الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 8، الدرس الثامن:من( ثم قال رحمه الله:ولما رأت أبصارهم بيته الذي*قلوب الورى شوقاً إليه تضرم ... فيزول عنه ألم القلب فلا يبقى فيه شيء من الألم أو التعب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
عند رؤية البيت الحرام، ينسى الحجاج والمعتمرون المشاق التي واجهتهم في رحلتهم. هذا يعتبر تسلية لمن يسعى إلى لقاء الله عز وجل.
الحجاج ينسون التعب عند رؤية البيت الحرام ويشكرون الله على نعمه، وهذا يشبه رحلة المؤمنين إلى الآخرة حيث يجدون الفرح والسعادة.
ابن القيم يصف فرحة الواصلين إلى بيت الله الحرام والجنة، ويحث على تذكر يوم الفرح الأكبر عند لقاء الله تعالى.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال -ثم قال- رحمه الله تعالى: «ولما رأت أبصارهم بيته الذي قلوب الورى شوقا إليه تضرموا، كأنهم لم ينصبوا قط قبله؛ لأن شقاهم قد ترحل عنهم». قال -يعني رحمه الله- أنهم لما وصلوا إلى المحبوب نسوا جميع المشاق التي واجهوها في الطريق، وكأن شيئا لم يكن. وكأنهم لم يحصل لهم ذلك الشعث والغبرى والتعب والجوع والعطش والحر والبرد، مع ما لا يخفى من متاعب أخرى وعوارض تعترض المسافر في سفره والسائر في سيره إلى الحج أو العمرة؛ فإنه تمر بالإنسان مشاق ومتاعب حسية ومعنوية. فكل ذلك ينسى ويهون ويزول حين ترى الأبصار بيت الله عز وجل فرحا وسرورا بلقاء ما يحبون. وقوله رحمه الله: «تضرموا» أي تلتهب، كما أشار المعلق، ومعنى ذلك من شدة شوقهم وحبهم. كأن في قلوبهم لهب من شدة ذاك الشوق. فهذا هو الذي ينسى المرأة ذاك التعب. وهذا كما تقدم معنا أن المؤلف رحمه الله يقرب المعنى البعيد بالمعنى القريب. فكأنه يقول في فاتحة هذه القصيدة التي هي في الرحلة إلى بلاد الأفراح: يا من تريد السير إلى الله عز وجل، وشق عليك ما في الطريق في سيرك إلى رضوان الله ورحمته، اعتبر بهذا المثل القريب كيف تزول تلك الأحزان والأتراح والمشاق براحة النظر والرؤية لبيت الله عز وجل. فكيف بالله عز وجل العظيم؟ وهنا يصح قوله سبحانه وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. فإن النظر إلى وجه الله عز وجل من عظيم نعيم الله على عباده، كما أنك تشعر بنعمة عظيمة وفرحة شديدة حين يوفقك الله عز وجل لرؤية بيته الحرام، وكلك شوق ورغبة وحب في رؤية بيت الله الحرام. فكيف بالله العظيم؟ فإذا كان مثل هذا المخلوق المعظم بتعظيم الله أنساك تلك المشاق والمتاعب فهانت وزالت، فكيف بالله العظيم؟ وكيف برضوانه وعظيم عطائه الكريم؟ وكيف بجنته سبحانه وتعالى التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟ نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهلها. فإذا كان كذلك، فهذا تسلية ومثال مقرب لمن يريد الرحلة إلى بلاد الأفراح أن يجعل هذا ما يعينه، أو مما يعينه في رحلته الطويلة في هذه الرحلة القصيرة، وفي رحلته البعيدة في هذه الرحلة القريبة. قال شيخنا رحمه الله: «ولقد حدثني من أثق به أنه حج مع جماعة في شدة الحر، وقد كشفوا رؤوسهم، فكانت الرؤوس من شدة الحر تطير قشورها، وهم مع ذلك صابرون محتسبون يرجون ثواب الله عز وجل». والأعظم من ذلك أن قلوب المحبين ليس فقط فيها صبر، بل فيها ما هو أعظم من ذلك، وهو الشكر؛ لأن قلوب المحبين إذا وصلوا إلى ما يحبون عظم في ذلك الفرح والاغتباط، فكان ذاك شكرا لله عز وجل على ما وفقهم من الوصول إلى ما يحبون. وهذا هو الواقع، فإن كل من كمن في قلبه الحب لبيت الله الحرام وشدة الشوق ينسى كل المتاعب والآلام والأحزان، لا يجد نفسه إلا شاكرا لله عز وجل إذ وفقه للوصول إلى بيته الحرام؛ فهو بلغ منزلة أعظم من منزلة الصبر، وهي منزلة الشكر. والناس مع البلاء كما تقدم في دروس سابقة أربعة مراتب: «صاخط» وهو من لم يصبر مع البلاء فظهر ذلك في قوله أو فعله، وهو آثم، و«صابر» وهو من تحمل البلاء فلم يظهر منه ما ينافي الصبر من تصخّط بقول أو فعل، وهذا مأجور، و«راضي» وهو من بلغ مرتبة الصابر وزاد معه أن عنده في قلبه الرضا بهذا القضاء وهذا الابتلاء، والرابع «شاكر» وهو من عنده ما عند الصابر والراضي وزاد عنده أن هذا العبد يجد أن هذا البلاء وهذا الامتحان معنى من المعاني التي يستحق أن يشكر عليها الرب سبحانه وتعالى؛ لما كان من لطفه في قضائه، ولنعيمه بعد بلائه. فإن من تأمل أكثر المحن والابتلاءات يجد أن فيها عاقبة حسنة للمتقين. ولهذا فإن العبد الذي كملت عبوديته لا يجد نفسه إلا شاكرا لله على ما ابتلاه؛ لطفه في قضائه، وهكذا كذلك لحكمته في عطائه بعد بلائه. فهو ليس فقط صابر وراض، بل عنده زيادة على ذلك شكر بقلبه وبجوارحه، بلسانه وسائر أركانه. فكذلك الحال في هذا المقام، والمقصود منه أن يوطن الراحل من هذه الدنيا إلى بلاد الأفراح نفسه على هذه المعاني التي بها تسهل عليه المشاق وتخف الآلام والأحزان، ويتسلّى بذلك في المواصلة والثبات في سيره إلى الله عز وجل في رحلته الطويلة. ولهذا قال بعده: «كأنهم لم ينصبوا قط قبله؛ لأن شقاهم قد ترحل عنهم». فكذلك الذي يسير ويريد الجنة مثله كمثل من وصل إلى بيت الله الحرام. كما أن هؤلاء لم يشعروا بالتعب من شدة الفرح، ولم يتذكروا الشقاء من شدة النعيم واللقاء بالمحبوب، حتى إن ذاك الشقاء كأنه ترحل عنهم، فلم يجدوا له أثرا لا في جسدهم ولا في قلوبهم، مع أن الناظر إليهم قد يرى عليهم آثار الشقاء وآثار التعب والنصب، ويتعجب من شدة الفرح وعدم الشعور بالتعب والنصب؛ وذلك لأن الفرح بلقائهم بالمحبوب قد أنساهم وأذهب عنهم ما سبق. فكذلك الأمر بالنسبة للآخرة، وهذا من براعة المؤلف رحمه الله في تقريب الأمر المعنوي بالأمر الحسي والأمر البعيد بالأمر القريب. قال -ثم قال- رحمه الله: «فلله كم من عبرة مهراقة وأخرى على آثارها لا تقدم». قال الشيخ رحمه الله -يعني رحمه الله- أنهم إذا رأوا البيت بكوا وعجّوا بالبكاء لحصول مطلوبهم وشدة شوقهم إلى ربهم عز وجل، لا لألم أو ضيق. ومعنى ذلك أنهم ليس فقط ينسون ما أصابهم من تعب ونصب، بل إنهم يجدون من الفرحة «عبرة مهراقة»، والعبرة هي الدمعة التي تنزل من غير رضا صاحبها، ولا يكون معها صوت، وتكون لتحرك معاني في القلب. فهذه العبرة وهذا تقريب لذاك المعنى المقصود؛ فإنه يريد أن يضرب بهذا المثال تقريبا للمعنى الذي يكون كذلك بالفرح والاغتباط بالوصول إلى رحمة الله لمن يوفقه الله عز وجل إلى ذلك. وكم قد حكى لنا ربنا جل وعلا من فرح من وفقه الله إلى نعيمه بذاك اليوم، واقتباطه بما يكون إذ من الله عز وجل عليه، ونجاه من أقران ربما كانوا سببا لهلاكه لولا إذ من الله عز وجل عليه بالنجاة. ولاحظ إلى هذا التعبير البليغ حتى نقل هذا المعنى المحسوس -هذا المعنى المعنوي- إلى معنى محسوس؛ فجعل العبرة أنه يجاهدها فواحدة سقطت والأخرى وقفت -يعني لم تسقط ولم ترجع-، وهذا تمثيل بليغ منه رحمه الله تعالى في بيان حال الفائزين الذين فازوا بالوصول إلى بيت الله الحرام، فكان لهم مثل هذه الفرحة والبهجة. فكيف بالوصول إلى ما هو أعظم من ذلك من جنة الله عز وجل والرضوان واللقاء بالله العظيم؟ قال -ثم قال- رحمه الله: «وقد شرقت عين المحب بدمعها، فينظر من بين الدموع ويسجم». قال -يعني رحمه الله- أن الإنسان إذا غرورقت عيناه من الدموع فإنك تجده لا يبصر البصر المعروف؛ لأن الدمع يملأ العين فيكون كالغشاء الذي لا يعطيه الجلاء في النظر. قال: «ولكن ينظر من بين الدموع -من بين هذا الماء الذي يترقرق في عينيه-». ومراده رحمه الله -أي مراد ابن القيم رحمه الله- زيادة التأكيد لفرحة هذا المحب في وصوله إلى ما يحب، حتى كأن العين قد شرقت بهذا الدمع من شدة الحب، فصار الدمع منهما ينزل ومنهما يقف في عتبة العين، وهو مع هذا كله في غاية من الفرح والبهجة بوصوله إلى ما يحب. «فينظر من بين الدموع» أي منظر المحب إلى من يحب. ومعنى «يسجم» كما أشار: أي أنه يدقق في النظر مع إسالة هذا الدمع ووقوف بعضه على العين. وهذا تأكيد ما تقدم من شدة حبه وبهجته. فإذا كان كذلك في حق هذا، فكذلك من باب أولى في حق الرحلة الأخرى البعيدة إلى بلاد الأفراح. قال رحمه الله -ثم قال رحمه الله-: «إذا عينته العين زال ظلامها، وزال عن القلب الكئيب التألم». قال: «وإنما كان كل ذلك لأنه يرى بيت محبوبه الذي ما جاء من أقصى البلاد إلا من أجله، فيزول عنه ألم القلب، فلا يبقى فيه شيء من الألم والتعب أو التعب». وصدق رحمه الله؛ فإن عين المعاين إذا عاينت -أي تمعنت في النظر إلى ما تحب- زال ظلامها. ومعنى «زال ظلامها» أي زال ألمها وغشوتها. فقد مر بهذا العين تعب تعب السهر ومداومة السفر، وتعب كذلك ما لقي من حر وبرد وشدة وغبار وريح وغير ذلك مما لا يخفى ما يلقاه المسافر بسفره. وهكذا كذلك ما حصل له من دمع الفرح باللقاء، ومع ذلك كله فإن تلك الغشاوات زالت؛ لأنه ينظر بنظر المحب الذي لا يعيقها عائق. وكما هذا حصل للعين حصل مثله للقلب، وهذا قوله رحمه الله: «وزال عن القلب الكئيب التألم». كما أن العين صارت لا تتألم من شدة الحب وشدة الفرح بلقاء ما تحب، فكذلك القلب ذهب عنه كل ما كان من كآبة السفر والتعب والنصب في رحلته. وهكذا كذلك بهذا المثل القريب يضرب المثل البعيد. فمن يسير إلى الله عز وجل في رحلته في هذه الدنيا، وكلنا سائرون إلى الله، ينبغي أن نتذكر يوم الفرح الأكبر حين يلقى العبد ربه سبحانه وتعالى، وهو فرح بطاعة الله ومجانبته لمعصيته. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا كذلك؛ فإنه يتم للعبد فرحة تزول معها آلام وتخف عنها أحزان وتذهب عنها كذلك ما كان على القلب الكئيب. وهذا كله تقريب للمعنى وإشارات من المؤلف رحمه الله إلى ما يكون به تسلية للعبد في سيره إلى ربه سبحانه. نقف عند هذا الحج، ونترقب الباقي بدرس لاحق، والله تعالى أعلم.