الدرس في تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يذكر الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ويأمر النبي بالصبر على أذى المشركين. ويبين قدرة الله على إهلاك الأمم السابقة وعجز كفار قريش عن الهروب من عذابه.
يفسر المقطع الآيات القرآنية ويبين معانيها، ويوجّه الرسالة للنبي وأمته بالصبر على أذى المشركين والكافرين. ويشير إلى أهمية الصلاة والأذكار في الأوقات المحددة.
الصلاة والذكر تحفظ العبد من شياطين الجن والإنس، وتسلط الشياطين يزيد عند الغروب والشروق. وذكر الله يعين العبد على الصبر وتحمل الأذى.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص؟ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب، فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود. قال المفسر رحمه الله: «وكم أهلكنا قبلهم من قرن» أي أهلكنا قبل كفار قريش قرونا كثيرة من الكفار هم أشد منهم بطشا وقوة، «فنقبوا في البلاد» فاتشوا في البلاد هل من محيص لهم أو لغيرهم من الموت، فلم يجدوا. إن في ذلك المذكور لذكرى، لعظة لمن كان له قلب عقل، أو ألقى السمع استمع الوعظ وهو شهيد حاضر بالقلب. ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها الأحد وآخرها الجمعة، وما مسنا من لغوب تعب، نزل رداً على اليهود في قولهم: «إن الله استراح يوم السبت» وانتفاء التعب عنه لتنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين، ولعدم المماثلة بينه وبين غيره، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: «كن فيكون». «فاصبر» خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم «على ما يقولون» أي اليهود وغيرهم من التشبيه والتكذيب. «وسبح بحمد ربك» صل حامداً «قبل طلوع الشمس» أي صلاة الصبح، «وقبل الغروب» أي صلاة الظهر والعصر، «ومن الليل فسبحه» أي صل العشاءين، «وأدبار السجود» تفتح الهمزة جمع دبر وكسرها مصدر أدبر، أي صل النوافل المسنونة عقب الفرائض. وقيل: المراد حقيقة التسبيح في هذه الأوقات ملابسا للحمد. ما زلنا في هذه السورة العظيمة، وفي هذه الآيات التي فيها محاججة ومجادلة المشركين والكافرين ممن عادوا النبي صلى الله عليه وسلم وردوا دعوته، وأنكر ما جاء به عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك أمر البعث والنشور. وبعد أن مرت معنا الآيات السابقات وما فيها ختم أو مهد لختم هذه السورة بهذا التذكير والتخويف كما ذكر ذلك في أول السورة كذلك. وهكذا القرآن العظيم، فيه من البلاغة في استفتاح السور وختمها ما يكون به التخويف والتهويل لمن يستحق ذلك. وذكر الأمم السابقة في أول السورة، وهكذا كذلك ذكر في آخر السورة. وقوله - كما ذكر رحمه الله -: «وكم أهلكنا قبلهم من قرن» أي أهلكنا قبل كفار قريش يعني أمم كثيرة، أمم كثيرة أهلكهم الله، ومعناه لا يعجزه سبحانه وتعالى أن يهلك كفار قريش، خصوصا كما قال جل وعلا: «هم أشد منهم بطشا» أي أشد من قومك في القوة، ومع ذلك أهلكهم الله سبحانه وتعالى. وقوله: «فنقبوا في البلاد هل من محيص» والمعنى انظروا وفتشوا هل كان لهؤلاء مهرب. وكما قال - أو كما فسر - محيص بأنه لا مهرب من عذاب الله والموت وما بعده. والمحيص كما مر معنا اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالمحيص هو هروب وزيادة، والمقصود بالمحيص الهروب مع الاختفاء، أي لا مهرب لهم ولا اختفاء ولا مكان لهم للاختفاء من عقاب الله عز وجل وعذابه والموت الذي يحل بكل أحد، وعندها يكون ما يكون من مجازاة الله عز وجل لعباده. إنه بذلك - قال المذكور - يعني مما ذكر في هذه السورة، وفي هذه الآية السابقة لذكرى، قال: لعظة، وهو كذلك كما تقدم، عظة وزيادة. فالذكرى عظة فيها اعتبار بكل ما يمر بالحياة، كأنه شريط يتذكره، تجتمع معه عدة عظات لمن كان له قلب، قال: عقل، والمقصود العقل الذي يكون في القلب. فعقل القلب ليس التفكير فحسب، ولكنه بمشاعره وبما معه من أحاسيس. فمن كان عنده قلب حي هو الذي ينتفع بالعظات، ومن كان له قلب ميت فإنه هو الذي يحرم الانتفاع بالعظات، سواء كانت شرعية أو كونية. وهذا هو حال المحرومين ممن حرموا هداية الرسل، قلوبهم ميتة مغلقة مغفلة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ المقصود من إيراد هذه الآية تكرارها في كتاب الله عز وجل بيان عظمة الله سبحانه وتعالى وعظيم إحاطته وقدرته بهذا العالم العظيم الكبير، فلا يعجزه أن يحيط بخلقه الضعفاء الفقراء. وفيه كذلك حكمة الله سبحانه وتعالى، فإذا كان الله العظيم بحكمته خلق هذه المخلوقات العظيمة وهذا الكون الواسع في هذه الأيام الستة، هو قادر أن يخلقها في لحظة بأن يقول: «كن فيكون». وإنما خلقها كذلك لحكمة. فكذلك ما يمهل - وهو لا يهمل سبحانه وتعالى - من أمر أعداء الرسل، فهو لحكمة منه سبحانه وتعالى لا لعجز. وقوله: «وما مسنا من لغوب» قال: تعب، واللغوب معنى زائد عن التعب والنصب، أي لا يمس الله عز وجل شيء من معاني اللغوب، لا تعب ولا نصب ولا غيره مما يكون للمخلوقين. وقوله: وانتفاء التعب عنه لتنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين، كما أشار في التعليق: إن أراد مشابهة المخلوقين فهذا صحيح، وإن أراد نفي كل صفة أو مسمى يوجد له نظير في المخلوق فهذا باطل. والثاني هو الذي قصده المفسر رحمه الله. وقوله: «فاصبر» الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك لأمته من بعده ممن يحمل هذه الرسالة ويبلغها. وكل من يبلغ دين الله عز وجل مقتديا بالنبي صلى الله عليه وسلم، أمور بالصبر أن يصبر على ما يقول أعداء الرسل وأعداء أتباع الرسل وأذيتهم من المشركين والكافرين والمجرمين. وهذا حال كل من حمل رسالة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقوله: «على ما يقولون» قال: أي اليهود وغيرهم من التشبيه والتكذيب. والظاهر - والله أعلم - أن الآية في سياق كلام المشركين واليهود يدخلون في هؤلاء، لأن الآيات في ذكر معادات المشركين وما ينبزون النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الألقاب والأوسمة جوراً في الخصومة، فقالوا: ساحر، وكاهن، وقالوا غير ذلك. «وسبح بحمد ربك» قال: صل حامدا «قبل طلوع الشمس» قال: أي صلاة الصبح، «وقبل الغروب» قال: أي صلاة الظهر والعصر، «ومن الليل فسبحه» أي صل العشاءين، «وأدبار السجود» قال: بفتح الهمزة جمع دبر، وكسر الهمزة مصدر أدبر. ومعناه في آخر هذا الوقت وقبل خروج هذا الوقت، لأنه قال: «قبل الغروب ومن الليل فسبحه وإدبار السجود». وقوله: أي صل النوافل المسنونة عقب الفرائض. وقيل: المراد حقيقة التسبيح في هذه الأوقات ملابسا للحمد. والصحيح أنه يشمل ذلك كله، فيشمل الفرائض التي شرعها الله عز وجل، صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وصلاة العصر قبل غروب الشمس، وهاتان صلاتان معظمتان من الصلوات الخمس. وهكذا الأذكار قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، وهكذا النوافل قبل كذلك الغروب وقبل الشروق. وفي هذا كذلك مما يعين على الصبر، مما يعين على الصبر في حق من تحمل ما تحمل به الرسل عليه الصلاة والسلام، كثرة ذكر الله عز وجل والمحافظة على الصلاة والأذكار، خصوصا في هذه الأوقات، فإنه يعين على هذه الأمانة والمسؤولية وتحمل العناء. لما يجد المتصل بالله عز وجل بالصلاة والذكر من القوة والعون ما يعينه على الصبر، فيحفظ من شياطين الجن، ويحفظ من شياطين الإنس كذلك. فلا يتسلط عليه شياطين الجن، وأكثر تسلط شياطين الجن عند الغروب وعند الشروق. وهكذا كذلك شياطين الإنس، ولو تأملت أكثر الشرور التي تحصل تحصل في هذين الوقتين، أي حول هذين الوقتين. وكون العبد متصلا لله وذاكرا لله عز وجل، فإن هذا يعينه على حفظ الله عز وجل له وتحمل المشاق والصبر على أنواع الأذى.