شرح السياسة الشرعية  34

شرح السياسة الشرعية 34

الدرس الرابع والثلاثون:من( وتضمن كل طائفة ما أتلفته الأخرى من نفس ومال ... هؤلاء المتحزبون الذين تسميهم العامة في الشام ومصر المنسر وكانوا يسمون ببغداد العيارين ).

عقوبة قطاع الطرق والمفسدين

شرح حكم قطاع الطرق والمفسدين في الأرض، وتوضيح العقوبات المختلفة حسب أفعالهم. يُعاقَبون بالقتل إذا قتلوا وأخذوا المال، أو بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى إذا أخذوا المال فقط، أو بالنفي إذا لم يقتلوا أو يأخذوا مالًا.

تفاصيل تطبيق حد الحرابة

تطرق إلى تفاصيل تطبيق أحكام المحاربين وأهل الفساد، حيث يُفضل بعض العلماء الحبس لمنع العودة إلى الفساد. كما شرح كيفية القتل المشروع وحرمة التمثيل بالقتلى.

تحريم التمثيل وحدود الحرابة

أوضح تحريم التمثيل بالقتلى حتى مع الكفار وأمر بالعدل في القصاص. كما حدد نطاق حد الحرابة ليشمل الإفساد بقطع الطرق والسرقة وغيرها، ويعاقب مرتكبوه بالقصاص أو التعزير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال رحمه الله: وتضمنوا كل طائفة ما أتلفته الأخرى من نفس ومال، وإن لم يعرف عين القاتل؛ لأن الطائفة الواحدة المتمنع بعضها ببعض كالشخص الواحد. وأما إذا أخذوا المال فقط ولم يقتلوا، كما قد يفعله الأعراب كثيرًا، فإنه يقطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى، عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. وحتى ولو كان ذلك قبيلة بأكملها، لو كانت قبيلة من القبائل تسرق وترسل من يفسد في الأرض، وعلم أن هذا من قبيلة كذا، هذه الطائفة التي سرقت من قبيلة كذا، فإن سلموا الذين سرقوا وقطعوا الطريق، أي الطائفة التي باشرت العمل، فإنها بذلك قد سلمت القبيلة. فإن أبوا وتمنعت جميعًا، فكانت بعضها مع بعض كالشخص الواحد، فإنهم يقطعون جميعًا. يقطعون جميعًا؛ يعني المتمنع بعضهم مع بعض، فلا يقال: هذا فقط في العصبة، بل ولو كبرت هذه العصبة، إذا تمنع بعضهم ببعض، فإنهم يكونون كالشخص الواحد. وهناك تفاصيل كثيرة يذكرها أهل العلم في مثل هذا المعنى، تذكر في أبواب الفقه فيما يتعلق بالحدود، وكذلك مقاتلة أهل البغي، ونحوها من مضان هذه المسائل. قال رحمه الله تعالى: كما قد يفعل الأعراب كثيرًا؛ يعني من كان في زمانه، وفي زماننا هذا كذلك قد يوجد بعض هؤلاء من أهل البدو ونحوهم ممن يسلكون هذا المسلك. قال: فإنه يقطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى، عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾؛ أي تقطع اليد التي يبطش بها، والرجل التي يمشي عليها؛ لأن إفساده حصل برجله وبيده، برجله بسعيه، وبيده باعتدائه وضربه وقتله وسرقته ونحو ذلك. قال: والرجل التي يمشي عليها، وتحسم يده ورجله بالزيت المغلي ونحوه؛ يعني مما يحصل به قطع الدم؛ لأنه إذا لم يقطع الدم ربما يموت، وهذا هو الغالب. ولهذا يحسن بالزيت؛ يعني يؤتى بزيت مغلي، فإذا قطعت اليد أغمست في هذا الزيت المغلي، فعند ذلك ينحسم الدم؛ لأن العروق تنقبض، ثم يعالج هذا الجرح؛ لينحسم الدم فلا يخرج فيفضي إلى تلفه. وهل يجوز أن يستعان عن هذا بالطب الحديث؟ اختلف أهل العلم في هذا، والصحيح أنه يجوز على أن يبقى الألم؛ لأن الألم مقصود لأجل أن يكون عبرة لغيره؛ يعني لو قال قائل: سنحسمه بغير هذا بعملية جراحية، فيقال: لا بأس بعملية جراحية، لكن يبقى الألم حتى يكون فيه عبرة لغيره، وينال جزاء ما كان منه. قال رحمه الله: وكذلك تحسم يد السارق بالزيت؛ يعني أن هذا مثله مثل حكم يد السارق عند قطعها، وقد جاءت في هذا آثار تدل على هذا المعنى. قال: وهذا الفعل قد يكون أزجر من القتل؛ فإن الأعراب وفسقة الجند وغيرهم إذا رأوا دائمًا من هو بينهم مقطوع اليد والرجل، ذكروا بذلك جرمه فارتدعوا، بخلاف القتل؛ فإنه قد ينسى؛ لأنه إذا قتل ودفن ومات، صار هذا يعني سببًا في نسيانه. فبقاء هذا الرجل مقطوع اليد والرجل يسير بينهم، عبرة له ولغيره ولدريته ولأهله. قال: وقد يؤثر بعض النفوس الأبية قتله على قطع يده ورجله من خلاف؛ يعني كونه يقتل أحب إليه من أن تقطع رجله ويده من خلاف؛ لأن في هذا إهانة له، يرى أن هذا سبب لبقائه في مذلة دائمة، فيعير فيقال: هذا بسبب سرقته، وهذا بسبب فساده. ولهذا بعضهم لجهله وفرط عزته وكبره ربما يقتل نفسه، ربما يقتل نفسه إذا وقع به مثل هذا. وقد وقع مثل هذا كثيرًا. قال: فيكون هذا أشد تنكيلًا له ولأمثاله. وأما إذا شهروا السلاح ولم يقتلوا نفسًا ولم يأخذوا مالًا، ثم أغمدوه أو هربوا أو تركوا الحراب، فإنهم ينفون؛ لأن نفيهم تخلص من شرهم. على أنهم إذا نفوا لا يعني أن ينتقل الفساد إلى مكان آخر، ولكن معناه مثل ما يقال بالعرف المعاصر: ينفى تحت الإقامة الجبرية. تعرفون هذا؛ يعني تكون عليه مراقبة دائمة، ويكون مثل السجن، لكنه محصور. قد كان يوضع في جزيرة. فقد كان بعض الصحابة رضي الله عنهم إذا نفوا بعض من يستحق النفي، نفوهم إلى جزيرة. وربما نفي بعض الناس ظلمًا في عهد ما بعد عهد الصحابة، فانتفع بعض أهل تلك الجزر بمن يرسل إليهم. فالحاصل: النفي ليس معناه نقل للفساد من مكان إلى مكان، ولكن النفي يكون فيه حصر لهذا الفساد. قال رحمه الله: فقيل: نفيهم تشريدهم؛ فلا يتركون يأوون في بلد، مثل أن يفرقوا، لا يجتمعون. فإذا تفرقوا صاروا ضعفاء. ومثل أن يعاقبوا بأعمال تكون سببًا في تنقلهم وتعبهم ونصبهم، لا يكون فيه معه شيء من التفكير، فضلًا عن العمل فيما كانوا يفعلونه من فساد وإفساد. قال: وقيل: حبسهم. وكل هذا بحسب ما يقتضيه المقام والمصلحة. فقد يحبسون ويكلفون بعض الأعمال الشاقة ونحو ذلك. قال: وقيل: وما يراه الإمام أصلح من نفي أو حبس أو نحو ذلك. وكل هذا يصلح؛ يعني نفي أو حبس أو نحو ذلك، المقصود هو حصول الإصلاح. فإن كان الإصلاح لا يمكن إلا بالحبس، حبس. مثل هذا الزمان، هذا الزمان لقلة أهل الخير وتعاونهم وكثرة أهل الفساد والشر، ربما إذا نفي سيجد عصابة أخرى ينتمي إليها، وسيجد من أهل الفساد من يعينه للرجوع إلى فساده الذي كان عليه. فأمثال هؤلاء في هذا الزمان لعل الأصلح أن يكون لهم الحبس؛ حتى يكون بذلك رجعهم، وكذلك قطع شرهم. وأما مدة الحبس، فهو بحسب ما تقتضيه المصلحة، ويكون به دفع الشر منهم. قال رحمه الله: والقتل المشروع هو ضرب الرقب بالسيف ونحوه؛ لأن ذلك أوحى أنواع القتل. هكذا عندي. أسرع وأوحى أنواع القتل؛ يعني من جهة إبعاد روحه، أسرع وأوحى من جهة حصول الاعتبار والعظة. وكله صحيح. قال: وكذلك شرع الله قتل ما يباح قتله من الآدميين والبهائم إذا قدر عليه على هذا الوجه؛ يعني هذا هو الذي يريحه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا دبحتم فأحسنوا الذبحة». فذبح الدبيحة يكون بالسكين من العنق. وهكذا قتل من يستحق القتل يكون بالسيف من العنق. وهذا هو الذي عمل به الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قد يقول قائل: نحن في هذا الزمان عندنا وسائل أخرى، هل تستعمل هذه الوسائل؟ بعض أهل العلم أجاز مثل ذلك، وبعض أهل العلم يرى أن البقاء على ما جاء عليه العمل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده هو الأحوط والأولى؛ ولأنه كذلك أريح للمقتول، وهو كذلك أو عضو لغيره، تقع به العضة أكثر من القتل بالإبر السامة أو بالكهرباء أو بالشنق أو كذلك بالرصاص أو غيره مما قد يستعمله بعض الناس في بعض الجهات. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شافرته، وليرح ذبيحته». رواه مسلم. والمعنى: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعل أو ليأمر بفعل إلا ما يظن أنه فيه الإحسان. ومن ذلك القتل بالسيف؛ حتى قال بعض أهل الاختصاص: أن القتل بالسيف على الوجه الذي عرف في قتل من يقتل بالسيف في الإسلام؛ يعني لمن يستحق القتل، هو أعظم إحسان له؛ لأنه تذهب روحه، بخلاف غيره من القتل. فالشنق مثلًا يحصل له من التعذيب أكثر من الضرب بالسيف. وهكذا كذلك إبرة السم، وهكذا كذلك تيار الكهرباء. ولهذا تجد بعضهم يتفننون في التعذيب بتيار الكهرباء، بتعيير قوة الكهرباء، وهكذا كذلك. حتى القتل بالرصاص، حتى القتل بالرصاص، ولو كان يضرب على جهة القلب، فإنه قد لا تكفيه طلقة واحدة، بل يحتاج إلى أكثر من طلقة حتى يقتل تمامًا، بخلاف ضرب الرأس. قال رحمه الله: وقال: «إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان». ومعنى: يعني أحسنهم وأبعدهم عن الإيذاء ونحوه. والحديث ضعيف، كما أشار في التعليق. ضعفه غير واحد من أهل العلم. رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما من حديث ابن مسعود، وهو ضعيف. وذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «الضعيفة» في الرقم المشار إليه (1232). لكن معناه صحيح. قال رحمه الله: أما الصلب المذكور، فهو رفعهم على مكان عال ليراهم الناس ويشتهر أمرهم، وهو بعد القتل عند جمهور العلماء. ومنهم من قال: بل يصلبون ثم يقتلون وهم مصلبون. وقد جوز بعض العلماء قتلة بغير السيف؛ حتى قال: يتركون على المكان العالي حتى يموتوا. حتى فأنوفهم بلا قتل. ولا شك أن هذا خلاف الإحسان الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا إن فعلوا ما يقتضي ذلك؛ يعني كأن يكونوا فعلوا شيئًا فيه مثله في قتلهم، فيستحقون العدل بمثل ما فعلوا؛ كما قال الله عز وجل في ذلك: ﴿فَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ﴾. ﴿وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنُ بِالْأُذُنِ وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ﴾. فالجروح قصاص. فكذلك القتل إذا وقع على وصف، فإنه يكون مثله. وعلى هذا يحمل ترك العرانيين يطلبان الماء، يستسقون ولا يسقون؛ لأنهم كما قيل: فعلوا ذلك أو معنى ذلك. ومثله بالراعي. فكذلك فعل بهم؛ من باب القصاص العدل. فإذا فعل بعض هؤلاء المحاربين والمفسدين في الأرض شيئًا يقتضي ذلك، فإنه يفعل بهم بمثل ما فعلوا؛ كأن يقولوا مثلًا: فعلوا ما حصل به القتل، لكن بشيء من التعذيب، فإنه يفعل معهم بالمثل. وهذا هو العدل. قال: فأما التمثيل في القتل، فلا يجوز إلا على وجه القصاص. وقد قال عمران بن حسين رضي الله عنهما: «ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدق، ونهانا عن المثلة». حتى الكفار إذا قتلناهم، فإن لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نجدع آذانهم وأنوفهم، ولا نبقر بطونهم؛ إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا، فنفعل بهم مثل ما فعلوا. والترك أفضل. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. قال: قيل: إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد رضي الله عنهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن أظهرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا». فأنزل الله هذه الآية. قال: وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة، مثل قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. وقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة، ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب، فأنزلت مرة ثانية. قال: «فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص». قال: في صحيح مسلم عن بريد بن الحصيب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أو في حاجة، أوصاهم بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا. ثم يقول: أغزوا بسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، لا تغدروا». ويروى: «لا تغلوا من الغلو، ومن الغلول، ولا تغدروا، ولا تمثلوا». وهذا هو الشاهد: «ولا تمثلوا»؛ فإنه كان ينهى عليه الصلاة والسلام عن التمثيل، مع أنهم يقاتلون كفارًا، فكيف بمسلم؟ فهو من باب أولى. قال: «ولا تقتلوا وليدًا». والحديث كما ذكر في صحيح مسلم. والشاهد هو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة. لكن إن كانت المثلة من باب القصاص والعدل، فكما تقدم: عمومات الأدلة تدل عليه. قال: ولو شهر السلاح في البنيان لا في الصحراء لأخذ المال، فقد قيل: إنهم ليسوا محاربين، بل هم بمنزلة المختلس المنتهب؛ لأن المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس. وقال أكثرهم: إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد. وهذا قول مالك في المشهور عنه، والشافعي، وأكثر أصحاب أحمد، وبعض أصحاب أبي حنيفة. بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة. ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم. فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة. ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله. والمسافر لا يكون معه غالبًا إلا بعض ماله. وهذا هو الصواب، لا سيما هؤلاء المتحزبون الذين تسميهم العامة في الشام ومصر: المنسر. وكانوا يسمون ببغداد: العيارين. وهذه ألقاب لأناس كانوا يجتمعون على الشر، مثل العصابات ونحوها، يشتهرون في زمن ما بمسميات مختلفة. فكانوا في زمن المؤلف رحمه الله قد اشتهروا بهذه المسميات. والمقصود من هذا: أن الصحيح ما دام الوصف واحد وهو الإفساد، فلا فرق بين البنيان والصحراء، كما تقدم؛ إلا إن كان هناك ما يقتضي الاستثناء، فإنه يستثنى بحسب الحال، كما تقدم معنا؛ كأن يكون ذلك ليس على وجه الإفساد والحرابة وقطع الطرق والسرقة، ولكن على وجه المخاصمة والتحرش؛ كأن يكون مثلًا إنسان مر بين ديار، فمر بوجه يكون فيه أذية لهؤلاء الناس، وإضرار بهم، فردوا هذا الخطأ بخطأ أكبر منه بسرقته أو بنحو ذلك. فهنا يقال: أن مثل هذا شيء من الظلم والبغي الذي لا يكون فيه حد الحرابة، ولكن فيه التعزير. ولكن فيه التعزير بما تقتضيه المصلحة، ويقرره الإمام. وقد وقعت مسألة سئل فيها الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في زمانه، في قوم اعتدوا على بعض التجار مروا بهم. فسأل ولي الأمر الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في ذلك: هل اعتداء أولئك الأعراب على هؤلاء التجار يعد من قطع الطريق، فيلحقون بأمثالهم فيقام عليهم حد الحرابة؟ أم غير ذلك؟ فأجاب الشيخ محمد إبراهيم رحمه الله جوابًا في معنى أن القضية ما دام فيها شيء من الخصوم والتحرش؛ يعني شيء من المشكلة. وذلك لأنه كما ذكر في أوصاف القضية: أنهم أذعروا أي هؤلاء بمرورهم أذعروا الرعاة، وكذلك حصل منهم شيء من الإيذاء، فردوا ذلك بخطأ أكبر منه، وهو نهب ما عندهم من أموال. فأجاب الشيخ رحمه الله في معنى كلامه: أن مثل ذلك ليس من معنى الحرابة، وليس فيه حد الحرابة، ولكن إنما هو من البغي والظلم والفساد الذي يستحق التعزير به. فيعزرون بمعنى ذلك. كما أنه كذلك ينتبه: أن الفساد لا ينحصر بالسرقة. الفساد لا ينحصر بالسرقة. قد يكون الفساد بغير السرقة. فلو كان الفساد بالزنا والعياذ بالله، واللواط، فإنه كذلك هو من معنى الحرابة والإفساد، فهو من معنى الحرابة والإفساد. فإن الغضب على الأعراب أعظم من الغضب على الأموال. والإفساد بانتهاك الأعراب أعظم من الإفساد بانتهاك الأموال. فلذلك فمن كان تعديه لغرض الإفساد في الأعراب، فإنه يعاقب بحد الحرابة كذلك، بحسب ما وقع منه. نقف اليوم إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق؛ لأن بعض المسائل قد تطول. إزاكم الله خيرًا.