مناسك الحج والعمرة 13

مناسك الحج والعمرة 13

الدرس في مناسك الحج والعمرة 13، الدرس الثالث عشر:من( طواف الإفاضة ... استأذن العباس رسول الله أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقاية فأذن له ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الرمي وآدابه في الحج

يُناقش هذا الفصل أحكام الرمي في الحج وآدابه، مشددًا على اتباع السنة النبوية وتجنب الفتاوى المخالفة لها. يُوضح أيضًا وقت الرمي المفضل وتفاصيل رمي الجمرات.

تفاصيل رمي الجمرات في أيام التشريق

يشرح هذا الفصل تفاصيل رمي الجمرات في أيام التشريق، بدءًا بالجمرة الأولى وصولًا إلى جمرة العقبة، مع التركيز على الترتيب والتكبير واستخدام الحصى الصغيرة.

مناسك الحج بعد رمي الجمرات

يتناول هذا الفصل مناسك الحج بعد رمي الجمرات، بما في ذلك طواف الإفاضة، وصلاة ركعتين عند المقام، وسعي الحجاج بين الصفا والمروة، وتحللهم من الإحرام، مع مناقشة آراء أهل العلم في بعض التفاصيل.

حكم المبيت في منى وأثر الأعذار

يناقش هذا الفصل حكم المبيت في منى وأثر الأعذار على هذا الحكم، مشيرًا إلى رخصة أهل الأعذار مثل القائمين على خدمة الحجاج أو المرضى، مستندًا إلى حديث العباس رضي الله عنه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: طواف الإفاضة، ثم يفيض من يومه إلى البيت فيطوف به سبعًا، كما تقدم في طواف القدوم، إلا أنه لا يطوف ولا يرمل، وعلمنا معنى للطواف والرمل. قال: ومن السنة أن يصلي ركعتين عند المقام كما قال الزهري رحمه الله، وفعله ابن عمر. وقال: على كل سبع ركعتان، وهذا هو الصحيح. وقد اختلف أهل العلم، فذهب بعضهم إلى أن ركعتين المقام خاصة في طواف القدوم، أو بعضهم قال في طواف القدوم وطواف الحج، لكن لا يلزم في طواف الوداع. والصحيح أن كل طواف لا بد له من ركعتين، حتى ولو كان طواف تطوع، حتى ولو كان طواف تطوع. فمن طاف طواف تطوع -يعني نفلًا في أثناء الحج أو بعد الحج- فإنه عليه أن يصلي ركعتين بعد كل سبعة أشواط. وذلك لهذا المروي عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومثل هذا لا يقال بالرأي في الغالب، فهو موقوف له حكم الرفع. فإن أقوال الصحابة إذا لم تعارض النص ولم يعارضها غيرها، وكان من مظنة عدم الاختلاف أو المسائل الخلافية، فهو حجة؛ لأنه في معنى الموقوف الذي له حكم الرفع، والموقوف الذي له حكم الرفع حجة. قال: ثم يطوف ويسعى بين الصفا والمروة كما تقدم أيضًا خلافًا للقارن والمفرد، فيكفيهما السعي الأول. يعني إذا أتوا بالسعي في الطواف الأول؛ لأن المفرد ليس عليه عمرة، فسعيه مع طواف القدوم كان سعي حج، فصار ممن قدم السعي على الطواف، فجاز ذلك. وفي هذا دليل، وقد ورد في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها -وهذا في حق القارن- أنه أخبرها أن حجها يجزئها عن حجها وعمرتها، معناه أنها أدخلت الحج على العمرة. فهذا كذلك فيه دليل على أن القارن يسعى سعي واحد، يسعى سعي واحد. واستأنس العلماء بذلك كذلك بتأييد الرواية التي فيها تقديم السعي على الطواف في حديث أسامة بن الشريك الذي رواه أبو داود. وقد اختلف في صحته، فقال بعض أهل العلم: لو لم يصح، معناه صحيح؛ لأن المفرد إذا كان يجوز له أن يقدم عمدًا السعي على الطو، فلماذا لا يجوز للمتمتع أن يقدم السعي ماذا على الطواف؟ وليس عمدًا، ولكن عند الخطأ، لماذا نقول له: أعد؟ الصحيح أن من أخطأ فقدم السعي على الطواف، يقال له: افعل ولا حرج. وتشديد بعض أهل العلم في هذه المسألة في الحقيقة ليس في محله؛ لأن عمومات الأدلة تدل على جوازه. إذا جاز للمفرد أن يقدم عمدًا، فكيف لا يجوز للمتمتع أن يتجاوز عنه في الخطأ؟ وقد أكثر النبي عليه الصلاة والسلام من قوله: افعل ولا حرج. وروي فيه حديث، حسنه بعضهم للعلم، وضعفه بعضهم. أي في تقديم السعي قبل الطواف بالنسبة للمتمتع. أما القارن والمفرد، فكما تقدم سعيه الأول، الصحيح أنه يجزئه عن السعي الثاني. قال رحمه الله: بهذا الطواف يحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام، حتى نساؤه. وهو ما يسمى بالتحلل الثاني، وهو ما يسمى بالتحلل الثاني. قال: ويصلي الظهر بمكة. وقال ابن عمر: بمِنى. يعني أنه جاء في بعض الأحاديث -وكلها صحيحة- أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في مكة، وجاء في بعض الأحاديث أنه صلى في مِنى. فذهب بعضهم إلى الترجيح، فقدم رواية مكة على مِنى، وبعضهم قدم رواية مِنى على مكة. والصحيح أنه لا حاجة للترجيح ما دام الكل صحيح، ويمكن الجمع بين الدليلين. فالقاعدة عند الأصوليين وغيرهم: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. فإذا كان كذلك، فهل يمكن الجمع بين الدليلين؟ قال العلماء: نعم. ووجه الجمع بأن يقال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم مرتين، صلى أولًا في مكة فرضه، فلما أتى إلى مِنى وجدهم ينتظرونه، صلى بهم مرة ثانية تطوعًا. فالأول فرض، والثاني نفل. وهذا له أصل، كقصة معاذ رضي الله عنه، كان يصلي العشاء مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يرجع إلى قومه وهم ينتظرونه، وكان إمامهم وأحفظهم للقرآن، ينتظرونه. فإذا جاء صلى بهم صلاة العشاء، فكانت الأولى فرضًا والثانية نفلًا. وبهذا دليل على جواز كذلك تفاوت أوقات الصلاة للجماعات في المساجد. يعني ليس يجب ولا يشترط أن تتحد أوقات الصلوات في المساجد، بل في اختلاف أوقات الصلاة فسحة للناس ورفع للحرج عنهم. قال رحمه الله: ويأتي زمزم فيشرب منها. كذلك لعموم الأدلة في هذا. قال: البيات في مِنى. وطبعًا قوله: ويصلي الظهر بمكة، ويصلي بمِنى، هذا لمن تأخر له. أن بعض الناس ما يستطيع يطوف في النهار، يكون قد أتى من مزدلفة متعب، ورمي الجمرة، وكذلك يشتد عليه الحر مع كثرة الزحام، يحب أن يؤخر إلى الليل، هل يجوز؟ الجواب: نعم يجوز. يجوز أن يؤخر طواف الإفاضة إلى الليل. وهل يجوز أن يؤخر إلى اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع؟ الصحيح أنه يجوز كذلك إذا وجدت المشقة، فالمشقة تجلب التيسير. وإذا وجد الحرج، فلم يجعل الله عز وجل علينا في الدين من حرج. فإذا قال الإنسان: أنا سأؤخر؛ فقط أريد خفة الزحام، وإلا أنا إنسان قوي، الحمد لله، لكن أريد أن أخفف. نقول له: هذا خلاف الأفضل، وإن كان لا نستطيع أن نقول لك: إن فعلت إثم، لكن نقول: إن فعلت خلاف الأفضل والأكمل. الأفضل والأكمل أن تحج طواف الإفاضة في يوم العاشر، إن لم تستطع في النهار ففي الليل. هذا هو الأفضل والأكمل؛ لأن طواف الإفاضة من أعمال يوم العاشر. وقد حرص الرجال والنساء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أن يطوفوا في يوم العاشر، وهم أقل استعدادًا للحج مثل استعداداتنا اليوم. نحن اليوم الحمد لله منَّ الله عز وجل علينا بوسائل نستعين بها على تيسير الحج، بل رفاهية. ليست فقط وسائل، بل معنا رفاهية موجودة في هذا الزمان. تمشي مسافات طويلة وأنت في ظل، تركب المركوبات وأنت بفضل الله في مكيفات، تسكن في السكن، والغالب أغلب المخيمات في مكيفات مبردة، وهكذا أشياء كثيرة متيسرة. فلا ينبغي الإنسان أن يفتر ويعجز. وبعض أهل العلم يجد فتاوى من بعض أهل العلم أنه يجوز أن يجمع طواف الحج وطواف الوداع معًا، فهل هذا يجوز؟ الجواب: نعم يجوز، لكن ليس كل ما يجوز يسارع إليه الإنسان. ينبغي الإنسان أن يفعل الذي هو أفضل، وإن كان بعض أهل العلم قال: لا يجوز أن يجمع بين طواف الحج وطواف الوداع، خصوصًا إذا كان الحج سيتعدى الأيام الأربعة التي هي أيام الحج: العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. هذه أربعة أيام، لا يجوز له في قول جماعة من أهل العلم. وقولهم له وجه؛ لأن هذه أيام الحج، ولا يجوز المسلم أن يخرج طواف الإفاضة الذي هو طواف الحج عن هذه الأيام الأربعة، خصوصًا إذا كان سيطوف طواف الوداع، طواف الوداع خارج هذه الأيام الأربعة. وهذا والله هو الأحوط، وهو الذي تقتضيه عمومات الأدلة. وإن كان الإنسان لا يتجاسر أن يقول: يبطل حجكم بتأخيركم لطواف الحج إلى بعد هذه الأيام الأربعة، لكن نقول: والله نخشى أن يبطل حجكم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. ونحن نخشى من هؤلاء الذين يؤخرون طواف الوداع إلى ما بعد أيام الحج أن يبطل حجهم؛ لأن طواف الوداع من أركان الحج، طواف الوداع من أركان الحج. من أركان الحج اللي هو طواف الإفاضة، فتأخيره مع طواف الوداع، تأخير طواف الإفاضة مع طواف الوداع، إخراج الحج من وقته. وقد علمنا أن الله شرع للناس حجًا في ماذا؟ في مواقيت زمانية ومكانية. وقد روي عن جماعة من الصحابة أن المواقيت الزمانية هي أشهر الحج، وعشر من ذي الحجة، والعشر من ذي الحجة هي أربعة أيام بالنسبة لأعمال الحج التي شرعت أن تعمل فيها. ما رأيكم لو إنسان قال: أنا سأرمي أيام من بعد ما يذهب الناس من مِنى؟ يخترع لنفسه المشقة تجلب التيسير، وأنا أخاف بالزحام، خل الناس يخرجون من مِنى، إذا خرجوا يوم خمسطعش أو ستعش، أتي وحـدي، ما في أحد، من مِنى، وأرمي كل الجمار للأيام الماضية كلها؟ إذا فعل هذا، نقول: أنت مجنون، تأتي في الحج في غير وقت الحج. ونفسه ما الفرق ما الفرق بين من يرمي الجمار في غير أيام الرمي، ومن يأتي فيطوف في غير وقت الطواف؟ يأتي يطوف طواف الحج في غير وقت الطواف، الناس انتهوا من الحج وخلص الحج، وهو ما طاف طواف الحج، ما طاف طواف الإفاضة، يريد أن يؤخر طواف الإفاضة مع طواف الوداع. لو طاف طواف الوداع مع طواف الحج في أيام الحج، لكان جائزًا، وهو خلاف الأفضل، لكن المشكلة لو أخر طواف الإفاضة بعد الأيام الأربعة. ولهذا الصحيح التفصيل: من أخر طواف الحج مع طواف الإفاضة في أيام الحج، فطوافه صحيح، وهو خلاف الأفضل. ومن أخر طواف الإفاضة مع طواف الوداع، طواف الإفاضة مع طواف الوداع بعد أيام الحج، فطوافه غير صحيح، ونقض عليه من بطلان الحج. قال رحمه الله تعالى: البيات في مِنى، ثم يرجع إلى مِنى فيمكث بها أيام التشريق بلياليها، ويرمي فيها الجمرات الثلاث كل يوم بعد الزوال بسبع حصيات لكل جمرة، كما تقدم في الرمي يوم النحر. ويبدأ بالجمرة الأولى، وهي الأقرب إلى مسجد الخيف. فإذا فرغ من رميها تقدم قليلًا عن يمينه، فيقول مستقبلًا للقبلة، فيقوم مستقبلًا القبلة قيامًا طويلًا ويدعو ويرفع يديه. وقد ثبت ذلك في أحاديث، كما أشار منها حديث ابن مسعود، وغيره من الأحاديث الأخرى التي فيها فعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك. يتقدم في الجمرة الأولى، وهي الصغرى، عن يمين الجمرة، وليس عن يمين مباشرة، وإنما يتقدم قليلًا. مثلا الجمرة خلفي، مثلا نقول الجمرة عن يساري، أنا الآن عن يمين الجمرة، إذا رميتها لا أقف هنا، إنما الحديث أن يتقدم قليلًا. قال العلماء: لماذا تقدم النبي عليه الصلاة والسلام قليلًا؟ قالوا: تقدم قليلًا حتى لا يزاحم من يرمي. ليس كل الناس يدعون، إذن الذي يريد يرمي ما يستطيع يرمي. وهذا الذي نراه للأسف، بعض الناس ينتهي من الرمي، يقف في طريق الناس ويدعوهم، هذا خطأ. بل تقدم، وقول الراوي عن النبي عليه الصلاة والسلام: تقدم قليلًا، يعني بما يفسح للناس السير. فإذا كان القليل لا يكفي، كذلك تقدم أكثر. أحيانًا تتقدم قليلًا، مثل إلى السارية هذه، فتجد أن الزحام الرمي ما زال فوقك، أنت حتى ما تستطيع تدعو، دعاؤك سيكون بغير خشوع، تقدم أكثر، تقدم أكثر، تقدم أكثر، حتى تبتعد من الزحام وتدعو بخشوع. وليس تتقدم فتجعل الجمرة عن خلفك، ولا عن يسارك مباشرة، لكن تبتعد يمينًا ثم تتقدم. هذا الابتعاد في اليمين ثم التقدم يعطي فسحة، ألا تضيق على الناس الذين يريدون أن يرموا الجمرة. فإذا ترمى هذه الجمرة من أي جهة، ورماها النبي عليه الصلاة والسلام، فاجعلها بينه وبين القبلة. هكذا رواية في بعض الآثار أنها ترمى، فتجعل بينك وبين القبلة؛ لأن الذي يستقبلها ستكون الكعبة خلفه، يرميها ثم يمشي؛ لأنه سيمشي إلى جهة الجمرة الكبرى. الكبرى بعدها يتعداها عن يمينها، يأخذ اليمين ثم يتقدم قليلًا ويدعو دعاء طويلًا. وتأمل قوله: طويلًا. حتى كان ابن عمر يطيل، فربما مل بعض رفقته وقرابته، فإذا كانوا معه أرفق بهم فاختصر في دعائه. قال: ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها كذلك. يعني بينه وبين الكعبة، ثم يأخذ ذات الشمال، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا ويدعو ويرفع يديه، كما قيل في الجمرة الأولى. يقال في الجمرة الوسطى. يعني يفتقد من مكان الزحام، ويدعو في مكان يخشع فيه، ويدعو بما فتح الله عز وجل عليه من خير الآخرة والدنيا. قال: ثم يأتي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، وهي الكبرى. الأولى تسمى الصغرى، والآخرة أو الثالثة تسمى العقبة وتسمى الكبرى. قال: فيرميها كذلك، ويجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ولا يقف عندها. إنما إذا رماها يمشي، ما في دعاء عندها. وهذه الصفة كما قلنا كان لها سبب، وذلك لأن الجمرة كان نصفها جبل ونصفها مرمى. والمقصود من الرمي ليس إصابة الشاخص. يوجد شاخص كان زمان، قبل فترة، الشاخص عمود صغير، فيظن الناس أن المقصود من رمي الجمرة أن تصيب هذا العمود، وليس كذلك. ولكن المقصود برمي الجمرة أن تسقط الجمرة في الحوض. يوجد حول الجمرة حوض، المقصود أن تسقط حصى الجمرات في الحوض. تبسمل في أول رمي، وتكبر مع كل حصاة، وترميها في الحوض، وترميها واحدة واحدة، لا ترميها كلها دفعة واحدة، إنما واحدة واحدة، وبحصى صغير لا يؤذي ولا يجرح غيرك. فإذا انتهيت من هذه انتهيت من الرمي. وهذه كما ذكر ترمى على هذه الصفة كما سبق الكلام عليه في رمي يوم العاشر. ويجوز أن ترمى من أي جهة بحسب التيسير. اليوم لا يوجد جبل، فممكن أن ترميها فتجعل مكة عن يمينك ومنى عن يسارك. فإن كان في تلك الجهة إلتف ناس، ارميها من تلك الجهة، يجوز. يجوز أن ترميها من الدور الأول، ومن الدور الثاني، ومن الدور الثالث، ومن الدور الرابع. المقصود أن تقع الحصاة في الحوض. وقد يسر الله عز وجل بذلك المكان الذي سهلت فيه وسائل الرمي، حتى أن الحصاة تقع في نفس الحوض. فإذا كان كذلك، فلا حرج لمن أراد أن يرمي من الأدوار الأخرى أن يرميه. ووقت الرمي كما تقدم يكون من بعد الزوال، إذا زالت الشمس فإنه يبتدئ الرمي. يعني بعد أذان الظهر. وما يفتي به بعض الفقهاء اليوم، حتى ألف بعضهم مؤلفًا فسمى: افعل ولا حرج. النبي عليه الصلاة والسلام خاصة افعل ولا حرج في أشياء، ليس افعل ولا حرج بالخروج عن حدود الشرع. هذه التوسع التي أفتى بها بعض الفقهاء، حتى قالوا: لشدة الزحام يجوز أن يرمي الحاج في الليل، وفي النهار، وقبل الزوال، وبعد الزوال، وبعد الغروب، في أي وقت. إذن ما الفائدة أن يحدد النبي عليه الصلاة والسلام للناس أوقاتًا؟ ولماذا جعل الله عز وجل الحج من الأشهر المعلومات ومن الأيام المعدودات؟ لماذا؟ ولماذا خص الناس أن يذهبوا إلى عرفة يوم التاسع؟ أخشى أن يمر على الناس زمان فيقولون: إذا كان حرج أن يجتمع الناس في يوم التاسع، إذن لا بد من يأتي التاسع أو الثامن أو العاشر، افعل ولا حرج. فوسعوا معنى حديث النبي عليه الصلاة والسلام حتى خرجوا إلى أشياء لم يأتي بها الدليل. لكن الحقيقة هي أن الناس تعودوا حياة الرفاهية، فسرعان ما يسمعوا بفتوى، ولو علموا أنها لا تستند إلى دليل صحيح، فبمجرد أن فلان من الناس أفتى، فيتابعونه على فتوى. وهؤلاء المفتون إما من أهل قلة العلم أو أهل قلة الدين، الذين يتعجلون بمثل هذه الفتاوى، فيفتحون على الناس باب شر عظيم. وهؤلاء الذين أخذوا بهذه الفتاوى كذلك أحد هذين الصنفين. ولا يجوز الإنسان أن يترخص مثل هذه الرخص مع علمه بأن السنة دلت على خلاف ذلك. فالواجب أن يرمى بعد الزوال. من لا يستطيع أن يرمي بعد الزوال، فإنه يجوز له أن يرمي بعد الليل، بعد الغروب. ولا يوجد زحام بعد الغروب، الحمد لله. اليوم في هذا الزمان تيسرت أمور كثيرة، فلا حاجة لتضييع مناسك الحج والخروج عن المواقيت الشرعية الزمانية التي وقتت لتفاصيل أعمال الحج. حتى يوم التعجل، يقول بعض الناس: أنا أريد أن أتعجل. فإذا كان التعجل من بعد الزوال، إذن لا أستطيع أن أتعجل إلا أن أرمي قبل الزوال؛ لأن الناس كلهم يذهبون بعد الزوال، فيكون زحام شديد إلى المغرب. وإذا جاء علي المغرب، يلزمني البقاء. فإذا كان كذلك، إذن أنا سأخذ بالرخصة، وهذا خطأ. إذا كنت لا تستطيع أن تتحمل هذا الزحام، إذن تأخر يومًا. هل تريد أن تتأخر طاعة لله، أم يصيبك الله ببلاء ومرض وكارثة تموت مع من يموت ويهلك؟ ثم بعد ذلك تندم حيث لا ينفع الندم. ثم هذه الرخص في الحقيقة كانت سببًا كذلك في كوارث. أذكر في أول سنة، وثاني سنة كانت فيها ابتداء هذه الفتاوى واعتمادها من بعض الجهات في تلك البلاد. في أول سنة أفتاها بعض المفتين، ولم تعتمدها الجهات الرسمية هناك. فكما قيل: لم يذهب الكثير. في السنة التي بعدها جاءت فتوى من جهة -كما يقال- رسمية، وإن كان الكثير من المفتين لم يوقع على هذه الفتوى، لكن فلان وفلان وقع، فخرجت فتوى، فتهافت الناس يريدون التعجل ويريدون الرمي قبل الزوال، حصلت الكارثة مرة أخرى. كونهم إنهم وجدوا الرخصة، كلهم ذهبوا قبل الزوال، فمات من مات، والإسعافات غير مهيأة، والجهات التي تقوم بتفريق الناس غير مهيأة، فحصلت الكارثة، مات من مات، وحصلت أمور عظيمة. وهذا كله بسبب مخالفة السنة. إلا قد قال الله عز وجل: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾. لمن اتقى، التأخر يوم واحد، وصف الله عز وجل هذا المتأخر بأنه طالب للتقوى، وأنه صاحب تقوى. فإذن لماذا لا تكون صاحب هذا الفضل؟ تتأخر يوم واحد وتكون من أهل التقوى. والآية استدل بها العلماء كذلك أن من أراد التعجل عليه أن يخرج قبل غروب الشمس، إلا من عرض له عارض. يعني من الزحام رمى قبل غروب الشمس، ولكن ما استطاع أن يخرج قبل غروب الشمس، الذي منعه هو الزحام، فمثل هذا معذور. يستمر في الخروج يثبت تبعًا، ما لا يثبت استقلالًا، ما دام رمى قبل غروب الشمس فيجزئه؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾. واليوم يطلق على النهار، كما نقل ذلك النووي عن جماعة من أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: ثم يرمي اليوم الثاني واليوم الثالث كذلك. يعني اليوم الثاني من أيام التشريق، وهو اليوم الثاني عشر، واليوم الثالث من أيام التشريق، وهو يوم الثالث عشر، ويفعل كما فعله في يوم الحادي عشر. ووقت الرمي من بعد الزوال إلى غروب الشمس، ولأهل الأعذار من بعد غروب الشمس إلى الفجر، على الصحيح من أقوال أهل العلم. قال: وإن انصرف بعد رميه في اليوم الثاني، ولم يبت للرمي في اليوم الثالث جاز؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾. لكن التأخر للرمي أفضل؛ لأنه السنة. فالنبي عليه الصلاة والسلام تأخر، فهو السنة والأفضل والأكمل. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». فمن بغى أن يؤخر سنة عليه الصلاة والسلام. بل قال الله عز وجل بعد ذكر التأخر: ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾. فدل أن المتأخر بتأخره وطلب التقوى ووصل إليها إن شاء الله. وأشار هنا بتعليق فيه معنى الكلام الذي سبق: أن من غربت عليه الشمس نقل عن شيخ الإسلام أنه قال: فإذا غربت الشمس وبمِنى أقام حتى يرمي مع الناس اليوم الثالث. وهذا عليه جمهور أهل العلم؛ لأن اليوم يطلق للنهار دون الليل، استدلالًا بالآية: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. قال: والسنة الترتيب بين المناسك المتقدمة: الرمي فالذبح أو النحر فالحلق فطواف الإفاضة فالسعي للمتمتع. إن كان قدم شيئًا منها أو أخر جاز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا حرج». لكن لم يثبت في شيء من الأحاديث تقديم الحلق على هذه الأعمال؛ لأن الحلق تحلل، فلذلك لم يرد، ولا كذلك يفعله من فقه معنا الحج، ولو فقه يسير. أي إنسان يفقه الحج يعرف أن عليه يوم العاشر أعمال، كيف سيحلق وهو لم يعمل شيء من أعمال يوم العاشر؟ الحلق هو تحلل، صحيح هو من أعمال يوم العاشر، لكنه تحلل، فلذلك عليه أن يعمل عمل من أعمال الحج. فإذا عمل عمل من أعمال الحج فقدم بعده وأخر، فلحرج. مثلا طاف ثم ذبح، طاف ثم حلق، طاف ثم كذلك رمى، رمى فكل تقديم أو تأخير ما دام أن الحلق ليس أول واحد، فهذا يدخل في عموم: افعل ولا حرج. وقد جاء وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أشياء كثيرة، سئل عليه الصلاة والسلام عن الرمي والإفاضة قبل الحلق، فقال: «افعل ولا حرج». كما جاء في حديث علي رضي الله عنه. وسئل عليه الصلاة والسلام عن الإفاضة قبل الحلق، كما جاء في حديث جابر، فقال: «افعل ولا حرج». وسئل عليه الصلاة والسلام عن تقديم السعي على الطواف في حديث أسامة، فقال: «افعل ولا حرج». وجاء كذلك أنه سئل عليه الصلاة والسلام: أفضت قبل أن أرمي؟ فقال: «افعل ولا حرج». ونحوها من الأحاديث التي تدل على المعنى الذي تقدم. قال رحمه الله تعالى: والسنة الترتيب بين المناسك المتقدمة: الرمي فالذبح أو النحر فالحلق فطواف الإفاضة فالسعي للمتمتع. إن كان قدم شيئًا منها -يعني من السعي- وهو خاص بالنسبة للقارن والمفرد. قال: فالسعي للمتمتع، لكن إن قدم شيئًا منها وأخر جاز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا حرج»، «لا حرج». يعني في الأعمال الأربعة يوم العاشر، إلا الذبح إلا الحلق، إلا الحلق كما تقدم. قال: ويجوز للمعذور في الرمي ما يأتي: ألا يبيت في مِنى؛ لحديث ابن عمر: استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت في مِنى بمكة ليالي مِنى من أجل سقايته، فأذن له. فاستدل العلماء بهذا الحديث على مسائل، والحديث كما أشار في الصحيحين من حديث ابن عباس، وغيره. من أهم هذه المسائل أولًا: وجوب المبيت في مِنى؛ لأن الاستثناء معيار العموم، والاستئذان يدل على العزيمة، لا يستأذن من مستحب، وإنما يستأذن من واجب. فلهذا قال العلماء: المبيت في أيام مِنى واجب، المبيت في أيام مِنى واجب. فلا يجوز الإنسان من غير عذر أن لا يبيت في مِنى، بل يبيت. ليس معنى يبيت أن ينام، لكن أن يجلس أكثر الليل في مِنى. بعض الناس يحجون ولا يتيسر لهم خيام، فأمثال هؤلاء قد يجلسون في أطراف مِنى ثم يخرجون، هل يجزئهم ذلك؟ الصحيح أنه يجزئهم ذلك، وإن كان الأفضل أن يكون لهم سكنة في مِنى. هذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وما يفعله هؤلاء من السكنة في مكة والدخول في مِنى ليلًا فقط، هذا جائز لكنه خلاف الأفضل. بعض الناس يستأجر في مكة، يريد الرفاهية، إما له بيت في مكة أو يستأجر، ويكون سكنة في أيام مِنى في مكة، ليس في الخيام. فرق بين سكن البيوت وسكن الخيام. فإذا كان في الليل دخل إلى مِنى، ربما جلس له في أي مكان، ضرب له خيمة ولم يضرب خيمة، حتى أخذ جزءًا من الليل فخرج. فيقال لهؤلاء: فعلتم خلاف الأفضل. الأفضل هو الأكمل أن تسكنوا في مِنى كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. والعكس النبي عليه الصلاة والسلام كان يزور مكة في أيام مِنى، يزور مكة في أيام مِنى. يعني يذهب يطوف بالبيت، يصلي بالبيت ويرجع إلى مِنى، وهم فعلوا خلاف السنة، يسكنون في مكة ويخرجون إلى مِنى في الليل. فإذا خرجوا يقال لهم: أنتم فعلتم خلاف الأفضل. ومع ذلك احذروا أن تقعدوا أكثر الليل خارج مِنى؛ لأنكم إذا فعلتم ذلك ربما أثمتم بالتفريط؛ لأن هذا الحديث يدل على الوجوب. المسألة الثانية: هذا الحديث يدل أن هذا الواجب يرخص فيه لأهل الأعذار. فلما كان العباس من أهل السقاية -يعني يسقون الحجاج- وهم القائمون على زمزم، لهم عمل يخدمون الحجاج فيه، رخص له النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يبيت في مِنى؛ لأن الحجاج يأتون إلى مكان السقاية في أوقات متعددة. المهم هذا يدل على جوازه لكل من عمل مثل هذا العمل، فمن عمل بعمل في خدمة للحجاج -ولو كانت الخدمة بأجر- على القول الصحيح من أقوالها للعلم، فإنه يجوز له أن يترخص بهذه الرخصة. وشيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله أجاز للعسكر الذين يحجون إذا كانت لهم وظائف تقتضي أن لا يبيت في مِنى أن يقوموا بوظائفهم، مداموا يقومون بخدمة الحجاج. وهكذا كذلك كما سيأتي: أهل الغنم، وأهل كل عمل هم يعملون أعمالًا في خدمة الحجاج. فمن كان يعمل مثل هذا العمل في خدمة الحجاج، فنعم. أما إنسان يقول: أنا عندي شركة ستفلس الشركة في ثلاثة أيام، أريد أن أخرج. نقول له: لا، أنت تحج، خذ إجازة من الشركة. هذه الرخصة لأهل الأعذار الذين يقومون بخدمة للحجاج، أو أهل الأمراض. رجل مريض ما يستطيع البقاء في مِنى؛ لأنه يتضرر، فنقول له: لا بد أن يخرج. طيب نقف لهنا ونكمل إن شاء الله الباقي بعد الصلاة. والله تعالى أعلم.