الدرس السادس والعشرون:من( ثم قال رحمه الله:ومطعم ضيف لذ منه مساغه*وبعد قليل حاله تلك تعلم ... من منّ الله عليه باليقين التام وجعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة لينتفع منها ).
يُنبه الشيخ إلى خطورة التعلق بالدنيا ويحث على جعلها مزرعة للآخرة. العاقل لا يجعل الدنيا أغلى من دار البقاء في قلبه.
يشرح المقطع معنى جعل الدنيا مزرعة للآخرة واليقين بالله، ويبين أن الاحتساب يجعل الأعمال ذات أجر. يُضرب أمثلة على اليقين بالله تعالى.
وصف الإمام الدنيا بأمثال وعبر لبيان أنها زائلة. هذه الأمثال تبين أن الدنيا لا ينبغي أن يعلق الإنسان بها، بل يستغلها للانتفاع في الآخرة.
يجب عدم الاغترار بالدنيا والانشغال بالعمل الصالح الذي يقرب إلى الله. ينبغي إعمار الدنيا بما ينفع في الآخرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا رحمه الله تعالى: ومطعم ضيف لذ منه مساغه، وبعد قليل حاله تلك تعلم. كذا هذه الدنيا كأحلام نائم، ومن بعدها دار البقاء ستقدم. قال رحمه الله: فهذه الدنيا، فهل يليق بالعاقل، فضلا عن المؤمن، أن يجعلها في قلبه أغلى من دار البقاء، أو أن ينظر إليها نظرة راغب فيها زاهد في الآخرة؟ الجواب: لا والله، لأن هذه الحقيقة الواقعة لهذه الدنيا، فكيف نغال فيها، وكيف نؤمل البقاء فيها، وكيف نجعل ما نحصل منها أكثر في نفوسنا وأكبر مما نحصله للآخرة؟ وما ذلك إلا من جهلنا وظلمنا. وقوله: كذا الدنيا كأحلام نائم، يعني هذا وصفها، وهذه حقيقتها. وقوله: ومن بعدها دار البقاء ستقدم، يعني أن الإنسان لا يدري متى يرتحل منها. وهذا هو الغريب أن تكون الدنيا في نفوسنا إلى هذا الحد من المحبة الشديدة، ونحن لا ندري أي ساعة نُجيب فيها داعي الله عز وجل. والإنسان، كل إنسان، والله لا يستطيع أن يحكم بأنه سيدرك غدا. ولهذا قال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. إذن، فمهما طابت الدنيا، فإنها، والله، ليس فيها خير إلا ما كان منها مزرعة للآخرة، فنعم الدار حينئذ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح عند الرجل الصالح». والمعنى: هذا من معاني المزرعة، أن تستفيد وتستغل ما يعطيك الله ويسخر الله بين يديك من أمر الدنيا، فيما تثمر به في الآخرة، سواء ما كان من مال أو زوجة أو ولد أو غير ذلك، مما يسخره الله عز وجل لك من نعم الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا. والحديث أشار إلى تخريجه وصحته قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم من طال عمره وحسن عمله». ومعنى أن تكون الدنيا مزرعة للآخرة: أن لا يقول الإنسان فيها قولا، وأن لا يفعل فيها فعلا، وأن لا يدع فيها شيئا إلا وهو يريد التقرب به إلى الله عز وجل، حتى مكالمة إخوانه والجلوس معهم، لابد أن يبتغي بذلك وجه الله عز وجل. فحينئذ تكون الدنيا مزرعة للآخرة، بل تكون جنة متقطعة ومقدمة من الآخرة، كما قال ذلك شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله: «فإنه لما أدخلوه بالحبس قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي بصدري، وإن حبسي خلوة، وإن نفي سياحة، وإن قتلي شهادة». ومعنى أن الإنسان إذا احتسب صارت أعماله وأحواله وسائر لحظاته وطرفة عينه له كله في ذلك أجر. ومر معنا قريبا حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «الخيل ثلاثة». فإن المرأة إذا احتسبت بعض المباح صار له بإذن الله سبحانه وتعالى موضع أجر. فكذلك ينبغي أن يفعل المؤمن، فضلا عن الأعمال الصالحة من أقوال وأفعال يحتسبها. قال: قوله «إن جنتي في صدري» يعني رحمه الله بالجنة التي في صدره العلم والإيمان والنور الطمأنينة، فهذه الجنة. فليس المراد بها بستانا أو نخيلا يهتز أو فواكه أو غير ذلك، لأن هذه هي جنة الجسد. وأما جنة القلب فلا يعدلها شيء. فتأمل أخي هذا اليقين العجيب في كلام هذا الرجل الذي هو من يقين الرسل. فهذا موسى عليه السلام لما خرج بقومه واتبعهم فرعون بجنوده حتى صار هو وقومه بين البحر وبين فرعون وجنوده، ماذا قال قومه؟ قالوا: إنا لمدركون. يعني أن البحر أصبح أمامنا، فإن خضناه غرقنا، وفرعون بجنوده خلفنا، فإن أدركنا أهلكنا. وماذا قال موسى عليه الصلاة والسلام؟ قال: كلا، إن معي ربي سيهدين. فتأمل هذا اليقين في هذه الشدة، فأوحى الله إلى موسى أن يضرب البحر فضربه فانفلق في الحال، فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا، فخرجوا كلهم عن آخرهم، ودخل فرعون بجنوده عن آخرهم، فأوحى رب العزة والجلال إلى هذا البحر أن انطبق، فانطبق على فرعون وجنوده فغرقوا جميعا، ونجى موسى عليه السلام وقومه. فالله أكبر، اللهم ارزقنا الإيمان واليقين، فإنه لا يصل إلى هذه الدرجة إلا من منى الله عليه باليقين التام، وجعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة لينتفع منها. أورد شيخنا رحمه الله هذا التعليق تحت هذين البيتين، وهما تتمة لما سبق من أمثلة وأوصاف هذه الدنيا. فقد وصف هذا الإمام رحمه الله تعالى هذه الدنيا بعدة أوصاف. فإنه وصفها من هذه الأوصاف أنها كحلم بطيف زار في النوم وانقضى وانقضى المنام وراح الطيف والصب مغرم. فهذه الدنيا كالحلم تمر على الإنسان يتذكره ولا يبقى معه منه شيء. وهكذا كذلك هذه الدنيا كالظل يستضل به الإنسان ثم يتركه فلا يبقى له من أثر نعيم ذاك التضلل بعد تلك الحر الشمس المحرقة، لا يبقى له معه منها شيء. وقال بعدها: وظل أرته الشمس عند طلوعها سيقلص في وقت الزوال ويفصم. وهكذا مثلها كذلك بالسحاب، قطعة السحاب التي تمر بالصيف. قال: ومزنة صيف طاب منها مقيلها فولت سريعا والحرور تضرم. وهكذا كذلك قالها هنا: ومطعم ضيف لذ منه مساغه، وبعد قليل حاله تلك تعلم. كذلك هذه الدنيا من أمثلتها ومن أوصافها أنها كمطعم الضيف الذي يتلذذ به هذا الضيف، ثم بعد لحظات يزول هذا الطعم وتلك اللذة. ونهايته ما يعلم مما لم يذكره المؤلف رحمه الله للعلم به، وكذلك للترفع عن ذكره. فحال الطعام معروف، أين ينتهي؟ ينتهي إلى ما ينتهي به فضلات الإنسان. فأين تلك اللذة التي كان يجدها وذلكم الطعم الذي كان يسوغه؟ ذهب وزال، ولم يبق منه إلا ما تركه فضله. وكذلك هذه الدنيا، إذا لم ينتفع الإنسان بها بما ينتفع به ويبقى له في الآخرة، فإن نهاية ما يأخذه منها كنهاية طعام ذلك الآكل. وهكذا قال: كذا هذه الدنيا كأحلام نائم، ومن بعدها دار البقاء ستقدم. ومن أمثلة الدنيا كذلك أنها كأحلام النائم. كم يرى النائم في منامه من أحلام؟ وكذلك حال هذا الإنسان فيما مر عليه من أمر هذه الدنيا يتذكره كالأحلام. ها نحن ونحن ما زلنا في هذه الدنيا نتذكر أشياء مرت علينا في ماضي سنيننا وأيامنا، من من كان في صغره أو في شبابه أو في منتصف عمره يتذكر تلك الأيام والشهور والأعوام واللحظات كأنها حلم مر به. ما كأنه استمتع بما استمتع وفعل بما فعل وقال ما قال وحصل له ما حصل. ولكن هل معنى ذلك أنه يخرج منها كفافا؟ الجواب: لا. وإنما ما أحسن يحسن له به، وما كان دون ذلك فهو إلى الله سبحانه وتعالى. ولهذا هو يريد رحمه الله بهذه الإشارات أن يشهد الهمة لاستغلال هذه الدنيا بما يكون به الانتفاع في الآخرة. وهذه هي بعض المعاني في الرحلة إلى بلاد الأفراح. فهو يريد أن يذكر أن لا يغتر مغتر بهذه الدنيا، بل ينبغي عليه أن ينشغل بما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، بإعمارها بما يكون بإعمار الآخرة. وإلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.