الدرس في مناسك الحج والعمرة 18، الدرس الثامن عشر:من( 71-التزام دعاء معين إذا أتى بين الصفا والمروة ... وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن بدع الحج والعمرة، مستشهدا بأقوال العلماء السابقين، ويبين أن بعض الممارسات مثل التزام دعاء معين في منى، والوقوف على جبل عرفة في اليوم الثامن احتياطا، كلها بدع لا تجوز شرعا. كما يوضح أن هذه الممارسات الخاطئة منتشرة بين الحجاج.
يتناول المقطع العديد من البدع والممارسات الخاطئة التي يفعلها الحجاج أو الناس في يوم عرفة والمزدلفة، مثل الخروج من عرفات قبل غروب الشمس، وتحديد أدعية معينة ليوم عرفة. كما يشرح المقطع السنة النبوية الصحيحة في أداء مناسك الحج في يوم عرفة والمزدلفة.
يتناول المقطع بعض البدع والمخالفات الشرعية التي يقع فيها الحجاج أثناء أداء مناسك الحج، مثل تخصيص أخذ الحصى من مزدلفة أو وادي محسر، وتأخير الصلاة لأجل جمع الحصى. يُوضح المقطع أن هذه الأفعال تُعتبر من البدع والغلو في الدين.
يتناول المقطع بعض البدع والمخالفات الشرعية الأخرى التي يقع فيها الحجاج أثناء أداء مناسك الحج، مثل تكرار العمرات بعد الحج، والطواف بالمساجد التي عند الجمرات. يُبين المقطع أن هذه الأفعال ليست من السنة وإنما هي من البدع والمحدثات التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: في سياق ذكره لبدع السعي بين الصفا والمروة، قال: التزام دعاء معين إذا أتى منى، مثل الذي في الإحياء: «اللهم هذا مني أو هذه منا، اللهم هذه منا، فمن علي بما مننت به على أوليائك وأهل طاعتك»، وإذا خرج منها: «اللهم اجعلها خير غدوة غدوتها»، إلى آخره. ما أدري كيف أدرج هذا في هذا الفصل؛ لأن الكلام الآن على بدع السعي والصفا والمروة، وهذا يتعلق بمنى، فكان يحتاج إلى فصل خاص فيما يتعلق ببدع منى. فلعله أدرج هذا في الذي قبله لعدم وقوفه على شيء من البدع الكثيرة التي تحتاج إلى فصل خاص. المهم ليس هناك دعاء خاص يقال في منى، وما أشار إليه أنه ذكره صاحب الإحياء -يعني الغزالي رحمه الله كما تقدم- هو يأتي بأدعية من دون زمام ولا خطام، أكثرها لم يصح فيها شيء، بل بعضها لا أصل لها -يعني ليس فيها حتى حديث ضعيف- فلا يجوز التقيد بدعاء خاص لزمان أو مكان إلا بدليل، فلا يتعبد الله إلا بما شرع، كما تقدم، مع ما في بعض تلك الألفاظ من المجازفات في الألفاظ والخروج عن حدود السنة والعلم -أي في تلك الأدعية التي لم يصح فيها شيء-. قال رحمه الله: «بدع عرفة: الوقوف على جبل عرفة في اليوم الثامن ساعة من الزمن احتياطا خشية الغلط في الهلال»، فهذا لا يجوز؛ الوقوف في يوم الثامن احتياطا لا قليلا ولا كثيرا، بل الواجب متابعة الناس في نسك الحج؛ فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «الأضحى يوم يضحي الناس» -يعني عيد الأضحى مع عيد الناس في الأضحى- وهذا يدل على ثلاثة معاني: أولها ما أشار إليه من أنه لا يجوز الاحتياط، وثانيها أنه كذلك يجب المتابعة لفعل جماعة المسلمين، ولو هو اجتهد وظن أن العيد خلاف الصواب، فلا يجوز له، ولو اجتهد فرأى نفسه مصيبا أن يحدث لنفسه حجا لنفسه، يقول: «أنا أرى أن الناس هذه السنة أخطأوا» فيفعل كما يفعل بعض الرافضة يحجون بعد الناس بيوم أو قبل الناس بيوم، وهذا من البدع، بل الواجب اجتماع المسلمين؛ فإن مفسدة التفرق أعظم من العمل بمظنون ربما يكون هو فيه مخطئا. ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاجتماع في العيدين -عيد الفطر وعيد الأضحى- وأن العيد عيد الناس، متى ما يجتمع الناس يجتمع معهم. وفيه ثالثا: كذلك أنه كما لا يجوز الاحتياط بالتقديم، لا يجوز الاحتياط بالتأخير؛ لا يجوز أن يحطاط بيوم بعد عرفة، ولا بيوم قبل عرفة، بل الواجب تمام المتابعة والموافقة. قال: «إيقاد الشمع الكثير ليلة عرفة بميناء» -يعني على غير حاجة- أما إذا كان مثلا مخيما ليس عنده كهرباء وتيسر له الشمع واحتاج أن ينير المكان لأجل أهل الخيام، فهذا لا بأس به. وقد روي عن سفيان رضي الله عنه أنه لما خرج ولم يدري بقدوم جيش الفتح، رأى نيرانا كأنها نيران أهل عرفة، حتى سأل، قال: «ما هذه النيران» -يعني بالقرب من مكة- «كأنها نيران أهل عرفة»، فقالوا له: «لعلها قبيلة كذا وكذا جاءت لكذا»، فقال: «هذا أكثر من أن يكون قبيلة كذا وكذا، ولكنها أشبه ما يكون بنيران لأهل عرفة». لأن الجيش الذي جاء مع النبي عليه الصلاة والسلام كان كبيرا. والشاهد: كان أهل عرفة يوقدون النيران ليستضيئوا بها، ويطبخوا عليها، ويبعدوا الدواب والحشرات بها، وغير ذلك من منافع النار. فإن كان لحاجة فلا بأس، وإن كان لغير حاجة لعقائد وأشياء أخرى، فهذا لا يشرع ولا يجوز. قال رحمه الله: «الدعاء ليلة عرفة بعشر كلمات ألف مرة: سبحان الذي في السماء عرشه، سبحان الذي في الأرض موطئه، سبحان الذي في البحر سبيله، إلى آخره». وهذا الدعاء لم يصح كذلك، ولا يتعبد الله إلا بما شرع. قال: «رحيلهم في اليوم الثامن من مكة إلى عرفة رحلة واحدة» -يعني لا ينزلون في منى- وهذا خلاف السنة، وتفعله كثير من حملات الحج الجشعة التي تريد أن توفر يوما، بدلا من أن يحسب عليها خيام منى يوم الثامن، وخيام عرفة يوم التاسع، يأخذون خيام عرفة يوم التاسع، وينصبونها من يوم الثامن أو السابع؛ لأن لا يحسب عليهم إلا يوم واحد وهو يوم التاسع. وما قبل ذلك لا يحسب عليهم، فيوفرون أجرة -مثلا- ألف حاج، لو كان على كل حاج مئة ريال، كم صارت؟ مئة ألف يوم واحد. فلأجل هذا وغيره غيروا دين الله سبحانه وتعالى، فشابه من ضل من أهل الكتاب الذين غيروا شرائع الله لأجل الدنيا. وهؤلاء يلحقهم إثم عظيم إذا صارت الدنيا سببا للتلاعب بمناسك الحج، يأخذون الحجاج المساكين الذين أكثرهم يخاف أن يسير وحده، فيقول له: «اليوم نمشي مباشرة إلى عرفة»، يقول لهم: «اليوم الثامن، اليوم في منى لا، ما في منى، على طول عرفة». وهكذا يأخذون الناس ظلما وعدوانا، ويغيرون مناسك الحج. والله سبحانه يقول في كتابه الكريم في خطر الظلم وأهله، وبالأخص في تغيير شريعة الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، فإذا كان أمثال هؤلاء فعلوا مثل هذا، تغييرا لشريعة الله لأجل الدنيا، فأين هم من عذاب الله سبحانه وتعالى؟ يقول: وقال عن بعض أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، قال عدي بن حاتم: «والله يا رسول الله ما عبدناهم»، قال: «لم يكونوا يحلون لكم الحرام فتحلونه، ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه؟» قال: «أجل يا رسول الله -أو بلى-» قال: «فتلك عبادتكم إياهم». قال رحمه الله تعالى: «الرحيل من منى إلى عرفة ليلا»، والسنة كما تقدم: أن يكون الرحيل من منى إلى عرفة في الصباح، وليس في الليل، بل الليل يبيت في منى. قال: «إيقاد النيران والشموع على جبل عرفات ليلة عرفة، اعتقاد العرس والفرح وغير ذلك من العقائد الفاسدة»، وكل هذا ليس من السنة في شيء. قال: «الاغتسال ليوم عرفة» كذلك لا يشرع؛ اقتصال خاص ليوم عرفة يتعبد لله به. أما اغتسال لتنظف وتبرد، فهذا مباح، ولو في كل ساعة. قال: قوله: «إذا قروا من عرفات، ووقع بصره على جبل الرحمة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». وهذه أدعية كذلك لم تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «قصد الرواح إلى عرفات قبل دخول وقت الوقوف بانتصاف يوم عرفة»، ومعنى قصد الرواح: أي الذهاب في وقت الرواح. وهذا من الاحتياط؛ كونهم يذهبون قبل الوقت، فيذهبون ليس فقط في الليل، بل عصر يوم الثامن، وهذا كله ليس من السنة في شيء. وبعضهم يفعل العكس: يخرج من عرفات قبل غروب الشمس، وهذا كذلك خطأ، ويخشى عليهم من فساد حجهم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة»، والواجب البقاء في عرفة حتى تغرب الشمس. قال: «التهليل على عرفات مئة مرة، ثم قراءة سورة الإخلاص مئة مرة، ثم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يزيد في آخرها وعلينا معهم مئة مرة». وكل هذا من البدع التي لم يثبت بها شيء. قال: «السكوت على عرفات وترك الدعاء» كذلك -يعني يجلسون صما أو ينشغلون بكل شيء إلا الدعاء والاجتهاد في الخير- كحالة الكثير من العامة: نوم وقصص وأخبار وأكل وشرب وغير ذلك. وأما الدعاء -من تكبير وتلبية وتهليل وقراءة قرآن مما هو مشروع، ودعاء مطلق- فهذا كله لا يفعلونه، هذا من الخطأ الذي فعله بعض الحجاج، وهو من الحرمان؛ فالحج عرفة، يباهي الله عز وجل بأهل الموقف ملائكته سبحانه، يقول: «قال: الصعود إلى جبل الرحمة في عرفات» -يعني إلى أعلى الجبل- وإذا وقف تحت الصخرات بما لا يشق عليه، ولا يضيع عليه مقصود الحج، فلا بأس. وقد فعله النبي عليه الصلاة والسلام. أما الصعود إلى أعلى الجبل، فليس من السنة في شيء. والوصول إلى الشاخص الأبيض في أعلى الجبل كذلك ليس من السنة في شيء، بل هو من البدع والمحدثات، بل الحرص على جبل الرحمة مع تفويت مصالح كثيرة -من طول وقت الدعاء، ومن الاشقاق بالنفس وبالغير- هذا خلاف السنة. قال النبي عليه الصلاة: «وقفْتُها هنا، وعرف كلها موقف». قال: «دخول القبة التي على جبل الرحمة، ويسمونها قبة آدم، والصلاة فيها، والطواف بها كطواف بالبيت». وهذا كله من البدع والضلالات والباطل؛ فليست قبة آدم، ولا يشرع الصلاة فيها، ولا يجوز الطواف حولها، بل الطواف خاص بالبيت العتيق، قال سبحانه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: «اعتقاد أن الله تعالى ينزل عشية عرف على جمل أورق، يصافح الركبان ويعانق المشاه». وهذا كذلك اعتقاد فاسد، وسوء بالله سبحانه وتعالى، تعالى عن عقيدتهم الفاسدة علوا كبيرا. قال: «خطبة الإمام في عرف خطبتين، يفصل بينهما بجلسة كما في الجمعة». وهذا خلاف السنة؛ لأن السنة التي ثبتت: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب خطبة قبل الأذان والإقامة، خطبة بغير أذان، صعد فخطب، ثم أذن المؤذن وأقام الصلاة، فصل الظهر قصرا، ثم أقام الصلاة، فصل العصر قصرا. هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث جابر في الصحيح مسلم، وغيره من الصحابة. قال: «صلاة الظهر والعصر قبل الخطبة» هذا خلاف السنة كذلك؛ السنة تقديم الخطبة على الأذان وعلى الصلاة كذلك. قال: «الأذان للظهر والعصر في عرفة قبل أن ينتهي الخطيب من خطبته» وهذا خطأ؛ السنة أن يكون الأذان بعد الخطبة؛ لما ثبت من حديث جابر كما تقدم. قال: «قول الإمام لأهل مكة بعد فراغه من الصلاة في عرفة: أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر». وهذا خطأ كذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولا صحابته الكرام رضي الله عنهم. ولأن الصحيح من أقوال أهل العلم: أن القصر في مواضع الحج هو من نسك الحج، وليس لأجل السفر. ولذلك لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أهل مكة، وما جاورها ممن يأتون إلى مواضع الحج بغير السفر، لم يأمرهم بإتمام الصلاة؛ لأن هذا موضع من مواضع جواز القصر، وليس للسفر، ولكنه لنسك الحج؛ فالحج أحد مواضع قصر الصلاة خاص؛ لأنه فيه مشقة، والمشقة تجري بالتيسير. والله سبحانه يشرع لعباده ما شاء، ولسنا نحن الذين نُشرع، ولكن التشريع من عند الله سبحانه. قال: «قول الإمام: لهذا قرآنه». قال: «التطوع بين صلاة الظهر والعصر في عرفة»، والسنة: أنه لا صلاة تطوع بين الظهر والعصر، بل ولا قبل الظهر، ولا قبل العصر، ولا بعد العصر، اللهم إلا صلاة صح صلاتها -مثل تحية المسجد لمن دخل مسجد نمرة، فهو مسجد كالمساجد- يركع ركعتين تحية المسجد، أو سنة وضوء، أو صلاة ضحى، أو نحو ذلك. قال: «تعين ذكر أو دعاء خاص بعرفة -كدعاء الخضر عليه السلام الذي أورده في الإحياء يعني الغزالي- وما أكثر البدع والضلالات التي في الإحياء». ولهذا أمر بعض أهل العلم بإحراق كتاب الإحياء؛ وفيه رقائق غرت بعض الناس. ولهذا أخذ بعض أهل العلم تلك الرقائق، وحذف تلك البدع والضلالات، فألف «منهاج القاصدين»، ثم اختصره المقدسي في «مختصر منهاج القاصدين»، فأصل الكتاب «الإحياء»، ولكن حذف الكثير من ضلالاته، وزيد فيه بعض الأشياء الثابت في السنة. المهم: هذا يدلك على أن هذا الكتاب فيه ضلالات كثيرة، وأدعية لم تثبت. قال: «دعاء الخضر عليه السلام الذي أورده في الإحياء، وأوله: يا من لا يشغله شأن عن شأن، ولا سمع عن سمع»، وغيره من الأدعية. وبعضها يبلغ خمس صفحات من قياس كتابنا هذا، فيثقلون على الناس بأشياء لم تثبت، ولا تصح. وما أدراهم بدعاء الخضر عليه الصلاة والسلام؟ فسبحان الله، وإن لله وإن إليه راجعون. يقول: «إفاضة البعض قبل غروب الشمس»، الواجب كما تقدم: أن الناس لا يخرجون من عرفة إلا بعد غروب الشمس، كما تواترت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ما استفاض على ألسنة العوام: أن وقفة عرفة يوم الجمعة تعدل اثنتين وسبعين حجة» -يعني إذا جاء الحج في أحد السنوات، ويوم عرفة يوم الجمعة، زعموا أن هذا يعدل اثنين وسبعين حجة- ولا دليل على هذا. وبعضهم يقول: فيه أجر عظيم؛ لأن حجة النبي عليه الصلاة والسلام كانت فيها يوم الجمعة، وهذا كذلك خطأ؛ كون حجة النبي عليه الصلاة والسلام وقعت يوم الجمعة، لا يعني أن فيها فضل كبير، ولا كذلك أن يحرص عليها. فما يفعله العام من عزمهم على الحج بعد إعلان وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، وكذلك مكاتب دعوة الإرشاد: أن حج عام كذا وكذا يكون يوم الجمعة عرفة، فيعزمون الحج لذلك، هذا خلاف السنة. يقول: «التعريف الذي يفعله بعض الناس: من قصد الاجتماع عشية يوم عرفة في الجوامع، أو في مكان خارج البلد، فيدعون ويذكرون، مع رفع الصوت الشديد، والخطب والأشعار، ويتشبهون بأهل عرفة» -يعني لمن لم يذهب إلى الحج- هذه الأفعال التي تفعل يوم التاسع في بعض المساجد، خلاف السنة؛ فليس يُسن الاجتماع لأجل يوم عرفة إلا أهل الحج. قال: «بدع المزدلفة: الإيضاع» -يعني الإسراع- وقت الدفع من عرفة إلى مزدلفة. وتقدم معنا: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر يقول: «ليس البر بالإيضاع»، ينهاهم عن السرعة؛ حتى لا يحطن بعضهم بعضا، ولا يضر بعضهم ببعض، بل يمشون بسكينة وتروي. وإذا وجدوا فرجة أسرع قليلا، كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: «إذا وجد فجوة نص» -أي أسرع قليلا- بل كان يبالغ في شد زمام خطام ناقته؛ حتى إن كان رأسها لا يضرب في ركبته عليه الصلاة والسلام، عند فخذه. قال: «الاغتسال للمبيت بمزدلفة» لا يسن الاغتسال للمبيت بمزدلفة؛ أما اغتسال تبرد أو تنظف، فهذا مباح لمن شاء ذلك، أما تعبد أنه لابد لمن نزل مزدلفة يغتسل، فهذا ليس صواب. قال: «استحباب نزول الراكب يدخل مزدلفة ماشيا توقيرا للحرم». وهذا كذلك ليس بصحيح؛ بل دخل النبي صلى الله عليه وسلم مزدلفة وهو راكب. قال: «التزام الدعاء بقوله إذا بلغ مزدلفة: اللهم إن هذه مزدلفة، جمعت فيها ألسنة مختلفة، نسألك حوائج مؤتنفة، إلى آخره» -مما في الإحياء يعني مما ذكره الغزالي في الإحياء- وهذه من طوام الغزالي -يعني رحمه الله وغفر له، وهو رجع في آخر أمره إن شاء الله إلى الصواب-. يقول: «ترك المبادرة إلى صلاة المغرب فور النزول في المزدلفة، والانشغال عن ذلك بلقط الحصى». ولقط الحصى كما قلنا: يلقطه الإنسان من حيث تيسر، وإن كان الذي ثبت في حديث ابن عباس: أنه يلتقط من منى. وإن لقطه من أي مكان جاز، لكن لا يتعبد لله بأخذه من مزدلفة على أن ذلك سنة أو بركة أو غير ذلك. وأشد منه: أن يأخذه من المشعر -جبل المشعر الحرام- وأعظم منه: غسله، وفعل ما يفعله بعض العامة من التنطع في ذلك، فهذا خلاف الصواب. وأشد منه: أن يؤخر صلاة المغرب والعشاء لأجل الحصى، وهذا باطل كبير؛ فالواجب عليه: أن أول ما يبدأ يبدأ بالفريضة التي هي صلة بين العبد وربه، وهو الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قال: «خذوا عني مناسككم». قال: «صلاة سنة المغرب بين الصلاتين، أو جمعها إلى سنة العشاء والوتر بعد الفريضتين كما يقول الغزالي». وهذا خطأ؛ فليس من السنة بشيء؛ صلاة السنن، حتى ولو كان الرجل مقيما؛ لأن السنن تسقط عن الحاج، فالقصر في الحج نسك. قال: «زيادة الوقيد ليلة النحر وبالمشعر الحرام» -يعني زيادة النار- إذا كان لغير حاجة، فهو خطأ. وأما إذا كان لحاجة، فلا بأس -مثلا شدة برد أو نحو ذلك-. قال: «إحياء هذه الليلة» -يعني عدم النوم- وهذا خطأ. وعلمنا فيما تقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم نام هذه الليلة. قال: «الوقوف بالمزدلفة بدون بيات» -يعني يمر عليها مرورا دون أن يبيت- هذا خطأ. وإنما رخص النبي عليه الصلاة والسلام للنساء والضعفة كما تقدم، ولكن أن يخرجوا بعد منتصف الليل. قال: «التزام الدعاء إذا انتهى إلى المشعر الحرام بقوله: اللهم بحق المشعر الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام والركن والمقام، أبلغ روح محمد منا التحية والسلام، وأدخلنا دار السلام، يا ذا الجلال والإكرام». وهذا كذلك من اختراعات صاحب الإحياء. وقد نبه العلماء: أن هذا الدعاء أولا لا يجوز التعبد به لعدم صحته، وثانيا فيه معاني باطلة -من التوسل إلى الله بحق المشعر الحرام والبيت الحرام- وإنما يتوسل إلى الله سبحانه بأسمائه وصفاته. وأشار الشيخ في التعليق إلى بعض ذلك، وإلى من أنكر ذلك من أهل العلم. قال: «وقول الباجوري: ويسن أخذ الحصى الذي يرميه يوم النحر من المزدلفة، وهي سبع، والباقي من الجمرات تأخذ من وادي محسر». هذا لا دليل عليه؛ بل تخصيص أخذ الحصى بهذا الوصف من المحدثات. إن قال: يأخذ الحصى من حيث تيسر، جاز؛ أخذه من مزدلفة، أخذه من طريق، من وادي محسر، من منى، من أي مكان. أما تخصيصه يحتاج إلى دليل. وكما قلنا: الثابت أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ الحصى من منى، أو قرب منى؛ لأنه جاء حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة: «ألقط لي حصى»، قال: «فلقط له سبع حصيات من حصى الخذف»، فجعل ينفضهن بيديه -أو بيديه في كفه- من التراب، ويقول: «أمثال هؤلاء فرموا، وإياكم والغلو»، أو قال: «يا أيها الناس بمثل هذا فرموا، وإياكم فالغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. والحديث في السنن، أو بعض السنن. فهذا الحديث يدل أنه ألقط الحصى بالقرب من العقبة -يعني جمرة العقبة- إما عندها، وإما قبلها قليلا -يعني في طريقه إليها- فلذلك إذا أخذه الإنسان من هذا الموضع بغير مشقة، فهو حسن. وإن أخذه من أي مكان، فلا بأس، وهو مباح. أما تخصيص أخذه من مزدلفة، وبهذا العدد، وبعضه من وادي محسر بهذا العدد، فهذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك. قال رحمه الله: «بدع الرمي». قال: «الغسل لرمي الجمار» وهذا كذلك لعدم ورود الدليل به. قال: «غسل الحصيات قبل الرمي» وهذا كذلك لا دليل عليه؛ بل حديث ابن عباس يدل: أن الحصى فقط ينفض من الغبار ويرمى به. قال: «التسبيح أو غيره من الذكر مكان التكبير» -يعني بدلا من التكبير مع الرمي يقولون: سبحان الله، أو أي ذكر آخر- وهذا خطأ؛ والسنة هو أن يكبر مع كل حصى. قال: «الزيادة على التكبير: قولهم رغما للشيطان وحزبه، اللهم اجعل حجي مبرورا وسعيه مشكورا وذنبه مغفورا، اللهم إيمانا بكتابك واتباعا لسنة نبيك». وهذا الدعاء لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل لم يصح أن الذي يرميه هو الشيطان. ولهذا يغلو بعض الناس؛ فالذي يرمي بنعل، والذي يرمي بقارورة، والذي يرمي بحصى كبير، وهكذا علب وأشياء، وكل هذا بسبب هذه المعاني الفاسدة. قال: «قول بعض المتأخرين: ويسن أن يقول مع كل حصاة عند الرمي: بسم الله الله أكبر وصدق الله وعده إلى قوله ولو كره الكافرون». وهذا كذلك باطل؛ لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «التزام كيفيات معينة للرمي -كقول بعضهم: يضع طرف إبهامه اليمنى على وسط السبابة، ويضع الحصى على ظهر الإبهام، كأنه عاقد سبعين، فيرميها- وقال آخر: يحلق سبابته هكذا، ويضعها على مفصل إبهامه هكذا، كأنه عاقد عشرة» -يعني بعد العرب- فالعرب لهم رموز للارقام بالاصابع؛ فالدائرة بالابهام والسبابة عشرة، والدائرة مع بسط الإبهام ثلاثة وخمسون، وغير ذلك مما هو يعني كان من طريقة العرب في الأرقام بالرموز. وقد أشار إلى ذلك بعض أهل العلم في شرح حديث التشهد: أنه يعقد ثلاثين وخمسين. ومنهم العلامة الصنعاني رحمه الله في شرح للحديث. المهم: هذه الكيفيات في رمي الحصى كلها لم تصح. يروى حديث يحسنه بعض أهل العلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة عرفة نهى عن الرمي بكبار الحصى، وأشار أن يرمى بحصى الخذف، وقال بيديه هكذا -كالذي يحدث- والحديث محتمل للتحسين، وحسنه بعض أهل العلم. وليس معناه: أن كيفية الرمي تكون هكذا ولابد، لكن معناه: أنه يبين أن الحصى يكون صغيرا كحصى الخذف. ولهذا جاء في حديث ابن عباس: لما أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يلتقط الحصى، جمع حصى كحصى الخذف؛ لعلمه أن هذه السنة. وفي هذا فضل مجالسة أهل العلم وملازمتهم؛ فيسبق طالب العلم بالعلم الناس في سبق مجالسته لأهل العلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ما أعطاه ابن عباس الحصى: «بمثل هؤلاء فرموا، وإياكم والغلو»، فدل أن ابن عباس قد علم هذا قبل ذلك. وهذا يؤيد تحسين من حسن هذه الرواية التي جاءت في خطبة عرفة. قال رحمه الله تعالى: «تحديد موقف الرامي: أن يكون بينه وبين المرمى خمسة أذرع فصاعدا»، ولا دليل على هذا؛ بل الصحيح: يجوز أن يرمي ولو من فوق الحوض، بل لو انتهى الحصى فاحتاج أن يأخذ من حصى المرمى، أخذ منه ورمى مرة أخرى. والصحيح: أن هذا ليس فيه شيء، ولا دليل يدل صحيح صريح على المنع من الرمي بالحصى المرمي به. قال: «رمي الجمرات بالنعال وغيرها» وهذا من الغلو الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام؛ فهو أشار إلى أن المرمى يرمى بحصى كحصى الخذف، غير كبير كما تقدم. قال: «الرغبة عن من الهجز يعمل يذهب هذا خطأ وهذا يذهب الثراب». «اسأل عجز العزيل كذا في إلى يعمل الناس لو انه ما حصل العجز كسر فصارت أكثر هدرا لحا». «هذه الأزمين المتأخر صليات وأسسية تغذلك إلى اجخ وتجعها». وهذا أفضل من رأى أفضل أن أقوم الحج ويفعل ما في الصلاة صلى الله عليه وسلم أو النسك يذبح يوم العاشر. ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم: أن من ذبح قبل يوم العاشر فذبيحته لا تصح؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». قال: «البدء بالحلق بيسار والسنة أن يبدأ بيمين المحلوق لا يمين الحالق». قال: «لأن الحالق ليس له مكان قد يقف أمام أو خلف، فلهذا كان السنة يمين المحلوق». ولأنه هو المقصود بالحلق، فهو المقصود باليمين. وفي هذا فائدة اتباع السنة؛ فهي أنها تقضي على كثير من الإشكالات العقلية التي قد يختلف فيها الناس. قال: «الاقتصار على حلق ربع الرأس أو غير الربع». بعض الناس يقسم رأسه قطعا على عدد العمرات، فيذهب يكرر خمس ست عشر عمرة من التنعيم، وبعدها لامه، وبعدها لجده، وبعدها لجدته، وهكذا حتى تنتهي القطع. وهذا مع ما فيه من خلاف السنة، فيه كذلك التشويه بالنفس، وفعل أخطاء كثيرة؛ فلا يشرع تكرار العمرات بعد الحج إلا لإنسان لم يأت بعمرة. كعائشة رضي الله عنها لم تأت بعمرة في حجه، فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام أن تأتي بعمرة بعد الحج. على أن الأفضل والأكمل والذي أحبه عليه الصلاة والسلام لعائشة في أول الأمر: أن تكتفي بحجها، وأن عمرتها دخلت بحجها -يعني حين حاضت- ولكن لما بكت وابت، وقالت: «ترجعون يا رسول الله بحج وعمرة، وأرجع بحج فقط؟» فقال: «لا يا أخيها عبد الرحمن، اخرجها إلى التنعيم وأعمرها»، فأخرجها أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر وأعمرها من التنعيم. قال العلماء في هذا دليل على جواز -لا استحباب- إنما جواز الإتيان بالعمرة بعد الحج لمن لم يأت بالعمرة قبل الحج. وأما من أتى بالعمرة قبل الحج، فلا يشرع له ولا يستحب، بل هو من البدع والمحدثات تكرار العمرات بعد الحج، وزيادة على ذلك القزع. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القزع، وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه. قال: «قول الغزالي في الإحياء: والسنة يستقبل القبلة في الحلق». وهذا لا دليل عليه؛ استقبال القبلة في الحلق لا دليل عليه. قال: «الدعاء عند الحلق بقوله: الحمد لله على ما هدانا، وأنعم علينا، اللهم هذه ناصيتي بيدك، فتقبل مني، إلى آخره». وهذا دعاء لم يصح كذلك، فهو من البدع والمحدثات. قال: «الطواف بالمساجد التي عند الجمرات» كذلك لا يجوز الطواف إلا بالبيت العتيق، وهذا من البدع والمحدثات. وبعض هذه البدع اندثرت؛ لأن المساجد الآن غير موجودة، أكثرها مصليات في الخيام، وليس هناك إلا مسجد الخيف. «اللهم المسجد الذي اكتشف مؤخرا مسجد صغير له تاريخ قديم»، وهذا لا أحد يصلي فيه إلى الآن، إنما محاط بسور وغير ذلك. قال: «استحباب صلاة العيد بمنى يوم النحر» كذلك من يصلي العيد يوم النحر من الحجاج فقد خالف السنة -يعني في منى- أما من أدركته صلاة العيد مع المسلمين في مكة، فإنه يجوز أن يصلي مع الناس العيد؛ لأنه يصلي تبعا، لم يقصدها قصدا، ولم يتعمد المجيء لها، وإنما وافقته وفاقا، فهذا جائز. أما إقامة صلاة العيد في منى، فليس من السنة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفعله. أما خطبته عليه الصلاة والسلام عند الجمرات كما تقدم معنا، فليست هي خطبة عيد، وإنما هي خطبة تعليم، خطب بها عليه الصلاة والسلام يعلم الناس مناسك الحج كما تقدم معنا. قال رحمه الله: «ترك المتمتع السعي بعد طواف الإفاضة» وهذا خطأ؛ بل الواجب على المتمتع سعيان: سعي لعمرته مع العمرة، وسعي لحجه بعد طواف الإفاضة، كما تقدم بيانه فيما سبق. قال: «بدع متنوعة: الاحتفال بكسوة الكعبة» -سواء لمن في مكة وما حولها، أو لمن خارج مكة- لأن الكعبة تكسى يوم التاسع، ويكتمل كساؤها يوم العاشر، فبعض الناس يعمل حفل إما في مسجد أو مكان أو حتى بيت بكسوة الكعبة، وهذا خطأ وليس من السنة في شيء. قال: «كسوة مقام إبراهيم» كذلك. والآن لا يكسى؛ كان من قبل مقام إبراهيم يكسى، ولكن الآن الحمد لله اندثرت هذه البدع. قال: «ربط الخرق بالمقام والمنبر لقضاء الحاجات». وهذا كذلك كان قديما، ويفعل الآن قليلا نادرا بخفاء. وإذا وجد ذلك رجال الهيئة والقائمون على شؤون الحرمين أزالوا مثل تلك الخرق. وهي من معالم وأفعال أهل الشرك؛ فاعتقاد أن هذا ينفع ويدفع ضر، هذا من الشركيات -سواء الشرك الأكبر إذا اعتقد النفع والضر لذاته، أو الشرك الأصغر بأن يعتقد أن الله جعل هذا سببا للنفع والضر، ولم يجعله الله سبحانه وتعالى سببا-. قال: «كتابة الحجاج أسمائهم على عمد وحيطان الكعبة، وتوصية بعضهم بعضا» -يعني كأن البركة تصل للذي لم يصل إلى الكعبة إذا كتب اسمه على جدران الكعبة، أو على جدران المسجد الحرام- وهذا مع ما فيه من هذه العقيدة الفاسدة، فيه كذلك التشويه والتلويث بالمساجد. والواجب تعظيمها وإجلالها. قال: «استباحتهم المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام». ومر معنا: أن الصحيح أن اتخاذ السترة عام في الحرم وفي