التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين  15

التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 15

الدرس الخامس عشر:من( يقول رحمه الله:ولما دنا التوديع منهم وأيقنوا*بأن التداني حبله متصرم ... يكون في هذا الحال قلبه معلق بالبيت وأشواقه لا تتعداه ولكن لا بد من الفراق ).

وصف حال الحاج عند طواف الوداع

يصف الشيخ أبيات الإمام ابن القيم التي تصور حال الحاج عند طواف الوداع، حيث يكون قلبه معلقًا بالبيت الحرام. يشير إلى أن المؤلف وفقه الله لوصف هذه الحالة بفضل الله وتوفيقه.

مشاعر الحجاج عند الوداع وتعبيرهم عنها

يصف الشاعر مشاعر الحجاج عند وداع البيت الحرام، حيث تتساقط دموع الفرح والحزن وتشتعل المحبة في قلوبهم. يفسر المؤلف أبيات شعرية تعبر عن مشاعر الشوق والحزن عند الوداع.

تحقيق حب الصالحين لبلاد الأفراح ومعانيه

حب الصالحين لبلاد الأفراح يحقق لهم معاني الفرح وأعظم في الدنيا والآخرة، بقدر صفاء قلوبهم وصدق أعمالهم. يفرحون بحظوظ الدنيا والآخرة نتيجة لذلك.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخنا، رحمه الله تعالى: قال الإمام ابن القيم، رحمه الله، في قصيدته الميمية: ولما دنا التوديع منهم وأيقنوا بأن التداني حبله متصرم ولم يبق إلا وقفة لمودع فلله أجفان هناك تسجم ولله أكباد هناك أودع الغرام بها فالنار فيها تضرم ولله أنفاس يكاد بحرها يذوب المحب المستهام المثيم فلم تر إلا باهتًا متحيرًا وآخر يبدي شجوه يترنم رحلت وأشواقي إليكم مقيمة ونار الأسى مني تشب وتضرم أودعكم والشوق يثني أعنتي وقلبي أمسى في حماكم مخيم قال: الله أكبر، فإن هذا تصوير عجيب لحال الإنسان عند طواف الوداع، وكيف يكون في هذه الحال قلبه معلقًا بالبيت وأشواقه لا تتعداه، ولكن لا بد من الفراق، وهي أبيات عجيبة عظيمة يصوّر فيها المؤلف، رحمه الله تعالى، حال الحاج. وهكذا كذلك في الغالب يكون مثله المعتمر والزائر لمن وفقه الله لزيارة بيته الحرام، فإنه حال رحيله تقع عليه مثل هذه الأوصاف. والمؤلف، رحمه الله، وفقه الله سبحانه وتعالى توفيقًا عظيمًا في وصف حال الناس على هذه التفاصيل التي ذكرها. يتعجب القارئ والسامع كيف يسر الله عز وجل وسهل حتى استطاع أن يدرج مثل هذه المعاني في هذه الألفاظ، وفي مثل هذا الشعر. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولكن كما قيل: من جد وجد. وكما قال تعالى قبل ذلك: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. فإن العبد كلما أَكْمَلَ ما بينه وبين الله أعانه الله عز وجل، فأزال عنه الحجب حتى تيسر له ما لا يتيسر لغيره. وكما قال بعض أهل العلم: من عاجل بشرى المسلم توفيقه للقول الحسن والعمل الحسن في الدنيا قبل الآخرة، وتقوية الحجة على لسانه وبنانه. وبما يعلم أن ذلك من أعظم الكرامة في الدنيا قبل الآخرة. وكما قيل: أعظم الكرامة تمام الاستقامة. فقوله: «ولما دنى التوديع منهم وأيقنوا بأن التداني حبله متصرم» معناه: لما قرب وقت السفر والرحيل وتوديع البيت الحرام، والمراد به طواف الوداع، وعلموا عند ذلك علم اليقين بأن وقت الخروج والسفر قد كاد أن ينقطع حبله وينتهي أجله. فعند ذلك تساقطت تلك الأشجان وتلك العبرات. وما ذكره رحمه الله في هذه الأبيات. قال: «ولم يبق إلا وقفة لمودع فلله أجفان هناك تسجم» معناه: لم يبق للحاج إلا وقفة الوداع، فبعد أن يطوف طواف الوداع ويصلي الركعتين، فهو يتأهب واقفًا للخروج. فعند ذلك تسقط العبرات من الأجفان، أي: دموع الفرح للتوفيق والحزن للفراق، بما يكون به إظهار أو ظهور، لا نقول إظهار ظهور بعض ما في القلب. وقوله: «ولله أكباد هنالك أودع الغرام بها فالنار فيها تضرم» معناه: أن تلك الدموع هي قليل مما في الكبد والجوف من عظيم المحبة الذي عبر عنه بالغرام، وهي مرتبة من مراتب الحب، حتى كأن النار -أي: من شدة هذا المعنى في الجوف- تضرم، أي: تشتعل. وقوله: «ولله أنفاس يكاد بحرها يذوب المحب المستهام المتيم» أي: كذلك كما أن ذاك الحب لله وتلك الدمعات لله، فكذلك أنفاس يتنفس فيها المودع، فيها حرارة ذاك الحب والشوق لهذا المكان لله سبحانه وتعالى. وهي كما يعرف من يعرف هذه المواقف: أنفاس المودع التي فيها شهيقات الحزن وحرارة ما في الجوف. حتى قال رحمه الله مبالغة في هذا الوصف: «كاد يذوب المحب المستهام المتيم» يعني: من شدة حرارة هذه الأنفاس من أثر ما في القلب. وقوله: «فلم تر إلا باهتًا متحيرًا وآخر يبدي شجوه يترنم» يصف أحوال الناس واختلاف مواقفهم في هذا الموقف. أحدهم يقف باهتًا، ومعناه: كأنه لا يدري ما يصنع من شدة الحيرة على هذا الأمر العظيم، وهو فراق ما يحب. وآخر يبدي شجوه يترنم، ومعناه: آخر يظهر عليه شيء من آثار الحزن، ربما بصوت يُعذر فيه، وليس معناه المبالغة في ذلك والتصنع، فضلًا عن رفع الصوت بالبكاء. فكل هذا لا يستحب، لكن ما غلب على الإنسان وسقط عليه وهو لا يريده فهو معذور فيه. فـ«العين تدمع والقلب يحزن» يعني: فيما لا يملك ابن آدم، أما أن يتصنع ذلك ويتكلف، فقد نهينا عن ذلك التكلف عمومًا. وقوله: «رحلت وأشواقي إليكم مقيمة ونار الأسى مني تشب وتضرم» يعني: كأن لسان المقال يقول في ذاك الحال: سأفارقكم يا أهل هذا البيت الحرام، ويا من أحبهم وأحب البقاء عندهم. «وأشواقي إليكم مقيمة» والشوق كما تعرفون هو شدة الرغبة، فكأنه يقول: ذهبت ورحلت ولكن قلبي متعلق بهذا المكان، فهو بينكم مقيم بشدة شوقه لهذا المكان ومن عنده. «ونار الأسى مني تشب وتضرم» أي: أسى الفراق وحزن البعد عما يحب. وقوله: «أودعكم والشوق يثني أعنتي وقلبي أمسى في حماكم مخيم» كذلك كأنه يقول: لسان مقال أولئك الناس على اختلاف أحوالهم يقول: «أودعكم والشوق يثني أعنتي» يعني: أريد أن أفارقكم ولكن شدة شوقي كأنه هو الذي يؤخرني ويبطئ حركتي وخروجي من هذا المكان، بشدة تعلق قلبي بهذا المكان. «وقلبي أمسى في حماكم مخيم» ومعناه: الجسد خارج وراحل ولابد، ولكن القلب يجد نفسه متعلقًا بهذا المكان ومخيمًا فيه، من شدة حبه وشدة رغبته في البقاء في هذا المكان الطيب المبارك. وكل هذه المعاني تمثل من المؤلف، رحمه الله، حال المحب إذا صفى قلبه، كيف يتعلق قلبه بما يحب، فيجد لذة تلك المحبة وشدة ذاك الشوق والرغبة. وهذا لا شك يجده الكثير من الناس في هذه المحبوبات التي تحب لله عز وجل. وهي قريبة المنال مكررة كذلك الفعال من الناس. فأراد أن يدلل على ذلك بأن حب الصالحين لبلاد الأفراح إذا تحقق، فإنه سيتحقق لهم مثل هذه المعاني وأعظم وأكثر، بقدر صفاء قلوبهم وصدق أعمالهم، ما يفرحون به ويحظون به في الدنيا والآخرة. وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.