تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وصف يوم القيامة وجزاء المتقين والمجرمين

يصف يوم القيامة حيث تُسأل جهنم إن امتلأت وتطلب المزيد، بينما تُقرب الجنة للمتقين. يُظهر جزاء المتقين والمجرمين ويبين حالهم في الآخرة.

صفات المتقين وأهل الجنة ومظاهر نعيمهم

يُبيّن أن أهل الجنة يتسمون بصفات التقوى والخشية من الله، ويُكافأون بنعيم مقرب لهم. يتناول صفاتهم مثل خشية الله وحفظ الأمانة والتوبة.

تفاوت الناس في تحقيق صفات التقوى ودخول الجنة

يشير إلى تفاوت الناس في تحقيق صفات التقوى وتأثيرها على دخولهم الجنة. يبين أن هذه الصفات تؤدي إلى دخول الجنة بسلام.

جزاء المؤمنين في الآخرة ونعيمهم الأبدي

يكرم الله المؤمنين في الآخرة بجزاء عظيم يتمثل في دخول الجنة ورؤية الله سبحانه وتعالى والتلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم.

التفريغ النصي الكامل

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ وَدُخِلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ. قَالَ الْمُبَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَوْمَ نَقُولُ بِالنُّونِ وَالْيَاءِ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ، السُّفَهَاءُ مُتَحَقِّرٌ لِوَعْدِهِ بِمِلْئِهَا، وَتَقُولُ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ كَالسُّؤَالِ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ أَيْ لَا أَسَعُ غَيْرَ مَا امْتَلَأْتُ بِهِ، أَيْ قَدْ امْتَلَأْتُ. وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ قُرِّبَتْ لِلْمُتَّقِينَ مَكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْهُمْ، فَيَرَوْنَهَا، وَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا الْمَرْئِيُّ مَا تُوعَدُونَ فِي التَّاءِ وَالْيَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَيُبَدَّلُ مِنْ الْمُتَّقِينَ قَوْلُهُ: لِكُلِّ أَوَّابٍ رَجَاعٍ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، حَفِيظٍ حَافِظٍ لِحُدُودِهِ. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ خَافَهُ وَلَمْ يَرَهُ، وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ مُقْبِلٍ عَلَى طَاعَتِهِ، وَيُقَالُ لِلْمُتَّقِينَ أَيْضًا: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ سَالِمِينَ مِنْ كُلِّ مَخُوفٍ أَوْ مَعَ سَلَامٍ، أَيْ سَلِّمُوا وَادْخُلُوا، ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الدُّخُولُ يَوْمُ الْخُلُودِ، لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ زِيَادَةٌ عَلَى مَا عَمِلُوا وَطَلَبُوا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ: مَا زِلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَظِيمَاتِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ، وَالَّتِي فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ مُحَاجَّةُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ الَّذِي أَنْكَرُوهُ، وَكَذَلِكَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالْعِنَادِ وَمُحَادَاةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي رِسَالَتِهِ. وَهَذِهِ الْآيَاتُ فِيهَا كَمَا سَمِعْنَا إِمَّا ذِكْرُهُ مُفَسِّرٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَذْكِيرٌ وَتَخْوِيفٌ بِنَارِ جَهَنَّمَ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ وَالْمُجْرِمِينَ، فَهَذِهِ النَّارُ الْعَظِيمَةُ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَدْخُلَ كُلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، بَلْ وَتَطْلُبُ الْمَزِيدَ، وَبِهَذَا تَخْوِيفٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ وَالْمُجْرِمِينَ مِنْ هَذِهِ النَّارِ الْعَظِيمَةِ. وَقَوْلُهُ: يَوْمَ نَقُولُ بِالنُّونِ وَالْيَاءِ، أَيْ قِرَاءَتَانِ سَبْعِيَّتَانِ مَشْهُورَتَانِ، كَمَا أَشَارَ فِي التَّعْلِيقِ، وَأَوْجُهُ الْقِرَاءَةِ تَأْتِي تَارَةً عَلَى مَا يَكُونُ بِهِ لِسَانُ الْعَرَبِ مِمَّا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ بِهِ نُطْقُهُ، وَتَارَةً لِإِضَافَةِ مَعَانٍ يُقْصَدُ بِهَا بِهَذِهِ الْأَوْجُهِ مِنْ الْقِرَاءَاتِ. فَبِالْيَاءِ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ، أَيْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَبِالنُّونِ كَذَلِكَ أَيْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: بِالنُّونِ أَيْ بِمَا يَقُولُهُ الرَّبُّ جَلَّ وَعَلَا وَمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ مَلَائِكَتِهِ. وَبِهَذَا تَصْوِيرٌ لِهُولِ الْمَوْقِفِ أَنَّ النَّارَ تَطِيشُ طَيْشَانًا عَظِيمًا وَهِيَ تَطْلُبُ الْمَزِيدَ حَتَّى يُشْغِلَ ذَلِكَ مَلِكَةُ النَّارِ، فَيَضَعَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَلَا قَدَمَهُ فِيهَا فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، كَمَا جَاءَ فِي الصِّحَيْحَيْنِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَاءَ مَعْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ. فَيَكُونُ فِي هَذَا زِيَادَةُ التَّصْوِيرِ لِهَذَا الْوَصْفِ الْعَظِيمِ وَالْهُولِ الْكَبِيرِ الَّذِي يَكُونُ لِجَهَنَّمَ حِينَ تَطْلُبُ الْمَزِيدَ، وَهَذَا زِيَادَةٌ فِي التَّخْوِيفِ وَالتَّهْوِيلِ لِهَذَا الْحَالِ. وَقَوْلُهُ: هَلِ امْتَلَأْتِ، قَالَ: اسْتِفْهَامُ تَحْقِيقٍ لِوَعْدِهِ بِمِلْئِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِفْهَامَ حَقٌّ سَيَكُونُ، وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمِلْئِهَا، أَيْ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَمِلْءُهَا بِإِدْخَالِ كُلِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ دُخُولَهَا، فَلَا يُفْلِتُ أَحَدٌ مِمَّنِ اسْتَحَقَّهَا أَلَا يَدْخُلَهَا، وَلَوْ كَانَ دُخُولًا مُؤَقَّتًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. وَتَقُولُ: قَالَ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ كَالسُّؤَالِ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، أَيْ أَنَّهَا تَطْلُبُ الْمَزِيدَ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: أَعْطُونِي الْمَزِيدَ. وَقَوْلُهُ: لَا أَسَعُ غَيْرَ مَا امْتَلَأْتُ بِهِ، أَيْ يُشِيرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَجَاءَتْ بِهِ تَفَاسِيرُ الصَّحَابَةِ: إِنَّهَا لَا تَمْتَلِئُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَضَعَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَلَا قَدَمَهُ فِيهَا. وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ، قَالَ: قُرِّبَتْ، وَتَقَدَّمَ مَعَنَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى فِي قُرِّبَتْ هُوَ يُقَرِّبُ مَعْنَى أُزْلِفَتْ، فَأُزْلِفَتْ تَقْرِيبٌ وَزِيَادَةٌ، وَالْمَعْنَى زِيَادَةٌ فِي إِكْرَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَرَّبُونَ إِلَيْهَا لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْإِكْرَامِ، وَكَذَلِكَ الْإِجْلَالِ، فَيَدْخُلُونَهَا وَهُمْ فِي غَايَةِ الْإِنْعَامِ. وَقَوْلُهُ: لِلْمُتَّقِينَ، قَالَ: مَكَانًا، أَيْ جُعِلَ لِلْمُتَّقِينَ مَكَانًا فِي جَهَنَّمَ، وَالْمَعْنَى أَوْسَعُ مِنْ هَذَا، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى قُرِّبَتْ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذِكْرُ الْمُتَّقِينَ مِنْ ذِكْرِ الْبَعْضِ الْمُرَادُ بِهِ الْكُلُّ. وَيَكُونُ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مِنْ أَعْظَمِ مَا يُوجِبُ الْإِكْرَامَ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ تَحَقُّقُ وَصْفِ التَّقْوَى فِي أَهْلِهَا، فَمَتَى تَحَقَّقَ هَذَا الْوَصْفُ تَحَقَّقَ غَايَةُ الْإِكْرَامِ لِصَاحِبِهِ. وَقَوْلُهُ: غَيْرَ بَعِيدٍ، قَالَ: مِنْهُمْ، فَيَرَوْنَهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْإِنْعَامَ يُقَرِّبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حِسًّا وَمَعْنًى، يُقَرِّبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حِسًّا وَمَعْنًى، فَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ مِنْ الْقُرْبِ وَلِأَجْسَادِهِمْ كَذَلِكَ مِنْ الْقُرْبِ مَا يُكَمِّلُ لَهُمُ النَّعِيمَ. وَقَوْلُهُ: هَذَا، أَيْ الْمَرْئِيُّ، لِأَنَّ الْجَنَّةَ بِذَلِكَ الْيَوْمِ يَرَوْنَهَا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، وَلِهَذَا قَالَ: الْمَرْئِيُّ، وَإِلَّا فَالْإِشَارَةُ قَدْ تَكُونُ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَ أَنَّ الْقُرْبَ قُرْبُ مُعَايَنَةٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: مَا تُوعَدُونَ، قَالَ: بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ، أَيْ قِرَاءَتَانِ سَبْعِيَّتَانِ، كَمَا أَشَارَ فِي التَّعْلِيقِ، فَبِالْيَاءِ قَرَأَهَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ قَرَأُوهَا بِالتَّاءِ. وَكَمَا مَرَّ مَعَنَا أَنَّ أَوْجُهَ الْقِرَاءَاتِ يُؤْتَى بِهَا لِإِضَافَةِ مَعَانٍ أَوْ كَذَلِكَ لِأَوْجُهٍ لُغَوِيَّةٍ أُخْرَى، فَتُوَعَدُونَ أَيْ لِلْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ يُوعَدُونَ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ يَكُونُ بِالزَّمَانِ وَقُرْبِهِ وَبُعْدِهِ وَحَالِ أَصْحَابِهِ. وَقَوْلُهُ: بِالدُّنْيَا، أَيْ وَعَدَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا الْوَعْدِ فِي الدُّنْيَا، فَتَحَقَّقَ لَهُمْ ذَلِكَ بِمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْعَطَاءِ وَهَذَا الْقُرْبِ وَالْإِزْلَافِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ: لِكُلِّ أَوَّابٍ، قَالَ: رَجَاعٍ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَتَقَدَّمَ مَعَنَا أَنَّ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ تَخْتَلِفُ فِي مَبَانِيهَا وَتَخْتَلِفُ فِي مَعَانِيهَا، وَلَكِنْ يُقَرِّبُ بِهَا الْمَعْنَى، فَأَوَّابٍ فِيهِ رُجُوعٌ وَزِيَادَةٌ، رُجُوعٌ وَزِيَادَةٌ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ تَحَقُّقِ التَّقْوَى وُصُولُ هَذَا الْوَصْفِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، فَمَا كَانَ الْعَبْدُ أَوَّابًا، أَيْ مُبَالِغًا فِي الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ لَيْسَ فِي تَقْصِيرِهِ فِي وُقُوعِهِ فِي بَعْضِ السَّيِّئَاتِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهَا، بَلْ كَذَلِكَ فِي تَقْصِيرِهِ فِي الْمُسَابَقَةِ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْوُصُولِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ. فَأَوَّابٌ يَشْمَلُ اسْتِعْتَابَ الْأَمْرِ فِي الْخَطَأِ وَالْكَمَالَ، فَمَنْ كَانَ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ عَلَى كَمَالِهِ وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْأَوَّابِينَ، وَلِهَذَا وُصِفَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُمْ لَيْسُوا فَقَطْ عِنْدَهُمْ وَصْفُ التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ، وَلَكِنَّ عِنْدَهُمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُمْ عِنْدَهُمْ هَذَا الْوَصْفُ أَوَّابٌ، أَيْ مُسَابِقٌ وَمُدَاوِمٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ فِي مُلَازَمَةِ الطَّاعَاتِ وَالْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَ، وَالْمُنَافَسَةِ فِي الْوُصُولِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ فَضْلًا عَمَّا هُوَ دُونَهُ. وَهَذَا مِنْ مَعَانِي التَّقْوَى، فَأَهْلُ التَّقْوَى دَرَجاتٌ، فَأَعْلَى أَهْلِ الدَّرَجَاتِ هُمُ الْأَوَّابُونَ، أَعْلَى أَهْلِ دَرَجَاتِ التَّقْوَى هُمُ الْأَوَّابُونَ، وَهُمْ الَّذِينَ لَهُمْ هَذَا الْوَصْفُ، وَيَتَحَقَّقُ لَهُمُ النَّعِيمُ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ. حَفِيظٍ، قَالَ: حَافِظٍ لِحُدُودِهِ، وَحَفِيظٍ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ، وَهَذَا الْوَزْنُ يَدُلُّ عَلَى مُلَازَمَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، فَمَعْنَاهُ مُلَازِمٌ لِحِفْظِهِ لِحُدُودِ اللَّهِ. فَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ مُلَازِمًا لِهَذَا الْوَصْفِ فَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَهْلُ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِيهَا هُمْ الَّذِينَ لَازَمُوا أَيْ حَافِظُوا عَلَى حُدُودِ اللَّهِ. فَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلَا وَلَا كَذَلِكَ الصَّغَائِرُ، أَيْ الْكَبَائِرُ أَنْ وَقَعُوا فِيهَا أَوِ الصَّغَائِرُ أَنْ أَصَرُّوا عَلَيْهَا، فَلِهَذَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ تَرَكَ الْكَبَائِرَ وَلَمْ يُصِرَّ عَلَى الصَّغَائِرِ، فَهُوَ مُحَافِظٌ وَمُلَازِمٌ فِي الْحِفَاظِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، لَمْ يَتَعَدَّاهَا. وَأَمَّا مَنْ تَعَدَّاهَا فَهُوَ تَحْتَ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ بِعَدْلِهِ. وَقَوْلُهُ: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ، قَالَ: أَيْ خَافَهُ وَلَمْ يَرَهُ، وَكَذَلِكَ الْخَوْفُ مَعْنًى يُقَرِّبُ مَعْنَى الْخَشْيَةَ، وَإِلَّا فَالْخَشْيَةُ خَوْفٌ مَعَ الْعِلْمِ، الْخَشْيَةُ خَوْفٌ مَعَ الْعِلْمِ، وَاخْتِلَافُ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى. فَفِي الْخَشْيَةِ خَوْفٌ وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ اقْتِرَانٌ، هَذَا الْخَوْفُ بِالْعِلْمِ، وَمَتَى مَقْدَرْنَا الْخَوْفَ بِالْعِلْمِ أَوْرَثَ صَاحِبَهُ مِنْ الْحِفْظِ لِحُدُودِ اللَّهِ. وَهَذِهِ لَوْ تَرَوْنَ صِفَاتٌ مُتَتَابِعَةٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مِمَّا يُعِينُكَ عَلَى التَّقْوَى أَنْ تَكُونَ أَوَّابًا، وَمِمَّا يُعِينُكَ أَنْ تَكُونَ أَوَّابًا أَنْ تَكُونَ مَاذَا حَفِيظًا، وَمِمَّا يُعِينُكَ أَنْ تَكُونَ حَفِيظًا أَنْ تَكُونَ ذَا خَشْيَةٍ. وَالْخَشْيَةُ الْخَوْفُ بِالْعِلْمِ، فَمَتَى تَحَقَّقَ الْخَوْفُ مَعَ الْعِلْمِ أَوْرَثَكَ ذَلِكَ الْحِفْظَ، وَمَتَى أَوْرَثَكَ ذَلِكَ الْحِفْظَ أَوْرَثَكَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ أَوَّابًا، وَمَتَى أَوْرَثَكَ أَنْ تَكُونَ أَوَّابًا أَوْرَثَكَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مُتَّقِيًا عَلَى التَّقْوَى الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ، وَهِيَ حَقُّ التَّقْوَى. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، مَنْ هُمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ؟ هُمُ الْأَوَّابُونَ الْحَفَظَةُ، مَاذَا الَّذِينَ يَخْشَوْنَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ. وَقَوْلُهُ: بِالْغَيْبِ زِيَادَةُ وَصْفٍ، فَلَا يَكْفِي خَشْيَةٌ، وَالْخَشْيَةُ كَمَا قُلْنَا خَوْفٌ مَعَ الْعِلْمِ، وَلَكِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْخَشْيَةُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ. فَالْعُلَمَاءُ وَالْعُلَمَاءُ عِنْدَهُمْ خَشْيَةٌ، وَهَذِهِ الْخَشْيَةُ خَوْفٌ مَعَ الْعِلْمِ، لَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَوُونَ فِي الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْخَشْيَةِ فِي السِّرِّ وَمَاذَا وَالْعَلَنِ، وَلِذَلِكَ فَهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْخَشْيَةِ. فَمَنْ حَقَّقَهَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ كَانَ مِنَ الْحَفَظَةِ الْأَوَّابِينَ الصَّادِقِينَ، وَمَنْ لَمْ يُحَقِّقْهَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ فَإِنَّهُ حُرِمَ هَذَا الْوَصْفَ. وَهَذَا وَصْفٌ دَقِيقٌ: مِنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ، فَإِذَا هُوَ فِي الشَّهَادَةِ هَذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ، قَالَ: أَيْ مُقْبِلٍ عَلَى طَاعَتِهِ، وَيُقَالُ لِلْمُتَّقِينَ أَيْضًا، وَفِي هَذَا وَصْفٌ كَذَلِكَ خَامِسٌ، وَهُوَ يُوصِلُ إِلَى الْخَشْيَةِ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: مِمَّا يُوجِبُ الْخَشْيَةَ مَعَ الْمُرَاقَبَةِ الَّتِي هِيَ بِالْغَيْبِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ قَلْبٍ مُنِيبٍ، أَيْ مُقْبِلٍ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَصَلَاحُ الْقَلْبِ يُعْطِي الصِّدْقَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ وَتَحْقِيقَ الْخَشْيَةِ. وَهَذَا يُورِثُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ حَفِيظًا، وَذَلِكَ يُورِثُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ أَوَّابًا، وَذَلِكَ يُورِثُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مُتَّقِيًا، فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُولِدُ الْآخَرَ. فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَاتِ جَمِيعًا تَحَقَّقَ لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَوَاصِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ يُكْرَمُونَ بِهَا وَبِالْقُرْبِ مِنْهَا. وَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ، قَالَ: يُقَالُ أَيْ لِهَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ الْأَوَّابِينَ الْحَافِظِينَ الْخَاشِينَ الْمُرَاقِبِينَ الَّذِينَ أَتَوْا بِقُلُوبٍ مُنِيبَةٍ: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ. فَلَا يَدْخُلُهَا بِسَلَامٍ إِلَّا مَنْ تَحَقَّقَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ، وَفِي هَذَا دِلَالَةٌ أَنَّ مَنْ تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فِيهِ سَلِمَ مِنَ الْمَخَاوِفِ، كَمَا قَالَ: وَمِنْ كُلِّ مَا يُنَافِي هَذَا الْوَصْفَ هُوَ السَّلَامُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ قَدْ يَدْخُلُهَا وَلَكِنْ بِغَيْرِ مَاذَا بِغَيْرِ سَلَامٍ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ أَعْمَالِ النَّاسِ وَتَحَقُّقِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِيهِمْ. فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ السَّائِرِينَ عَلَى الصِّرَاطِ: مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالصَّوْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَجَوَادِ الْخَيْرِ وَالْإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْدُو عَدْوَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَرْدِسُ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ. فَهَذَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمَخَاوِفِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا السَّائِرُونَ إِلَى اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، كَحَالِهِمْ فِي سَيْرِهِمْ إِلَى اللَّهِ فِي مَاذَا فِي الدُّنْيَا. فَهَذَا الَّذِي يَمُرُّ كَالْبَرْقِ وَالصَّوْتِ وَأَجْوَادِ الْخَيْرِ وَالْإِبِلِ وَيَعْدُو عَدْوَى، يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّلَامِ مَا يَجْعَلُ فِيهِ تَحْقِيقَ هَذَا السَّلَامِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ. وَمَا كَانَ ذَلِكَ إِلَّا عِنْدَمَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ صِفَاتُ أَهْلِ السَّلَامِ فِي دُخُولِهِ إِلَى جَنَّةِ اللَّهِ جَنَّةِ السَّلَامِ. فَمَتَى مَا حَقَّقَ الْعَبْدُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي نَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا حَقَّقَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَتَى مَا قَصَّرَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ قَابَلَهَا كَذَلِكَ قُصُورٌ يُورِثُ مَاذَا نُقْصَانًا فِي السَّلَامِ، وَهِيَ تِلْكَ الْمَخَاوِفُ الَّتِي تَمُرُّ بِالْإِنْسَانِ فِي سَيْرِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ. بَلْ وَمِنْهُمْ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يُكَرْدِسُ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، أَيْ فَيَدْخُلُهَا وَيُعَذَّبُ فِيهَا بِقَدْرِ مَا كَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَأَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا وَأَنْ يُعِينَنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ خَاصَّةِ أَهْلِ جَنَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ، اللَّهُمَّ آمِينَ. وَقَوْلُهُ: يَوْمَ الْخُلُودِ، أَيْ الدَّوَامِ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ دَخَلَهَا كَانَ مِنَ الْخَالِدِينَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَقَوْلُهُ: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ، قَالَ: زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلٍ وَطَلَبٍ، أَيْ مَزِيدٌ فِي الْإِكْرَامِ وَمَزِيدٌ كَذَلِكَ فِي الْإِنْعَامِ. فَإِنْعَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِقَدْرِ الْأَعْمَالِ، فَالْأَعْمَالُ أَسْبَابٌ، وَجِنْسُ الْإِكْرَامِ هُوَ فَضْلٌ وَزِيَادَةٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي إِكْرَامِهِ لِعِبَادِهِ. بَلْ وَيَزِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْعِبَادَ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مَا كَانُوا يَسْتَحِقُّونَ، كَمَا جَاءَ فِي آخِرِ دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْحَدِيثِ فِي الْجَنَّةِ. فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِيهِ أَضْعَافَ مَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، بَلْ وَمِنَ الْإِكْرَامِ رُؤْيَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالتَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا جَاءَتْ وَصَحَّتْ بِهِ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. إِلَى هُنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.