الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 30، الدرس الثلاثون:من( ثم قال رحمه الله:وذلك برهان على أن قدرها*حناح بعوض أو أدق وألأم ... وهذا من باب تأكيد الشي بما يشبه النفي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح مثل يوضح ضآلة الدنيا مقارنة بالآخرة مستدلًا بحديث قدسي يبين عطاء الله. الدنيا مهما عظمت فهي حقيرة عند الله.
يشرح معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدل على هوان الدنيا عند الله تعالى. إعطاء الله الدنيا للكفار دليل على قلة قيمتها.
يُبين تفوق الآخرة على الدنيا من حيث المدة واللذة والنعيم. يحث على الاجتهاد في السير إلى الله والوصول إلى نعيم الآخرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا رحمه الله تعالى: ثم قال رحمه الله تعالى: وذلك برهان على أن قدرها جناح بعوض أو أدق وألأم، وحسب كما قال الرسول ممثلًا لها ولدار الخلد والحق يفهم، كما يدل الإنسان في اليم إصبعًا وينزعها منه، فما ذاك يغنم. قال يعني رحمه الله: أن مثل الحياة الدنيا في الآخرة كرجل جعل إصبعه في اليم ثم نزعه، فهل يرجع من ذلك بشيء؟ الجواب: أنه لا يرجع بشيء، بل إنه إذا وضع إصبعه في البحر ثم أخرجه لم ينقص بذلك البحر. وهذا كقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد وسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط أو المخيط إذا غمس في البحر». وهذا من باب تأكيد الشيء بما يشبه النفي، ومعنى أنه يأخذ شيء لكنه لا يكاد يذكر، هذا الذي أخذته الأصبع. أورد الإمام بن القيم رحمه الله كذلك هذه الأبيات واعظًا ومذكرًا السائرين إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا الراغبين في الوصول إلى بلاد الأفراح بأن لا يغتروا بهذه الدنيا، بعد أن ضرب الأمثلة السابقة، وما وعظ به رحمه الله أتبع فقال: وذلك برهان على أن قدرها جناح بعوض أو أدق وألأم. ومعنى أن ما سبق مما ذكر من أمثلة وما وعظ به رحمه الله، هذا دليل وبرهان لصحة ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام في الحديث، وأشار في التعليق إليه حديث سهل بن سعد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء». والحديث رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح وله طرق، وصححه العلامة الألباني في مواضع في «الصحيحة». وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فأخذ برجلها وقال: «والله لالدنيا أهوى عند الله من هذه عند صاحبها»، ثم قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها ماء أو قال شربة ماء». والمعنى: أن الدنيا هينة، ومن هوانها أنها أهوى من شاه ميتة، وكذلك مما يدل على هوانها وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة أنه سبحانه وتعالى سقى فيها الكفار وأعطاهم؛ لأن الدنيا لا تسوى عند الله جناح بعوضة. وقد مر معنا في الأمثلة السابقة كيف أن الناس يستدرجون فيها، وهذا فيه دليل على صحة ما جاء في هذا الحديث، وهذا قوله: وذلك برهان على أن قدرها جناح بعوض أو أدق وألأم. جناح البعوض معروف، البعوض من أصغر وأحقر الحشرات، ومع ذلك الدنيا لا تسوى جناح بعوضة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. أو أدق وألأم ومعناه أنها كذلك قدر الدنيا أدق من ذلك وأيسر من هذا؛ لأنها لا تساوي شيء حقيقة، وما هو الذي يؤكد أنها لا تسوى حتى جناح بعوضة؟ لأن جناح البعوضة له جرم، لكن الدنيا لا شيء. ودليله ما أتبع في البيت الثاني قال: وحسبك يعني مما يؤكد ما أقول لك وأعظك وأذكرك، وحسبك ما قال الرسول ممثلًا لها ولدار الخلد والحق يفهم، يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام مثل الدنيا بالآخرة وبه يفهم الحق ويعرف، كما يذل الإنسان في اليم إصبعًا يعني إدخال الإنسان إصبعه في الماء وينزعها منه فما ذاك يغنم. والماء ماء اليم يعني ماء البحر، فماذا عسان يرجع لا بشيء، وهذا هو ما أشار إليه المعلق من حديث النبي عليه الصلاة والسلام حديث المستورد بن شداد أنه قال عليه الصلاة والسلام: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه وأشار إلى السبابة فلينظر بما يرجع». ومعنى أنه لا يرجع بشيء، فكذلك أمر الآخرة بالنسبة للدنيا، فالدنيا بالنسبة للآخرة لا شيء، وهذا هو تفسير وتوضيح معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «للدنيا أهوى عند الله من هذه عند صاحبها» يعني الشاه الميتة. وهكذا كذلك أنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فبالنسبة للآخرة الدنيا لا شيء، مع أن فيها كثير حتى أعطي فيها الكفار واغتر بها من اغتر من الفجار، بل وربما يبتل بها من يبتلى حتى من أهل الإيمان، ولكن لو عرفوا حقيقتها ما كانت الدنيا مدعاة للفتنة والاغترار؛ لأنها لا تساوي عند الله جل وعلا شيئًا. أولًا لأنها ليست دار بقاء، وثانيًا لأن ما يأتي إليه الإنسان من أمر الآخرة من نعيم مقيم أو عذاب وجحيم والعياذ بالله أمره عظيم بالنسبة لما في الدنيا، ولهذا فهي لا تساوي شيء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث في أمر الإصبع. وذلك لأن الأمر الدنيا بالنسبة لقصر مدتها وفنائها ذاتها لا شيء بالنسبة للآخرة، حيث اليوم الواحد بخمسين ألف عام، وحيث اللذة التي لا تنقطع والنعيم الذي لا يحصر مع رضوان الله سبحانه وتعالى، وفوارق ما في الآخرة مما في الدنيا مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فهذا كله يدعو الإنسان أن يشمر ويجد ويجتهد في سير إلى الله والوصول إلى بلاد الأفراح، نسأل الله عز وجل أن يصلحنا ويصلح أقوالنا وأعمالنا، وإلهنا والله تعالى أعلى وأجل.