتسعون بعد المئتين، قال: عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك». قال: «فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم امض لأصحاب هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث كتاب الوصاية أو باب الوصاية، وهو بهذا اللفظ ليس في البخاري ولا في مسلم، فليس في لفظ البخاري ولا مسلم: «جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني»، ولكن ذكر ذلك صاحب الجمع بين الصحيحين. وليس هو كذلك في الصحيحين ولا في أحدهما، وهكذا تبعه كثير ممن ألف في الأحكام. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام مسلم. وقد ذكر معناه صاحب الجمع من الصحيحين في أفراد مسلم. وقد خرجه مسلم في الموضع المشار إليه في التعليق. قال مسلم رحمه الله: حدثني يحيى بن يحيى التميمي، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: «عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم» فذكر الحديث، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب قوله: «الشطر»، يجوز جره بالعطف على «ثلثي»، يعني في قول النبي صلى الله عليه وسلم له حين قال أولا: «أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر»، يعني أفأتصدق بشطر مالي، فهو معطوف على الجملة الأولى في قوله: «بثلثي»، فيكون هناك محذوف، كأنه قال: «فبالشطر يا رسول الله»، فهو معطوف على «ثلثي». قال الشطر يجوز جره بالعطف على ثلثي، وبيّن الزمخشري أنه يجوز نصبه على تقدير فعل محذوف هو عامل نصبه، أي أعين. ويطلق على معاني منها النصف، وهو المراد هنا. يعني له وجهان: إما أن يكون معطوفا على المجرور وهو قوله: «بثلثي»، وإما أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره: «فأعين الشطر يا رسول الله». لكن قد يقول قائل: رأيناه ها هنا مرفوعا، ليس بمنصوب ولا كذلك مجرور. الجواب: يجوز هذا كذلك على أنها جملة جديدة لا تعلق لها بما قبلها. وقوله: «ويطلق على معاني»، يعني لفظ «الشطر»، فـ«الشطر» يطلق ويراد به الجهة، ويراد به النصف، والمراد هنا النصف. ولهذا قال: «منها النصف وهو المراد هنا». قال: قوله: «كثير» بالثاء المثلثة في أكثر روايات الحديث، وهو المحفوظ. هكذا ذكر رحمه الله أنه في أكثر روايات الحديث. وأما قوله: «وهو المحفوظ»، فمفهومه أن لفظة «كبير» ليس بمحفوظ. والصحيح أن كلا هما صحيح محفوظ، صح «كبير» وصح «كثير»، كله صحيح. قال: قوله: «أن تذر» بفتح الهمزة على التعليل، وبكسرها على الشرطية. يعني يجوز هذا ويجوز هذا: «إنك أن تذر» أو «إنك أنتذر»، يجوز هذا وهذا، فبالفتح على التعليل وبالكسر على الشرطية. قال: قال النووي: هما صحيحان. ورد بعضهم الكسر لعدم صلاحية جوابه، إذ لا فاء فيه. يعني لا بد أن يكون الجواب جواب الشرط بالفاء في الجملة الاسمية. قال: وابن مالك يرى أن «خير» هو الجواب، والفاء مقدر، والمعنى: «فهو خير». وهذا وجه يجوز، بالجملة الاسمية أن تحدف الفاء بحذف ما بعدها، يكون ليس المحذوف فاء وحدها، لكن محذوف مع الفاء كذلك المبتدأ، فيكون التقدير: «فهو خير». قال: قوله: «عالة» جمع عائل، والعالة الفقراء، من «عال يعيل» إذا افتقر. والعيلة الفقر. وقد يطلق ويراد بهم من يفتقرون إلى النفقة. ولهذا سمي الأولاد الذين يحتاجون إلى نفقة وليهم «عيالا» لأنهم متعلقون به. قال: قوله: «يتكففون الناس» مأخوذ من الكف اليد، أن يسألون الناس بأكفهم. وهي عبارة المقصود منها السؤال، فصار في ذكر لفظ «الكف» إشارة إلى معنى المسألة. وهذا من سعة هذه اللغة، لغة القرآن. قال: قوله: «سعد بن خولة» نسب إلى أمه، وهو قريش عامري من جماعة أبي عبيد بن الجراح. وقيل: فارسي من اليمن، حالف بن عامر، فيكون نسبته إلى بن عامر من قريش بالحلف، وليس بالنسب. وسواء كان هذا أو هذا، فهو معدود من القرشيين. قال: بدري من فضلاء الصحابة، توفي بمكة في حجة الوداع، كانت تحته سبيع بنت الحارث، فتوفي عنها وهي حامل. وقد رثى له النبي صلى الله عليه وسلم لأنه توفي في البلد التي هاجر منها، فدعا صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يتم لهم هجرتهم. وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه أن لا يقعد أكثر من ثلاث في مكة بعد انقضاء حاجتهم، فلا يجوز لمن هاجر من بلد ما الهجرة الشرعية أن يتأخر فيها أكثر من ثلاثة أيام، يعني بعد انقضاء حاجته. فإذا دخل بلدا لحاجة مثلا علاج أو زيارة قريب مريض، فإذا انتهت الحاجة، فيحسب ثلاثة أيام لا يزيد على ذلك. قعد النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفتح قرابة تسعة عشر يوما، وفي حجة الوداع بضعة عشر يوما كذلك. واستدل العلماء بهذا أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البقاء أكثر من ثلاث مشروط بعد انقضاء الحاجة. فلو أن إنسانا هاجر من بلد ما هجرة شرعية، ثم رجع إليها لغرض من الأغراض الذي يؤذن لمثله الرجوع فيه، كان يكون رجع مثلا لعيادة قريب، فاحتاج ذاك الأمر أن يبقى مثلا ثلاثة أشهر، فهذا لا ينافي هجرته ولا يبطلها. لكن انقضت فإذا انقضت، فإنه لا يقعد أكثر من ثلاث. قد يقول قائل: اليوم في هذا الزمان ليس الأمر كزمن النبي عليه الصلاة والسلام، فأنت تحتاج إذا عزمت على السفر أن تبحث عن رحلة، وأن تبدأ بمعاملة وتقدم أوراقك ونحو ذلك، وهذا ربما يأخذ أكثر من ثلاثة أيام. الجواب: كل هذا يعذر فيه الإنسان. ولهذا كما سيأتي معنا إن شاء الله أن المهاجر إذا حصل له تأخير بغير تفريط فهو معذور فيه. ولهذا حمل بعضهم هذا الحديث وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رثائه لسعد بن خولة قبل بلوغ الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإعذار المهاجرين فيما إذا كان لهم عذر. قال رحمه الله تعالى: مرض سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في حجة الوداع مرضا شديدا خاف من شدته الموت، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم كعادته في تفقد أصحابه ومواساته إياهم. وهذا دليل من أدلة كثيرة تدل على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أصحابه هذا الخلق العظيم الذي هو من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام الكريم الذي كان على خلق عظيم، وأمر الناس أن يقتدوا به. قال: فذكر سعد للنبي صلى الله عليه وسلم من الدواعي ما يعتقد أنها تسوغ له التصدق بالكثير من ماله. وهذه الدواعي كونه ليس له من يرثه إلا ابنة واحدة، فبين النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا أنه لا ينبغي أن يدعها قليلة المال. قال: ثم خاف سعد أن يموت بمكة التي هاجر منها وتركها لوجه الله تعالى، فينقض ذلك من ثواب هجرته أو فينقص. فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يخلف قهرا في البلد التي هاجر منها فيعمل فيه عملا ابتغاء ثواب الله إلا ازداد به درجة. قال: فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ثم بشره صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنه سيبرأ من مرضه وينفع الله به المؤمنين ويضر به الكافرين، فكان كما أخبر الصادق المصدوق، فقد برئ من مرضه وصار القائد الأعلى في حرب الفرس، فنفع الله به الإسلام والمسلمين، وضر به شرك المشركين. ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعموم أصحابه أن يحقق لهم هجرتهم وأن يقبل منهم وأن لا يردهم عن دينهم أو عن البلاد التي هاجروا منها، فقبل الله تعالى منه ذلك، وله الحمد والمنة. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.