الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 64، الدرس الرابع والستون:(والله سبحانه نادى موسى بصوت ... وهذا يرد على المعتزلة في قلوهم إنه مخلوق منفصل عن الله). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش إثبات كلام الله تعالى بحرف وصوت يليق بجلاله وعظمته، مستدلًا على ذلك بأدلة من القرآن والسنة وإجماع أهل العلم. يُظهر أن كلام الله حقيقي وليس مجرد كلام نفسي أو معنى قائم بالنفس.
يرد على الفرق التي تنفي صفات كلام الله تعالى أو تؤولها، مثل الأشاعرة والمعتزلة والكلابية والماتريدية، ويبين تناقضات قولهم مع الثوابت الشرعية. يُظهر أن كلام الله حقيقي يليق بجلاله وعظمته.
يناقش إثبات السؤال والخطاب يوم القيامة مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويشير إلى أن الله تعالى سيكلم العباد يوم القيامة دون ترجمان. يُذكر أن هذا الموضوع سيتم تفصيله لاحقاً.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح: والله تعالى والله سبحانه نادى موسى بصوت، ونادى آدم وحوى بصوت، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولكن الحروف والأصوات التي تكلم الله بها صفة له غير مخلوقة، ولا تشبه أصوات المخلوقين؛ لأنها من كلام الله. ونحن ندعو بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بكلمات الله التامات»؛ فالتعوذ لا يكون بمخلوق، التعوذ يكون بالخالق سبحانه وبصفاته جل وعلا. وأما كونه نادى موسى بصوت؛ لأن موسى استمع، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾؛ فموسى سمع صوت ربه سبحانه، وهكذا نادى آدم وحوى بصوت، وهكذا أدلة كثيرة تدل على ذلك، وينادي عباده يوم القيامة بصوت كذلك؛ كما جاءت في الأحاديث، وسيأتي بعضها إن شاء الله فيما أورده من أدلة السنة في باب الصفات. وهذا يتكلم بالوحي بصوت؛ كما سيأتي كذلك، كسلسلة على صفوان، وهذه الأدلة كلها تثبت أن كلام الله عز وجل بحرف وصوت، على ما يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ولهذا قال: «ولا تشبه أصوات المخلوقين وحروفهم؛ صوت كلام الرب جل وعلا لا يشبه صوت كلام المخلوقين وحروف المخلوقين»، قال: كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده؛ فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من صفاته، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. إن كنا نثبت لله ذاتًا لا كالذوات، فكذلك نثبت لله صفات لا كالصفات، وإن كنا نثبت أن لله علمًا ليس كعلم المخلوقين، فكذلك نثبت لله كلامًا لا ككلام المخلوقين، وأنه بحرف وصوت لا بحرف وصوت كحروف وأصوات المخلوقين. فإن قال قائل: من أين لكم أنه بحرف وصوت؟ الجواب: أدلة من الكتاب والسنة تدل على ذلك، وهي كما ذكر العلماء على أنواع، منها ما فيه الإثبات الصريح. وقبل ذلك يقال لهم: الأدلة أثبتت الحرف والصوت، وأنتم من أين لكم نفيتم الحرف والصوت؟ فإن قالوا: من دليل، قيل لهم: هاتوا الدليل، والجواب: لا دليل لا من الكتاب ولا من السنة. وإن قالوا: من قياس، ومن معقول، فقيل لهم: قياسكم ليس بصحيح، بل هو من قياس الشبه الذي هو كما تقدم من أضعف أنواع الأقيسة؛ قياس الشبه من أضعف أنواع الأقيسة، وهو قياس فاسد، ولا يصح الاستدلال به هاهنا. وأما قولكم: المعقول، فهو معقول فاسد؛ لأن الأدلة الشرعية أثبتته، والمعقول يثبت مثله على ما يليق بجلال الله وعظمته. ثم بعد ذلك يذكر لهم شيئًا من أنواع الأدلة التي أثبتت الحرف والصوت، وسيأتي معنا شيء من ذلك. فمنها ما فيه إثبات معنى الصوت صريحًا، كبعض أدلة الكتاب وأدلة السنة، مثل النداء؛ فإن النداء لا يكون إلا لما له صوت، وما أكثر ما جاء بأدلة الكتاب والسنة فيها إثبات النداء للرب جل وعلا: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾، وهكذا ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾، وهذا نوع آخر من النداء، وغير ذلك كثير. وفي السنة كذلك، وسيأتي معنى بعض الأدلة على ذلك؛ كما أشار المؤلف إلى بعض هذه الأدلة: أنه يكلم عباده يوم القيامة؛ كما في حديث عدي بن حاتم قال: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه»، وهذا يدل أنه يكلمه كلامًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته، وبحرف وصوت يسمعه المخلوق ويفهمه. وهكذا كذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمر، وهكذا كذلك ما جاء في الحديث الذي أشار إليه: يتكلم بالوحي من السماء، وأنه يكون كصوت السلسلة على الصفوان؛ يعني في شدة الصوت؛ كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إلى هذه الأحاديث في قسم السنة في آخر الكتاب. وهكذا من أنواع الأدلة: ذكر السماع والاستماع والكلام والتكليم، وهو نوع آخر فيه إثبات أنه بحرف وصوت؛ ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾، هل يسمع إلا ما كان صوتًا وحرفًا؟ هذا هو المعقول، وهذا هو المعلوم من أدلة القرآن والسنة واللغة وغير ذلك. وهكذا قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؛ كل هذا يثبت أنه كلام بحرف وصوت يليق بجلاله وعظمته. وهكذا كذلك كلام السلف، لا سيما في كتب العقائد والحديث والسير والتفسير والزهد وغير ذلك. وهكذا كذلك الكلام في قول جمهور العلماء: أنه اللفظ والمعنى معًا؛ أنه اللفظ والمعنى معًا، ليس لفظ الكلام في عرف أحد من أهل العلم -لا من أهل التفسير ولا من أهل الحديث ولا من أهل اللغة ولا من أهل أي علم من العلوم- أنه يطلق لمعنى من دون لفظ أو للفظ من دون معنى أبدًا؛ بل الكلام عندهم باتفاق وإجماع أنه لفظ ومعنى. وتدل على ذلك أدلة كثيرة، وإذا أريد به غير ذلك فلابد أن يقيد؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها»، لما كان الكلام نفسيًا لابد أن يقيد: «ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان»، وهذا يدل أن هاتين الكلمتين لفظ ومعنى، وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة. وهكذا كذلك إجماع أهل العلم بأن القرآن كلام الله، والأدلة كثيرة؛ فلو كان لا صوت له لكان المعنى أنه دون اللفظ، وهذا باطل ينافي الإجماع المحكي في إثبات أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك من أنواع الأدلة: ما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في إثبات أن القرآن كلام الله لفظًا ومعنى؛ فإن الله عز وجل تكلم به، فسمعه جبريل، فأداه جبريل كما سمع لنبينا عليه الصلاة والسلام، فأداه نبينا للصحابة رضي الله تعالى عنهم. ومن تتبع أسباب النزول وصفات نزول القرآن على نبينا عليه الصلاة والسلام علم أن القرآن لفظ ومعنى، وهو كلام الله؛ كما قال ربنا جل وعلا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وهكذا كذلك من أنواع هذه الأدلة: الإجماع المروي بأن القرآن المقرؤ لفظ ومعنى، وأنه كلام الله، وأنه منزل من عند الله؛ فأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، ونقول أهل العلم من السلف ومن بعدهم: أنه منزل من عند الله لفظًا ومعنى، ومقرؤ، وكله كلام الله سبحانه وتعالى. وقد أشار ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه إلى هذه الأوجه وإلى لزوم إثبات الكلام لله عز وجل على حقيقته بحرف وصوت، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال رحمه الله تعالى: والآيتان الأوليان هنا -وهما من سورة النساء- تنفيان أن يكون أحد أصدق حديثًا وقولًا من الله عز وجل؛ بل هو سبحانه أصدق من كل أحد في كل ما يخبر به؛ وذلك لأن علمه بالحقائق المخبر عنها أشمل وأضبط، فهو يعلمها على ما هي به من كل وجه، وعلم غيره ليس كذلك؛ فلهذا ولغيره كان كلامه سبحانه أصدق حديثًا وأصدق قيلًا. وفي هذا إثبات الحديث والقول لله عز وجل، وهو معناه في اللغة معلوم، وهو لله عز وجل على حقيقته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال: وأما قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ إلى آخره؛ فهو حكاية لما سيكون يوم القيامة من سؤال الله لرسوله وكلمته عيسى عما نسبه إليه الذين ألهوه وأمه من النصارى من أنه هو الذي أمرهم بأن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله. وهذا السؤال لإظهار براءة عيسى عليه السلام، وتسجيل الكذب والبهتان على هؤلاء الضالين الأغبياء؛ فعيسى عليه السلام -كما أخبر ربنا جل وعلا- أنه تبرأ من فعل النصارى، وسينزل قبل قيام الساعة؛ كما دلت أدلة القرآن والسنة، وسيظهر ربنا جل وعلا على يديه تكذيب النصارى بقوله وفعله، ودخوله في دين محمد صلى الله عليه وسلم، وصلاته خلف المهدي إمام المسلمين في ذاك الزمان. وهذا كله لأجل أن يظهر به فساد ما عليه النصارى، وعند ذلك يضع الجزية، ويذبح الخنزير -أو يقتله-، ويكسر الصليب عليه الصلاة والسلام. قال: وأما قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾؛ فالمراد: صدقًا في أخباره، وعدلًا في أحكامه؛ لأن كلامه تعالى إما أخبار، وهي كلها في غاية الصدق، وإما أمر ونهي، وكلها في غاية العدل الذي لا جور فيه؛ لابتنائها على الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾؛ المراد: كلمة الرب جل وعلا -كلمة شرعية أو كونية- تمت، وهي ستكون، وكائنة؛ فمن كلامه الذي تم ويتم الكون كثير، وهو إذا أراد شيئًا يقول له: «كن»، فيقول: «إنما عمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون»، فهذا من كلمته، ومن أمره الكوني الذي لا يتغير ولا يتبدل؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ومن كلامه وكلمته وأمره الشرعي: الأمر والنهي في القرآن؛ فإنه من أمره الشرعي، فهو تام؛ كما قال المؤلف: «صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام»؛ لأن القرآن ينقسم إلى قسمين بهذا الاعتبار: إما أخبار -كقصص الأنبياء ومن مضى من الأمم والأفراد-، وهكذا كذلك أخبار الحاضر مما كان عليه أمر النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه، أو أخبار لأمر المستقبل مما يكون للنبي عليه الصلاة والسلام وأتباعه، وما يكون لأعدائه، وهكذا كذلك ما يكون يوم القيامة؛ فكلها أخبار صدق. وإما أحكام تحليل وتحريم وغير ذلك من الأحكام؛ فكلها عدل. قال رحمه الله تعالى: والمراد بالكلمة هنا: الكلمات؛ لأنها أضيفت إلى معرفة، فتفيد معنى الجمع؛ كما في قولنا: «رحمة الله»، «ونعمة الله». والنكرة إذا أضيفت أفادت العموم؛ كما مر معنا في درس القواعد: النكرة إذا أضيفت أفادت معنى العموم. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وما بعدها من الآيات التي تدل على أن الله قد نادى موسى، وكلمه تكليمًا، وناجاه حقيقة من وراء حجاب، وبلا واسطة ملك؛ فهي ترد على الأشاعر الذين يجعلون الكلام معنى قائمًا بالنفس بلا حرف ولا صوت -أي القائلين بالكلام النفسي-. وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى برسالته الشهيرة العظيمة المسماة بـ «التسعينية» قول الأشاعر والكلابية والماتريدية القائلين بالكلام النفسي من أكثر من تسعين وجهًا، وهو الذي ضمن في الرسالة المسماة بـ «بغية المرتاد». وأبان رحمه الله تعالى بأدلة الكتاب والسنة والمعقول والمنقول والقياس الصحيح: ما دلت عليه الأدلة كلها من أن كلام الله ليس بكلام نفسي -كما تزعم هذه الفرق من كلابية وأشاعر وماتريدية-؛ بل هو كلام حقيقي بحرف وصوت يليق بجلال الله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ولا هو كذلك: ليس له كلام؛ كما قالت المعتزلة والجهمية؛ بل هو سبحانه وتعالى يتكلم كلامًا حقيقيًا يليق بجلاله جل وعلا وعظمته. ويذكر أن معتزليًا جاء لأبي عمرو بن العلاء وهو يقرأ هذه الآية: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾؛ فقال: قل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾؛ يريد أن موسى هو المتكلم، وليس الله سبحانه وتعالى. فقال أبو عمرو بن العلاء: هب أني فعلت -يعني فعلت مثل ما تريد-؛ فماذا تصنع بقول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؛ لأنه في هذا الموضع لا يجوز أن ينسب الرب فيما هو على قواعد اللغة والنحو. فبهت هذا المعتزلي؛ فهذا المعتزلي أراد أن يحرف القرآن، فألزمه هذا الإمام القارئ من أئمة أهل السنة بأن ذلك فاسد، وهذا باطل، وأن أدلة الكتاب الأخرى تنفي هذا المعنى؛ فكيف بأدلة أخرى كثيرة تدل على هذا المعنى؟ بل في نفس الدليل؛ كما قال الفراء رحمه الله: «الكلام إذا أُكِّد بالمصدر ارتفع المجاز، وثبتت الحقيقة»؛ «الكلام إذا أُكِّدَ بالمصدر ارتفع المجاز وثبتت الحقيقة»؛ هذا على من يقول بالمجاز؛ فكيف والصحيح من أقوال المحققين من أهل العلم: أنه لا وجود للمجاز -لا في اللغة ولا في الشرع-؛ لا في القرآن ولا في السنة؛ بل كل كلام ورد بأكثر من معنى -ولو بلفظ واحد- هو على حقيقته، يدل عليه السباق والسياق. وهكذا كذلك في قول أهل السنة: بأن كلام الله عز وجل كلام حقيقي يليق بجلال الله وعظمته؛ فيه تعظيم لكتب الله عز وجل، وتحقيق لمعنى الأمر والنهي؛ لأنه -كما سيأتي معنا- أن لازم قول الأشاعر والكلابية والماتريدية: أن هذا القرآن الموجود ليس هو كلام الله، وإنما هو حكاية أو عبارة عن كلام الله؛ حكاية أو عبارة عن كلام الله. فإذا كان كذلك؛ فإذا لا فرق بين ترجمته وبين هذه الألفاظ الموجودة؛ لأنه كله حكاية وعبارة، وهذا باطل؛ بل تعظيم القرآن -لفظه ومعناه- ثابت بأدلة الكتاب، وأدلة السنة، وغير ذلك؛ مما سيأتي إن شاء الله في موضعه. قال: «فيقال لهم: كيف سمع موسى هذا الكلام النفسي؟»؛ يعني يقال لهؤلاء من الأشاعر والكلابية والماتريدية القائلين بالكلام النفسي -وهو ذكر الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة أشهر هذه الفرق، وأكثرها انتشارًا، وتأليفًا، وبحثًا، ومناظرة، وإشهارًا لهذا الباطل-. قال: «فيقال لهم: كيف سمع موسى هذا الكلام النفسي؟ فإن قالوا: ألقى الله بقلبه علمًا ضروريًا بالمعاني التي يريد أن يكلمه بها؛ لم يكن هناك خصوصية لموسى في ذلك». «وإن قالوا: إن الله خلق كلامًا في الشجرة أو في الهواء ونحو ذلك؛ لزم أن تكون الشجرة هي التي قالت لموسى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾، وكذلك ترد عليهم هذه الآيات في جعلهم الكلام معنى واحدًا في الأزل، لا يحدث منه في ذاته شيء». فإن الله يقول: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؛ فدل أنه يتكلم به في وقته سبحانه، وهو يتكلم بما شاء متى ما شاء؛ كما أن فيه أنه كلم موسى بلا واسطة؛ مثل ما كلم آدم، ومحمد عليه الصلاة والسلام؛ فكلم آدم في الجنة، وكلم نبينا عليه الصلاة والسلام حين صعد إلى السماوات بليلة الإسراء والمعراج. ومنه ما كان كلامًا بوحي؛ وهو ما كان للأنبياء والرسل؛ كما أخبر ربنا جل وعلا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. قال رحمه الله: «فيه تفيد حدوث الكلام عند مجيء موسى للميقات، وهذا يدل أنه سبحانه يتكلم بما شاء متى ما شاء، وهذا هو قول أهل العلم: أن كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد». ومعنى قديم النوع: أنه سبحانه وتعالى له صفة الكلام الملازمة لذاته سبحانه وتعالى في الأزل؛ فكلامه قديم، وآحاد الكلام يتكلم به متى ما شاء، وبما شاء؛ فكلما آدم، وكلما إبراهيم، وكلما نوح، وكلما من كلم من الأنبياء؛ كما أخبر الله عز وجل بذلك في كتابه الكريم؛ منهم من كلمهم بواسطة، ومنهم من كلمهم بوحي منه سبحانه وتعالى. وهذا يدل أنه سبحانه يتكلم بما شاء متى ما شاء سبحانه وتعالى. وهكذا قوله رحمه الله: أنه يلزمهم أن موسى علم ما في نفس الرب جل وعلا؛ هذا كفر لا يجوز أن يقوله عاقل، فضلًا عن مسلم. وهكذا كذلك: كون أن الشجرة هي التي قالت: «أنا ربك»؛ لأنه جاءه الصوت من جهتها؛ فهذا كذلك كفر؛ إذ أن فيه إثبات الربوبية والألوهية لغير الله عز وجل؛ فهذا مناف للتوحيد. فقول من قال بالكلام النفسي: لوازمه وخيمة تنافي نصوص الكتاب والسنة والثوابت الشرعية التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وتواتر عليها أهل الإسلام. قال رحمه الله: «فهي تفيد حدوث الكلام عندما جاء موسى للميقات»، ويقول: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾؛ كذلك أخبر ربنا جل وعلا أنه نادى موسى من جانب الطور الأيمن، وهو جبل بين مصر ومدين؛ ففيه إثبات المشيئة لله عز وجل في كلامه. قال: «فهذا يدل على حدوث النداء عند جانب الطور الأيمن -أي يمين موسى حين أقبل من مدين-، وهذا يدل أولًا على كلام في هذا الزمان، وهكذا كذلك في هذا المكان». فكيف يقال: أن كلام الله كلام نفسه؟ وأدلة القرآن بذلك كثيرة في ذكر أسباب النزول؛ فإن القرآن نزل مفرقًا؛ حتى قال الله عز وجل -ردًا على الكافرين الذين أرادوا أن ينزل القرآن جملة واحدة-: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾؛ بيّن ربنا جل وعلا أنه لحكمة أنزله مفرقًا على نبيه. كذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾؛ ومحدث: أي منزل جديد من عند الله سبحانه وتعالى. قال: «والنداء لا يكون إلا صوتًا مسموعًا، وهذا فيه إثبات أن كلام الرب جل وعلا بحرف وصوت مسموع». وقد جاء ذكر النداء في القرآن في تسع آيات، وجاء ذكر المناجاة في عدة آيات؛ وكل هذه الآيات فيها إثبات الكلام الحقيقي بحرف وصوت على ما يليق بجلال الله وعظمته. قال رحمه الله تعالى: وكذلك قوله تعالى بشأن آدم وحوى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ الآية؛ فإن هذا النداء لم يكن إلا بعد الوقوع في الخطيئة؛ فهو حادث قطعًا. ومعنى حادث: ليس مخلوق، ولكن معنى حادث: أي متجدد، وأنه كان متى ما شاء أن يتكلم في ذاك الزمان الذي وقع فيه الكلام؛ وهذا مناف لقول الأشاعر والكلابية والماتريدية: أن كلام الرب كلام نفسي، ليس له وجود في الواقع؛ فهذا باطل، وهو مخالف لما تواتر من أدلة الكتاب والسنة والمعقول والمنقول في ذلك. والنداء هو الصوت الرفيع الذي يسمع؛ هذا معناه في اللغة، وهو في حق الرب جل وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته. وأما معناه في اللغة فهو معلوم، ونثبته لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته؛ ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال رحمه الله تعالى: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ إلى آخره؛ وهذا كذلك في إثبات السؤال، وهكذا كذلك الخطاب، وهو نوع من النداء الذي جاء ذكره في القرآن. قال: «فإن هذا النداء والقول سيكون يوم القيامة»، وفي الحديث: «ما من عبد إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان»؛ وسيأتي معنا هذا الحديث إن شاء الله تعالى في أواخر هذه الرسالة في الكلام على الأحاديث من السنة في إثبات مباحث الصفات؛ وهو حديث عدي بن حاتم، أصله في الصحيحين. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.