الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 29، الدرس التاسع والعشرون:من( ثم قال رحمه الله:وأعجب من ذا أن أحبابها الألى*تهين وللأعدا تراعى وتكرم ... وأنت فيها من أشقى الناس؟!فإن هذا من العجب!). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُناقش الشيخ ابن بريك رحمه الله مسألة التعلق بالدنيا وخطورتها على أصحابها، حيث تُهين محبيها وقد لا يحصل الإنسان على الكثير منها رغم سعيه وراءها. يُعطي الله الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، بينما الدين لا يُعطيه إلا لمن يحب.
ينبغي للإنسان أن يوازن بين الدنيا والآخرة، مع تقديم الآخرة على الدنيا، وجعل همه الآخرة ليكون غنيا في قلبه وتأتيه الدنيا راغمة. كما يُشدد على أهمية العمل الصالح كمعيار لتمييز المحسن من المسيء.
العمل عبادة يعني أن يكون في إطار طاعة الله والتقيد بما هو حلال واجتناب المحرمات، مع احتساب الأعمال في حدود ما يرضي الله. هذا الفهم يصحح مفهوم العمل العبادي ليكون خالصًا لوجه الله.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ثم قال رحمه الله: وأعجب من ذا أن أحبابها الأولى تهينوا وللأعداء تراعى وتكرموا. قال: وهذا هو المشكل، فأحيانا يكون المتيّم بها والمحب لها من أقل الناس حظا فيها، فتجده لا ينام الليل من طلب الحياة الدنيا، وتجده دائما شاردا في فكره وعقله وقوله وفعله، فلا ينام ولا يستريح، ومع ذلك كله هو من أقل الناس حظا فيها. وهذا شيء مشاهد مجرب. إذن فكيف تجعل هذه الحياة الدنيا أكبر همك ومبلغ علمك وأنت فيها من أشقى الناس؟ فإن هذا من العجب. وهذه عظة أخرى من الإمام ابن القيم رحمه الله، يعظ فيها من يغتر بهذه الدنيا بأن يلفت انتباههم إلى معنى ربما غفلوا عنه، وذلك أن من عجيب أمر الدنيا أن من كان متعلقا بها وشديد الحب إليها - وهو الذي ذكر في الأبيات السابقة متيما، أي بلغ الحب عنده لها منازل عالية - أنه فيها مهان. وأعجب من ذا أن أحبابها الأولى تهينوا وللأعداء تراعى وتكرموا. ومعناه أن مما ينبغي أن يوعظ به هذا الأمر العجيب، إذ أن الكثير ممن تعلقت قلوبهم بالدنيا هم في تعب دائم وفي نصب مستمر، كادحون كالحون، ومع ذلك لم يخرجوا منها بشيء كثير. لأن حقيقة عطاء الدنيا ليس بكثرة الإقبال إليها، فالله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب. وأما الدين فإنه لا يعطيه سبحانه وتعالى إلا من يحب. فهي أرزاق مقسومة ومقدرة، اجتهدت كثيرا أو اجتهدت قليلا. ولا يعني ذلك أن الإنسان يدعى العمل بالأسباب، ولكن معناه أن لا يركن إلى الأسباب ولا يتعلق قلبه بالأسباب، بل يتعلق بالله عز وجل مسبب الأسباب، ويجعل تعلقه بربه للأمر الديني أعظم من الأمر الدنيوي. كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، هذا هو المحسن من يقدم الآخرة على الدنيا، ومن يؤثر الباقي على الفاني. ومع ذلك لا ينقص نصيبه من الدنيا، فالإنسان يسأل الله عز وجل حتى شسع نعله، يسأل ربه سبحانه وتعالى حتى نعله الخاربة يسأل ربه أن يعينه على إصلاحها. هذا ليس نقصا ولا تعلقا بالدنيا، ما دام أن قلبه فيه قناعة من الدنيا وهو يطمع بما عند الله من خيره الباقي. لكن ينبغي أن ينتبه الإنسان في هذه الدنيا إلى معنيين اثنين: المعنى الأول أن لا يقدم الدنيا على الآخرة، بل يجعل همه في الآخرة، لأنه لو كان همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أنس وغيره، ومعناه وشواهده تدل عليه أدل كثيرة. والعكس من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة. والمعنى الثاني أنه كذلك لا يعني ذلك المعنى الأول أن ينقطع عن عمله بالأسباب، سواء الدينية أو الدنيوية، لأنه يحتاج إلى الدنيا ليستعين بها في الوصول إلى الآخرة، فيأخذ منها زاده الذي هو زاد المسافر كما تقدم، وزاد عابر السبيل والمستظل تحت الشجرة. ولو وسع الله عز وجل عليه من عظيم فضله وعطائه فيقبل فضل الله، ولا أحد يستغني عن فضل الله، لكن يستعين به على طاعة الله. فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ليس بالإسراف والتبذير، ولكن بالاستعانة بها على طاعة الله. وأبواب الطاعة كثيرة، يوسع على نفسه في أبواب الطاعة، وهكذا كذلك يحسن إلى غيره، وأحسن كما أحسن الله عز وجل إليه، واليد العليا خير من اليد السفلى. فالخلاصة أن من عجائب أمر الدنيا أن أحبابها يفتنون فيها، فتجدهم في تعب ونصب، ومع ذلك الدنيا تهينهم، هم في تعب ونصب في جمع الدنيا والدنيا تبتعد عنهم. والعكس من هو معرض عن الدنيا ربما تأتي إليه الدنيا. وهذا حكمة منه سبحانه وتعالى، إذ أن الله عز وجل قد يبتلي بالنعماء كما يبتلي بالشدة والضراء، كما قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، فينظر من يصبر ومن لا يصبر، ومن يشكر ممن يكفر. ولذلك تجد أن بعض الناس ربما يتعجب كيف هو في شدة اجتهاد في أمر الدنيا ومع ذلك لم يصل إلى ما وصل إليه غيره مما هو ليس كذلك في الاجتهاد في أمر الدنيا. فهل هذا دليل أنه على خير؟ لأن الشيطان ربما يزين له فيقول له: «حفّة الجنة بالمكاره وحفّة النار بالشهوات»، فيقول: آه الشهوات ما جاءتني، جاءت إلى غيري، فأنا إذن من أهل الجنة. ليس بالدعاوى أنت من أهل الجنة، هل عملت بعمل أهل الجنة؟ فسعيت إليها وبالغت حقها؟ أو لأنك ترى نفسك في تعب ونصب فأنت إذن تظن نفسك أنك من أهل الجنة بسبب تعبك ونصبك؟ ليس التعب والنصب هو المعيار الذي يميز به المحسن من المسيء. لأن الدنيا كما مر تعطى لمن يحب الله ومن لا يحب، وأما الآخرة والدين فلا يعطى إلا لمن يحبه الله سبحانه وتعالى. إذن قس نفسك بالأمر الديني لا بالأمر الدنيوي. ويحكى أن رجلا يهوديا - وذكره للتاريخ والسير والتراجم في ترجمة الحافظ ابن حجر رحمه الله - أن رجلا يهوديا فقيرا معدما في غاية من الضيق والضنك وضيق العيش استوقف الحافظ ابن حجر وهو في أبهته والناس حوله وهو راكب رحمه الله تعالى. فقال له: يا شيخ إني سائلك سؤالا. قال: اسأل. قال: أليس نبيكم يقول: «الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن»؟ قال: بلى. قال: أما ترى ما أنت فيه وما أنا فيه؟ يعني فإنه يقول: من منا إذن الذي في سجن؟ أنا فقير تعبان كما ترى، وأنت في هذه الأبهة وهذا النعيم، فمن منا الذي الدنيا سجنه؟ من الذي الدنيا جنته؟ فقال له الحافظ ابن حجر رحمه الله: ما أنت فيه مما سترد عليه جنة، وما أنا فيه مما سأرد عليه سجن. فالمؤمن مهما أعطي من الدنيا فهو لا يزال في سجن، لأن ما سيرد عليه - ما دام مؤمنا بالله عاملا فيما هو من مرضاة الله - فهو في سجن، لأن ما سيرد عليه من أمر نعيم الآخرة ورضوان الله هو الجنة الحقيقية. والكافر - والكافر - مهما بلغ من النعيم أو كذلك بلغ من الشقاء، فما هو فيه في الحقيقة نعيم وجنة بالنسبة لما سيأتي عليه من أمر الآخرة. وكما يقال هذا في حق اليهود والكافر، فكذلك يقال بالنسبة للمقارنة بين التقي والفاجر، حتى لا يغتر مغتر ممن أضاع دينه بأن هذا الذي هو فيه هو العبادة. بعض الناس يقول: العمل عبادة. سبحان الله! العمل عبادة معناه تترك الصلاة؟ العمل عبادة معناه تترك الصيام؟ العمل عبادة معناه لا تبالي بين الحلال والحرام حتى تأكل من مهب ودب؟ لا تبالي بين حلال وحرام وواجب ومحرم؟ ليس هذا معنى «عبادة» إذا احتسبت وفي حدود طاعة الله. فينتبه لهذا المعنى، ونكتفي بهذا القدر. وإلى هنا والله تعالى أعلم.