الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 9، الدرس التاسع:من( ثم قال رحمه الله:ولا يعرف الطرف المعاين حسنه*إلى أن يعود الطرف والشوق أعظم ...البيت يجمع بين الجمال والملاحة فأعطي بذلك المعنى من الحسن أكمله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح معنى الشوق المتزايد للمحبوب حتى بعد اللقاء، واستدل بآيات قرآنية وأمثلة من حب بيت الله الحرام. بين أن المحبة الصادقة تزداد عند اللقاء ولا تقل.
شرح تعظيم البيت الحرام بسبب إضافته إلى الله عز وجل، وبيان أن محبة البيت وتعظيمه تأتي من محبة الله وتقديسه. أشار إلى أن الله يزيد في قلوب المحبين تعظيمًا لبيته.
أشار إلى أن إجلال البيت الحرام يزيد من محبة الناس له، ويُعد هذا الإجلال وسيلة لشحذ الهمم وتجهيز النفوس للسير إلى الله والاستمرار في الطاعة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا، رحمه الله تعالى: قال، ثم قال رحمه الله: «ولا يعرف الطرف المعاين حسنه إلى أن يعود الطرف، والشوق أعظمه»، قال: يعني رحمه الله أنه مع كونه وصل إلى الغاية، فإنه إذا نظر إلى هذا المحبوب لا يعود الطرف إليه إلا وقد ازداد شوقه إليه. وهذا إنما يكون مع كل محبوب يحبه الإنسان محبة شديدة، فإنه لا يشبع منه، حتى ولو ظفر به، فلا يكاد ينظر إليه أو يسمع صوته إلا ازداد شوقه إليه. وهذا كذلك منه، رحمه الله، تقريب للأمثال البعيدة بالأمثال القريبة. فكما أن الشوق إلى بيت الله الحرام عظيم في قلب المؤمن، ويزداد شوقه عند رؤيته على ما سبق وصفه، فإن ذاك الشوق لا يقل أو ينقص إذا حصل اللقاء، بل على العكس من ذلك يزداد الشوق شوقًا، ويزداد كذلك ما في القلب من محبة، ومن رغبة، يعني ما هو أعظم من مكان. وكل هذا من معاني صدق المحبة. فإذا كان كذلك في حق هذا المحبوب، فمن باب أولى المحبوب الأعظم، وهو ما وعد الله عز وجل لعباده في جنته. وكل هذا تشويق وحث في أن يواصل ويجد ويجتهد السائر إلى بلاد الأفراح في رحلته. قال، ثم قال رحمه الله: «ولا عجب من دا، فحين أضافه إلى نفسه الرحمن فهو المعظم». قال: وقوله رحمه الله «ولا عجب من دا» أي لا تعجب من هذا الشوق العظيم لهذا البيت، وهذا الفرح بلقاء هذا البيت. وقوله رحمه الله: «فحين أضافه إلى نفسه الرحمن فهو المعظم»، يعني رحمه الله أن ما في القلوب من المحبة والتعظيم لهذا البيت إنما هو بسبب إضافته إلى الله عز وجل، فتعظيم البيت من تعظيم الله عز وجل. فنحن نقول: بيت الله الحرام، فهذه الإضافة إلى الله. والعجب في ذلك أن من الناس اليوم يعظم هذا البيت، وهو جدير بهذا، ولا يريد أن يخدشه أو يمسه أحد بأي أذى، ولكنه مع ذلك لا يعظم رب هذا البيت، فهو دائمًا في معصية رب هذا البيت، وفي الفجور والفسق. وهذا من انعكاس القضية، لأننا لا نحب بيت الله عز وجل، ولا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نحب المؤمنين إلا من أجل الله عز وجل. وكما مضى وتقدم: كل شيء يحب لغيره إلا الله عز وجل، فيحب لذاته. قال: وابن القيم رحمه الله كما مضى قد بيّن أن ما يحل في القلوب من محبة البيت وتعظيمه إنما هو من أجل أن الله قد أضافه إلى نفسه. وهذا ظاهر واضح. ويشير كذلك رحمه الله أن تلك المعاني السابقة المذكورة جميعًا مع زيادة الشوق عند اللقاء، كل هذا لا يستوجب العجب، لأنك إنما تعظم هذا البيت تعظيمًا لله سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، فالله عز وجل يزيد في قذف المحبة في قلبك تعظيمًا لبيته سبحانه وتعالى. وإذا كان كذلك، فكذلك يا أيها السائر من هذه الدنيا دار الامتحان والابتلاء إلى الله عز وجل، كذلك وطن نفسك على هذه المعاني تنتفع بهذه الأمثال القريبة لتلك الأمثال البعيدة. قال، ثم قال رحمه الله: «كساه من الإجلال أعظم حلة عليها طراز بالملاحة معلم، فمن أجل ذا كل القلوب تحبه وتخضع إجلالًا له وتعظم». قال: يعني رحمه الله أن الله تعالى كسى هذا البيت جلالًا وعظمة وخفة في النفوس، فيجد فيه الإنسان من الجمال والجلال والملاحة التي تكسب الجمال رونقًا ما يزداد به شوقه إليه. وهذا هو قوله رحمه الله: «كساه من الإجلال أعظم حلة عليها طراز بالملاحة معلم». والمراد الكساء المعنوي، لا الكساء الحسي. صحيح له كساء يدل على التعظيم، وقد أقره الإسلام، ولا يزال معناه إلى يومنا هذا مع شيء من التحسين، لكن ليس هذا المقصود. المقصود ما كسى الله عز وجل به بيته الحرام وكعبته المشرفة من كساء الإجلال، حتى حصل التعظيم لهذا البيت. طبعًا التعظيم ليس فيه غلو، ولا كذلك وثنية. فأهل الإسلام يعظمون البيت تعظيمًا لله، وهكذا كذلك يحبونه على وفق شريعة الله، فلا إفراط ولا تفريط. ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول، وهو يقبل الحجر الأسود: «أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولكني أقبلك كما قبلك كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك». فهذا المعنى تأكيد لهذا الوسط الذي ينبغي أن يكون في القلوب، وكذلك في الأعمال. قال رحمه الله تعالى: وقوله «بالملاحة» إنما أتى بهذا اللفظ لأنه ليس كل جميل يكون مليحًا، فإن الجمال إذا فقدت منه الملاحة لم يكن هو الشيء المطلوب. والملاحة إذا كانت مع شيء فيه نقص بالجمال زادته بهاء. إذن هذا البيت يجمع بين الجمال والملاحة، يريد بيت الله سبحانه، فأعطي بذلك المعنى من الحسن أكمله. والمراد كذلك ليس الملاحة الحسية، ولكن الملاحة المعنوية. فالله عز وجل كسى هذا البيت من الإجلال حلة، بل أعظم حلة، ما كان فيه تعظيم هذا البيت وحبه. وهكذا كذلك هذه الحلة فيها طراز بالملاحة معلم. ومعنى أن الحلة في هيئتها كانت ملاحة، هذه الملاحة جعلت لها تميزًا، فالمعلم أي الشيء المعلم عليه المميز. ومعنى أن الله عز وجل جعل لهذا البيت إجلالًا وتعظيمًا خاصًا حتى جعله مميزًا عن غيره من البيوت الأخرى، ومن مواضع أخرى التي كذلك تحب الله، فبيت المقدس من المواضع التي تحب الله، ومع ذلك ليس فيه من الإجلال والتعظيم ما يكون لله عز وجل في الكعبة وبيته الحرام في البلد الحرام. وقد ذكر العلماء معنى ذلك بشيء من الشعر المنظوم، والنثر كذلك البليغ المكتوب، ما يدل على هذا المعنى ويؤكده. فإنهم عبروا عما يراه الناس ويستشعره من الإجلال والتعظيم الذي يكون لبيته الحرام، ما لا يكون مثله عند المواضع الأخرى، وإن كان الجميع لله عز وجل. فإذا خص هذا البيت بإجلال خاص، كان سببًا آخر في حصول هذه المحبة وزيادتها في القلوب. وهذه كذلك من المعاني المراد بها شحذ الهمم وتهيئة النفوس للثبات والاستمرار والمواصلة في السير إلى الله عز وجل، والرحلة إلى بلاد الأفراح. وهذه كلها توطئة لما سيأتي ذكره إن شاء الله. وإلى هنا والله تعالى أعلم.