مناسك الحج والعمرة 3

مناسك الحج والعمرة 3

الدرس في مناسك الحج والعمرة 3، الد رس الثالث:من( ولا بأس بالمجادلة بالتي هي أحسن حين الحاجة ... والله عز وجل يقول يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر والحمدلله رب العالمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أقسام الجدال في الحج وتوجيهات عامة

يناقش المقطع أقسام الجدال في الحج ويشجع على تركه إذا لم يجدي نفعاً. يُبين أن الجدال ينقسم إلى جدال بالباطل، وجدال بالحسنى، وجدال قد ينتهي إلى باطل.

أحكام الإحرام والمحظورات والمباحات

يتناول المقطع أحكام الإحرام والمحظورات مثل حلق الشعر للضرورة والاستضلال بالخيمة أو المظلة. كما يبين جواز بعض الأفعال مثل الاغتسال لغير احتلام وحك الرأس والاحتجام.

الأمور المباحة في اللباس والزينة أثناء الإحرام

يبين المقطع جواز لبس بعض الأمور مثل الخاتم والساعة والنظارة والمحفظة والحقيبة مستنداً إلى عموم الجواز في الشريعة. يؤكد ذلك بقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ﴾.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى، في منسكه مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وأثار سلف الأمة. قال: ولا بأس بالمجازلة بالتي أحسن حين الحاجة، فإن الجدال المحظور في الحج إنما هو الجدال بالباطل المنهي عنه في غير الحج أيضا، كالفسق المنهي عنه في الحج أيضا، وهو غير الجدال المأمور به في مثل قوله تعالى: ﴿ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ﴾. قال: ومع ذلك، فإنه ينبغي على الداعية أن يلاحظ أنه إذا تبين له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالفة لتعصبه لمذهبه -يعني هذا الذي يجادله- أو رأيه، وأنه إذا صابره في الجدال فلربما ترتب عليه ما لا يجوز -يعني من السب والشتم والشحناء والبغضاء والهجر وغير ذلك- قال: إنه من الخير له حينئذ أن يدع الجدال معه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا» الحديث. وبهذا أشار إلى أن الجدال ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أسم منها لا يجوز، وهو كل جدال بالباطل، وهو بمعنى الفسق المنهي عنه، فمن فرض بهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. وقد علمنا أن هذا من عطف الخاص على العام، أي الفسق يدخل في الرفث، والجدال يدخل في الفسق ويدخل في الرفث، فيكون المراد الجدال الذي هو معصية من الجدال بالباطل، والجدال كذلك بما يؤدي إلى باطل ولو كان أوله حق. والنوع الثاني من الجدال هو الجدال الذي يكون من معاني الجدال الحسن، وهو يدخل في معنى الآية: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ﴾، وهي ليست خاصة بأهل الكتاب، بل من دون أهل الكتاب من باب أولى -يعني إذا وجد مسلم يحتاج إلى مجادلة بالتي أحسن حتى يرجع إلى الإسلام الحق الذي أراده الله عز وجل منه- فهو من الحسن من الدعوة إلى الله، ومن كذلك تبيين الإسلام الحق، وهذا أمر حسن، ولا ينهى عن ذلك لا في الحج ولا في غير الحج، بل هو من أعمال الخير والبر. والنوع الثالث من الجدال هو الجدال الحسن الذي قد ينتهي بأمر ليس حسن، وهو كما قال رحمه الله: الذي إذا تبين لصاحب الحق أنه لا جدوى فيه -يعني لا فائدة فيه- إما لتعصب المخالف أو إصراره على رأيه، أو أن الاستمرار في مثل هذا النوع يوصل إلى ما لا يجوز -يعني من الشتم والسب والغيبة والنميمة وربما الهجر وغير ذلك مما لا ينبغي- فهنا يكون الأفضل والأكمل تركه. فالكثير من الجدال في الحج إذا كان مع من ليس هو أهل، ومع من لا يجدي معه الجدال، يفضل تركه، ويدخل فيه حديث: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا»، لماذا؟ لأنه سينتهي لأمر باطل. قال رحمه الله: لا حرج، مما ينبغي على الداعي أن يلتزمه التيسير على الناس عامة، وعلى الحجاج خاصة؛ لأن التيسير أصل من أصول الشريعة السمحة، كما هو معلوم، ما دام أنه لا نص على خلافه، فإذا جاء النص لم يجز التيسير بالرأي. وهذا هو الموقف الوسط العدل الذي يجب على كل داعية أن يلتزمه، ولا عبرة بعد ذلك بأقوال الناس واعتراضاتهم، وقولهم: شدد أو سهل؛ لأن التجديد والتسهيل إذا كان بموجب نصوص الشرع العام والخاص منها، فهذا أمر حسن، ولا مبالاة بمن عارضه؛ لأنه عارض بهذه النصوص. وأما إذا كان التجديد على خلاف النصوص، فهو مذموم، أو كان التسهيل بالتفريط بالنصوص والضوابط الشرعية، فهذا مذموم، والوسط بين المفرط والمفرط. قال: وثمت أمور جائزة اعتاد بعض الحجاج يتحرجوا منها لفتاوى صدرت من بعضهم منافية للأصل المشار إليه آنفا، رأيت التنبيه عليها. أولا: الاغتسال لغير احتلام، ولو بدلك الرأس، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي أيوب رضي الله عنه. ومعناه أن المحرم يجوز له أن يغتسل ولو لغير حاجة للاغتسال -أي حاجة واجبة كالاحتلام- ليس فقط يجب عليه أن يغتسل من احتلام، ولكن يجوز له أن يغتسل ولو للتبرد أو غيره، ولو بدلك رأسه؛ لأن بعض الفقهاء شدد، قالوا: لا يدلك الرأس خشية أن تتساقط بعض الشعرات من المحرم، وهذا غير صحيح؛ لأن الشرع لا يأمر بالتكلف، فقد نهينا عن التكلف، كما جاء عن عمر وعن سلمان وعن جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل مرات، في حديث أبي أيوب الذي أشار إليه، وفي حديث ابن عمر، وحديث جابر بن عبد الله، وجماعة من الصحابة. ومنها اغتساله حين قرب من مكة، ونزل ببئر طوى، فاغتسل بها ثم دخل، فأتى بعمرته. وهذا يدل على استحباب الاغتسال قبل الشروع في مناسك العمرة، حتى يكون أكثر نشاطا، ويكون كذلك فيه معنى التزين لهذه العبادة، ﴿خُذوا زينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ﴾. فالغالب أن المسافر تجتمع عليه آثار العرق والتعب، فكونه يغتسل قبل البدء بالعمرة هذا أمر حسن، وقد دلت عليه السنة. قال: ثانيا: حك الرأس، ولو سقط منه بعض الشعر، لحديث أبي أيوب الذي أشرت إليه آنفا به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فلا بأس أن يحك الإنسان شعره. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل ودلك شعره. قال: ثالثا: الاحتجام، ولو بحلق الشعر مكان الحجم. الاحتجام صلى الله عليه وسلم وسط رأسه وهو محرم، وقد صح ذلك من حديث ابن عباس، في الصحيح البخاري. قال: ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، وهو قول ابن تيمية أيضا، وبه قالت الحنابلة، لكنهم أوجبوا عليه الفدية، ولا دليل لهم، بل هو مردود باحتجامه صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لو فدى لنقله عنه الراوي، فاقتصاره على ذكر احتجامه دون الفدية دليل على أنه لم تقع منه فدية. فالصواب قول ابن تيمية رحمه الله، وفيه دليل أن حلق بعض الشعر للضرورة أو الحاجة الملحة لا يوجب الفدية، وأن الذي يوجب الفدية هو حلق أكثر الرأس، ويدل عليه ما جاء في قصة كعب، ونزول قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَحلِقوا رُءوسَكُم حَتّى يَبلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكُم مَريضًا أَو بِهِ أَذًى مِن رَأسِهِ فَفِديَةٌ مِن صِيامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾. قال: رابعا: شم الريحان، وطرح الظفر إذا انكسر. وفي ذلك آثار مذكورة في الأصل -يعني في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم- فلا بأس أن يشم المحرم الرائحة الطيبة، لكن لا يضع على جسده شيء من الروائح الطيبة. وهكذا إذا انكسر ظفره، لا بأس أن يضعه -يعني يكمل كسره- حتى لا يزداد جرحه. قال: وفي ذلك آثار مذكورة -يعني فيما روي عن بعض الصحابة والتابعين في ذلك-. قال: خامسا: الاستضلال بالخيمة أو بثوب مرفوع، لثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، ونحو الاستضلال بالمحمل قديما، وبالمظلة الشمسية والسيارة، ولو من داخلها. المحمل: ما يحمل عليه الناس، كان في القديم من يعجز عن المشي يحمل على محمل، وقد وجد إلى فترة قريبة بعض أهل الطواف يطوفون على محمل، والآن تقريبا انتهى هذا، لا يوجد. وكان المحمل من قبل يكون له ستر في أيام الصيف يكون فوقه مثل الضلة، يجلس من يحمل عليها تحتها. فبعض أهل العلم يرى أن هذا مما نهي عنه. والصحيح أنه لا حرج في ذلك، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استظل بخيمة، وضربت له كذلك في عرفة -بمعنى الخيمة ضل صغيرة- وهكذا ضلل عليه بلال في سيره عليه الصلاة والسلام إلى منى، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على جواز الاستضلال بالثابت والمتحرك -يعني من الضل- خلافا لمن أجاز الثابت كالخيمة، ونهى عن المتحرك مثل المظلة والسيارة وما كان بمعناها. وليس هذا بالصحيح، بل الصحيح جواز الاستضلال بكل معنى من معاني الاستضلال: ثابت كالخيمة وسقوف البنيان، ومتحرك كالمظلة -أي الشمسية- أو السيارة أو المحمل أو غير ذلك. قال رحمه الله: وإيجاب الفدية على ذلك تشديد لا دليل عليه، بل النظر السليم لا يفرق بين الاستضلال بالخيمة الثابت في السنة، والاستضلال بالمحمل وما في معناه. بل قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ضلل بمتحرك، وهو ما ثبت من تضليل بلال له في سيره إلى منى عليه الصلاة والسلام. قال: وهو رواية عن الإمام أحمد، كما في منار السبيل. فما تفعله بعض الطوائف من إزالة سقف السيارة -وهذا يفعله كثيرا الرافضة وطوائف من الشيعة- قال: تنطع في الدين، لم يأذن به رب العالمين، مع ما فيه من الإسراف والتبذير بإتلاف هذه المركوبات. قال: السادس: شد المنطقة والحزام على الإزار، وعقده عند الحاجة، والتختم، كما جاء في بعض الآثار. ومثله وضع ساعة اليد، والنظارة، ومحفظة النقود على العنق. كل هذا من المباحات الجائزة إذا احتاج إليه المحرم، فهو لا ينافي الإحرام. شد المنطقة والحزام على الإزار: المنطقة بمعنى الحزام، يربط على الإزار حتى لا ينفلت. وهكذا لو عقد -يعني سواء كان مفتوحا أو كان مغلقا معقودا- فليس يدخل كلا الأمرين في النهي. وهكذا لبس الخاتم لا يدخل في النهي، ولبس الساعة في اليد، والنظارة، والمحفظة، ومثله كذلك الحقيبة الصغيرة تعلق على العنق أو على الكتف أو غير ذلك، كل هذا من الأمور الجائزة المباحة. قال: كل هذه الأمور داخلة تحت الأصل المذكور -يعني عموم الجواز والإباحة- مع تأييد بعضها بأحاديث مرفوعة، وآثار موقوفة -يعني في جواز لبس بعض هذا المذكور- قال: والله عز وجل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ﴾. والحمد لله رب العالمين. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.