الدرس في كتاب البيوع 3، الدرس الثالث:من( ما يستفاد من الحديث.نأخذ الأحكام من الحديث ... بسبب عزمهم الصادق ودعوات النبي صلى الله عليه وسلم المباركات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يستخرج الشارخ أحكامًا من الحديث تشمل استحباب عيادة المريض والوصية بالثلث أو أقل. يُبين أهمية استشارة العلماء في الأمور الهامة.
يتناول المقطع أحكام الوصية والإنفاق، مشيرًا إلى استحباب الوصية عند وجود المال الكثير واحتساب النية في الواجبات المالية. يُبين أن النفقة على الأولاد والزوجة عبادة جليلة.
يُناقش المقطع أهمية الهجرة من بلاد الكفر ويُحذِّر من البقاء فيها لما فيه من مخاطر. يُشير إلى أن النية الصادقة في الهجرة تؤجر حتى لو لم تتم.
يتحدث المقطع عن أهمية عدم العودة إلى الذنوب بعد التوبة، مشيرًا إلى أن من تمام التوبة الابتعاد عن الأسباب التي أدت إلى الخطأ.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال نأخذ الأحكام من أول الحديث. قال أولًا: استحباب عيادة المريض، وتتأكد لمن له حق من قريب وصديق ونحوهما. ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم زار سعدًا رضي الله عنه. وقد مر معنا مثل هذا في حديث جابر بن عبد الله قريبًا، وله نظائر كثيرة في فعل ذلك، وأنه من حقوق المسلمين ومن آداب نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام وخلقه العظيم. قال ثانيًا: جواز إخبار المريض بمرضه وبيان شدته إذا لم يقصد التشكي والسخط. ولهذا فرق العلماء بين أن يتكلم المريض على وجه التسخط والتشكي، فإنه لا يجوز وينافي الصبر مع البلاء، وبين أن يحدث يريد به إما طلب الشفاء بذكر الداء كما يفعل المريض مع الطبيب، يذكر الداء ليعرف الطبيب المناسب من الدواء، فليس هو من باب التشكي. فأنت تقول: يوجعني هنا، ويوجعني هنا، وعندي كذا، وعندي كذا. أنت لا تريد بهذا رد القضاء، ولا التشكي للخلق، ولا التسخط وعدم الصبر. وأما إذا كان على وجه التشكي والتسخط وعدم الصبر، فهو لا يجوز؛ لأنه منافي لما يجب أن يكون عليه المسلم من الصبر عند البلاء. حتى إنه روي عن بعض الأئمة أن أنين المريض الذي يصدره بإرادته من التشكي. أنينه الذي يصدره بإرادته، وإذا كان بغير إرادته فهو معذور فيه. قد تخرج أصوات من المريض بغير إرادته، هذا هو فيه معذور. وأما إذا كان بإرادته، فهذا مع ما فيه من عدم الصبر مع البلاء، فهو كذلك خلق ذميم يدل على الجبن وضعف وعجز. ولهذا حتى أقرباء المريض يملون منه إذا صار كثير الأنين، يمرون ويرجعون وهو يصيح: آه، آه، ونحو ذلك. وإذا رأى أحدًا قادمًا زاد الصوت، زاد الصوت. فمثل هذا خلق ذميم وضعف وخور لا ينبغي أن يكون عليه خلق المؤمن. بل المؤمن يصبر ويحتسب هذا الصبر عند الله سبحانه وتعالى. وأما ما يصدر من صوت بغير إرادة الإنسان من شدة ألم أو مع فقدان وعي أو غير ذلك، فهذا لا يؤاخذ عنه الإنسان. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا وأخطأنا. وقد قال الله عز وجل: ﴿قَدْ فَعَلْتُ﴾، ﴿وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال رحمه الله تعالى: وها هنا أخبر سعد لأجل السؤال، فكذلك يجوز إذا كان للسؤال. تقول مثلًا: أنت تريد أن تستفتي من أجل الطهارة، من أجل الصلاة، من أجل غير ذلك مما تحتاجه. فتقول: ينزل مني كذا، يقع فيي كذا، يحصل لي كذا، فماذا أصنع؟ ماذا أفعل؟ هذا ليس من باب التشكي، لا بأس. وهذا ها هنا منه من باب الاستفتاء. قال رحمه الله تعالى: إذا لم يقصد التشكي والسخط، وينبغي ذكره للفائدة كطبيب يعينه على تشخيص مرضه، أو مسعف يتسبب له العلاج. قال الثالث: استشارة العلماء واستفتاؤهم في أموره. فالنبي صلى الله عليه وسلم إمام العلماء، والعلماء ورثة الأنبياء. فبعد موت النبي عليه الصلاة والسلام يسأل من عنده علم من علم النبوة، فيحتاج المريض أن يسأل، لا بأس. الرابع: قال: إباحة جمع المال إذا كان من طرقه الشرعية؛ لأنه قال: «وأنا ذو مال». وفيه أن جمع المال على الوجه المباح مما أذن الشرع فيه، فلا ينسى جمع ذلك، خصوصًا إذا كان من طريق الحلال، ولا يوقعه في الحرام، ولا يصرفه عن طاعة الله بأنه من الدنيا أو أنه كذلك دنيوي أو محب الدنيا. لا، بل كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يفعلون ذلك. وقد قال سعد: «دلوني على السوق». ولكن «دلوني على السوق، واليد العليا خير من اليد السفلى». والأحاديث في فضل الاكتساب والأكل من كسب يد الإنسان كثيرة. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب المثل بالأنبياء أنهم كانوا يأكلون من كسب أيديهم. قال خامسًا: استحباب الوصية، وأن تكون بالثلث من المال فأقل، ولو ممن هو صاحب مال كثير. يعني صاحب المال الكثير ليخرج الثلث فأقل. فإذا كان كذلك فصاحب المال القليل يقتصد. بل لو لم يخرج وتركها صدق لورثته لكان أحسن. وفيه كذلك إشارة إلى استحباب الوصية المستحبة عند وجود المال الكثير الذي لا يضر معه بالورثة، أي إخراج الوصية. قال السادس: الأفضل أن يكون بأقل من الثلث، وذلك لحق الورثة؛ لما سمعنا في الحديث أنه كثير وكبير. قال السابع: أن إبقاء المال للورثة مع حاجتهم إليه أحسن من التصدق به على البعداء؛ لكون الوارث أولى ببره من غيره. ولهذا جاء نسخ آية الإذن بالوصية للوارث كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نسخ ذلك. كان مما أنزل: «انترك خيرًا للوالدين والأقربين». الوصية للوالدين والأقربين كانت مشروعة وجائزة في أول الإسلام، ثم نسخ هذا الحكم بعد أن نزلت آية المواريث، وصار لا يجوز أن يوصي الرجل للوارث. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا وصية لوارث». ولهذا صار لا حاجة لإخراج الوصية للأجنبي إذا كان المال قليل؛ لأن صدقته على ورثته بما قسم الله واحتسابه لذلك أعظم من إخراج المال بالوصية للأبعدين. قال الثامن: أن النفقة على الأولاد والزوجة عبادة جليلة مع النية الحسنة. يعني لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى ما تجعل في في امرأتك». فإن قوله: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك». يدل أن النفقة على الأولاد والزوجة وما كان بمعناه إذا احتسب الإنسان الأجر والثواب فيها، فهو يؤجر عليها بنية الحسنة. وفي هذا إشارة إلى أهمية احتساب النية حتى في الواجبات. قال: وذكر ابن دقيق العيد أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية في ابتغاء وجه الله. وهذا دقيق عسر؛ لماذا؟ لأن ليس كل الناس عنده هذا الاحتساب. ولو ادعى هذا الاحتساب بلسان المقال، ربما لسان الحال يكذبه. كيف؟ بتسخطه وبمنه. فالمن يبطل الصدقة. المن يبطل الصدقة إذا كان يمن على زوجته وعلى أولاده وعلى من ينفق عليه كوالديه مثلًا، فهذا المن يبطل عليه الصدقة. قال: لأنه معارض بمقتضى الطبع والشهوة. مقتضى الطبع الغفلة عن مثل هذا الاحتساب، والشهوة البخل والشح. ولهذا يحصل كثيرًا عند من قل علمه ودينه: المن بالصدقة والمن بالإنفاق، والبخل كذلك في الإحسان؛ لأن الشهوة شهوة النفس الأمارة بالسوء تدفعه إلى هذه الأخلاق الذميمة. والكريم من أكرمه الله بالأخلاق الكريمة الكاملة. وعلى الإنسان أن يربي نفسه، وهذا من فوائد تعلم العلم أن يهذب المسلم نفسه بهذا العلم. ومن ذلك أن يربيها على الأخلاق الكريمة الحسنة، ومنها هذا الباب. قال: فلابد من أن يمازجه ذلك عند معظم الناس. صدق رحمه الله لكثرة الجهل وقلة العلم مع قلة الدين إلا من رحم الله. قال: ثم بيّن رحمه الله أن الواجبات المالية إذا أديت على وجه أداء الواجب وابتغاء وجه الله، لا أثيب فاعلها وإن أشربت نيته مع إرادة وجه الله الرغبة في أداء الواجب. يعني لا ينافي ذلك. فالجمع بين النيتين مطلوب. قال: وشاركه الصنعاني في استدلاله ببعض أحاديث الجهاد مما رواه الشيخان. وذلك أن صاحب الخيل الذي يرتبطها في سبيل الله يثاب إذا مر بها راكبها على نهر ولم يرد أن يسقيها فشربت. إذا احتسب الإنسان أصل العمل، فهو يثاب حتى ولو لم يحتسب تفاصيل الأعمال. ننتبه لهذا. ليس شرط أن تحتسب تفاصيل الأعمال، يكفي أن تحتسب أصل العمل. وإذا احتسبت تفاصيل الأعمال أجرت أكثر. لكن يكتب لك الأجر ما دمت قد احتسبت أصل العمل. فحتى لو شربت من النهر ولم يدري هذا الإنسان فشربها له فيه أجر. بل وروثها له فيه أجر، وكذلك جريها ورجوعها وذهابها، كل ذلك له فيه أجر. قال: ومن ذلك إنفاق الرجل على زوجته، فإنه مثاب عليه مع أنه واجب يؤديه. بل إنه يثاب على مجامعتها كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، أفرأيت إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟» فكذلك يعني إذا وضعها في الحلال. قالت آسيا: أن من هاجر من بلد لوجه الله تعالى ولإعلاء كلمته، فلا يرجع إليها للإقامة. فإن أقام بغير قصده، فلا حرج عليه. ومعنى بغير قصده: إما لقصد مشروع. فمثلًا من هاجر من مكة من الصحابة رجع لأجل الحج والجهاد. يوم الفتح دخلوا للفتح، ويوم دخلوا للحج دخلوا للحج. فدخولهم بهذا القصد لا ينافي هجرتهم. ومثله لو جاء لزيارة مريض أو بر أو نحو ذلك. بل حتى للعمل، لو جاء. خرج الإنسان من بلد ما مهاجرا، ثم ضاق به الحال فلم يستطع أن يعمل إلا في البلد الذي هاجر منه. الضرورات تبيح المحظورات. يرجع فيعمل بقدر حاجته، فإذا انقضت حاجته عجل بالخروج. ومن باب أولى إذا كان لزيارة مريض أو نحوه. وإن قدر أنه مات في تلك البلاد أو صار له شيء، فإنه يؤجر. بل له الأجر مرتين: أجره أولًا على هجرته وحرصه على إبقائها كاملة سليمة ما دام صادقًا في ذلك الحرص. وكذلك كونه مات في تلك البلاد التي هو يكره الموت فيها، واجتهد على أن لا يموت فيها يؤجر على هذه النية كذلك. وهنا تأتي شبهة لبعض الناس الذين يريدون الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام بأنه لو نوى الهجرة يخشى أن لا تستمر له هذه الهجرة، فأكثر البلاد ضيقت فيها الأحوال على المسلمين، فماذا يصنعون إذن؟ قالوا: حتى لا نقع في المحذور لا حاجة أن نهاجر. نخرج بنية طلب العلم أو نخرج بنية العمل أو نخرج بنية البقاء في البلاد الأحسن حالًا، ولا ننوي الهجرة حتى لا يلحقنا شيء. وهذا خطأ؛ لأنه أولًا منافي للأحاديث الكثيرة التي جاءت في الأمر بالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. بل ومن بلاد كما نص العلماء البدعة إلى بلاد السنة، ومن بلاد المعصية إلى بلاد الطاعة. وقصة الرجل الذي أمر بأن يترك أهل بلده لأنه في بلدة سوء إعانة له على التوبة. قاتل المئة نفس أكبر دليل وبرهان على هذا. ثم هو ثانيًا مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما. فكيف له بعد سماع هذا الحديث يرضى لنفسه أن يبقى؟ لأن الكثير من الناس في الحقيقة بعد سماع مثل هذه الشبهة يتقاعص عن الخروج من بلاد الكفر. وهذا هو الواقع، وربما بعضهم يمني نفسه، والقليل من يسلم. فإذا حصل التقاعص ماذا يكون حال المسلم؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء...» لماذا؟ لأن المسلم الذي يبقى بين ظهراني المشركين قل أن يسلم. قل أن يسلم من آثار هذا الشرك وكذلك الكفر. فالحياة في بلاد الكفر حياة عيسى. مليئة بالمخالفات والفتن والشبهات والشهوات. ولهذا يصح تطبيق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يمسي مسلمًا ويصبح كافرًا، يصبح كافرًا ويمسي مؤمنًا». بما يكون من كثرة الفتن: فتن الشهوات وفتن الشبهات. لكن إذا خرج سلم نفسه وذريته من هذه الفتن. فلذلك يحرص المسلم، وبعد ذلك إذا أكره أو صار له ما يمنعه، فربنا: «لا تأخذنا إن نسينا وأخطأنا، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به». وهذا ليس له طاقة به. وهكذا لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وقد سبق معنا في الحديث أنه يكتب له من الأجر ما دام ابتغى وجه الله: «إنك لن تخلف». فتعمل عملًا صالحًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ما دمت حريصًا وصادقًا. حتى لو أكرهت فأرجعت إلى بلدك، فأنت مأجور إن شاء الله. والله سبحانه يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. قال عاشرًا: في الحديث معجزة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أشار إلى أن سعدًا سيبرأ من مرضه وينتفع به أناس ويضر به آخرون، فكان كما قال. حيث فتح بلاد فارس وعز به المسلمون، وانضر به المشركون الذين ماتوا على شركهم. وهذا ظاهر. قال الحادي عشر: أن الله كمل للصحابة هجرة من مكة إلى المدينة بسبب عزمهم الصادق ودعوات النبي صلى الله عليه وسلم المباركات. وذلك أنهم كلهم وفقوا لإتمام الهجرة وحصول هذا الأجر. هذا مع أن مكة صارت بلاد ماذا؟ بلاد إسلام. فكيف يكون حال الإنسان الذي يعرف أن البلد التي هاجر منها أو الذي هو فيها بلاد كفر؟ كيف تطيب نفسه أن يرجع إليها أو أن يبقى فيها؟ والنبي عليه الصلاة والسلام قد دعا لأصحابه أن يمضي الله لهم هجرتهم ويكتب لهم أجرهم، مع أن مكة صارت بلاد إسلام. مع أن مكة صارت بلاد إسلام. وكما قال العلماء: هذا لأجل أن يكون فيه سد الدرائع المفضية للرجوع إلى بلاد الكفر، وحماية المسلم مما قد يكون فيه فتنته في الرجوع إلى ذلك. حتى لو صارت بلاد إسلام، فللإنسان ماضي سيحء في هذه البلاد. وهذا الماضي السيء قد يكون سببًا في انتكاسته أو فتنته أو لضرر به. ومن تمام وإكمال الإسلام والتوبة أن لا يرجع الإنسان إلى المكان الذي حصل له فيه ما ينافي ذلك. طيب، إلى هنا. والله تعالى أعلم.