الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح  163

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 163

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 163، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حقيقة الجوهر وتطبيقه على الله تعالى

يناقش مفهوم الجوهر ومدى انطباقه على الله تعالى، حيث يختلف الفلاسفة والمتكلمون في تعريفه وتسمية الله به. يُبين اختلافات الفلاسفة والمتكلمين في هذا السياق.

انتقاد آراء الفلاسفة والنصارى حول صفات الله

يناقش آراء الفلاسفة والنصارى حول صفات الله ويبين تناقضاتهم وبطلان قولهم بأن الصفات جواهر قائمة بذاتها. يُوضح أن الرسل ثبتوا أن الإله إله واحد له صفات كمال.

ردود ابن تيمية على الفلاسفة والنصارى

يلخص ردود ابن تيمية على الفلاسفة والنصارى، ويبين جهلهم بما جاءت به الرسل وبما يعرف بالعقل المحض، ويشير إلى أصول الفلسفة اليونانية المشركة وتأثيرها على الأديان.

  • 21 جمادى الأولى 1432هـ - 24/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله: كتاب الجواب الصحيح بدل دين المسيح، فصل الكلام على الصفات. قال الحاكي عنهم: فقلت: فإنهم ينكرون علينا قولنا: إن الله تعالى جوهر. قالوا: إننا نسمع عن هؤلاء القوم أنه ذو فضل وأدب ومعرفة، ومن هذا صورته، وقد قرأ شيئًا من كتب الفلاسفة والمنطق، فما حقهم ينكرون هذا علينا؟ وذلك أنه ليس في الوجود شيء إلا وهو إما جوهر وإما عرض، لأن أي أمر نظرناه وجدناه إما قائمًا بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى غيره، وهو الجوهر، وإما مفتقر في وجوده إلى غيره لا قوام له بنفسه، وهو العرض، ولا يمكن أن يكون لهذين القسمين قسم ثالث. فأشرف هذين القسمين القائم بذاته غير المفتقر في وجوده إلى غيره، وهو الجوهر. ولما كان الباري تقدست أسماؤه أشرف الموجودات، إذ هو سبب سائرها، أوجب أن يكون أشرف الأمور وأعلاها الجوهر. ولهذا قلنا: إنه جوهر لا كالجواهر المخلوقة، كما نقول: إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، وإلا لزم أن يكون قوامه بغيره ومفتقر في وجوده إلى غيره، وهذا من القبيح أن يقال على الله تعالى. فقلت لهم: إنهم يقولون: إنما نمتنع من تسمية الله جوهرًا لأن الجوهر ما قبل عرضًا وما شغل الحيز. ولهذا ما يطلق عليه القول بأنه تعالى جوهر. قالوا: إن الذي يقبل عرضًا ويشغل حيزًا هو الجوهر الكثيف، فأما الجوهر اللطيف فما يقبل عرضًا ولا يشغل حيزًا، مثل جوهر النفس وجوهر العقل وجوهر الضوء، وما يجريء هذا المجرى من الجواهر اللطيفة المخلوقة. فإذا كانت الجواهر اللطيفة المخلوقة لا تقبل عرضًا ولا تشغل حيزًا، فيكون خالق الجواهر اللطائف والكثائف ومركب اللطائف بالكثائف يقبل عرضًا ويشغل حيزًا، كلا. والجواب من وجوه: أحدها أن يقال: أما تسمية الباري جوهرًا، فهو من أعظم ما ينكر على النصارى. ولهذا كان من الناس من ينكره من جهة الشرع فقط أو اللغة، ومنهم من ينكره من جهة العقل أيضًا. ومنهم من يراه نزاعًا لفظيًا. طائفة من المسلمين يسمونه جوهرًا وجسمًا أيضًا. وذلك أن المسلمين في أسماء الله تعالى على طريقتين: فكثير منهم يقول: إن أسماءه سمعية شرعية، فلا يسمى إلا بالأسماء التي جاءت بها الشريعة. فإن هذه عبادة، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع. ومنهم من يقول: ما صح معناه في اللغة، وكان معناه ثابتًا له، لم يحرم تسميته به. فإن الشارع لم يحرم علينا ذلك، فيكون عفوًا. والصواب القول الثالث: وهو أن يفرق بين أن يدعى بالأسماء، وبين أن يخبر بها عنه. فإذا دعي لم يدعى إلا بالأسماء الحسنى، كما قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. وأما الإخبار عنه، فهو بحسب الحاجة. فإذا احتيج في تفهيم الغير المراد إلى أن يترجم أسماءه بغير العربية، أو يعبر عنه باسم، الله معنى صحيح، لم يكن ذلك محرمًا. وأما الذين منعوه من جهة العقل، فكثير منهم من يقولون: إن الجوهر ما شغل الحيز وحمل الأعراض، والله سبحانه وتعالى ليس كذلك. وهذا قول من نفى ذلك من أهل الكلام. ومنهم من يقول: الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع. وهذا إنما يكون فيما وجوده زائد على ذاته. وواجب الوجود وجوده عين ذاته، فليس جوهرًا. وهذا قول من السيناء وأمثاله من متأخري المتفلسفة. وأما قدماء الفلاسفة كأرسطو وأمثاله، فكانوا يسمونه جوهرًا. وعنهم أخذت النصارى هذه التسمية. فإن أرسطو كان قبل المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة. وأما اللغة، فإن لفظ الجوهر ليس من العربية العرباء. ولهذا لا يعرف في كلام العرب المحض. وأينما هو معرب، كما ذكر ذلك الجوهري وغيره. قال الجوهري: الجوهر معرب، الواحدة جوهرة، فهو من العربية المعربة لا من العربية العرباء، كلفظ سجيل واستبرق وأمثال ذلك من الألفاظ المعربة. وهذا اللفظ ليس موجودًا في القرآن. ومع هذا، فلما عرب كان معناه في اللغة هو الجوهر المعروف. وتسمية القائم بنفسه أو الشاغل الحيز جوهرًا، فهو أمر اصطلاحي ليس هو من الأسماء اللغوية ولا العرفية العامة، ولا الأسماء الشرعية. فقد قيل: إنه مأخوذ من كلام الأوائل كاليونان وغيرهم، فإنه يوجد في كلامهم تسمية القائم بنفسه جوهرًا. وقد قيل: سموه بذلك لأن جوهر الشيء أصله، والقائم بنفسه هو الأصل. وقد يسمون العرض القائم بغيره جوهرًا. وقيل: لأن لفظ الجوهر فوعل من الجهر، وهو الظهور والوضوح، والقائم بنفسه يظهر ويعرف قبل أن يعرف ما قامت به الأعراض. والناس متفقون على إثبات الأعيان القائمة بنفسها التي تسمى جواهر أو أجسامًا، وتنازعوا في ثبوت الأعراض القائمة بها. والنزاع عند محققيهم لفظي. فإن عاقلًا لا ينازع أن الجسم يتحرك بعد سكونه، لكن منهم من يقول: حركته ليست زائدة على ذاته، ومنهم من يقول: هي زائدة على ذاته. وهو نظير نزاعهم في الصفات: هل هي زائدة على الذات أو ليست زائدة؟ والتحقيق: أن مسمى الإنسان إذا أطلق دخل فيه صفاته. وإذا ميز بين هذا وهذا، قيل: الذات والصفات. ومن الناس من يخص لفظ العرض بما لم يكن من الصفات لازمًا للموصوف، والصفات اللازمة يسميها صفات ذاتية جوهرية. ومنهم من يخص بالعرض ما لا يبقى عنده زمانين، ويقول: صفات المخلوق تسمى أعراضًا لأنها لا تقبل زمانين، بخلاف صفات الله، فإنها عنده باقية، فلا تسمى أعراضًا. ومن نظار المسلمين من يسمي صفات كل موصوف أعراضًا. وإذا كان كذلك، فلا يدخل في أسماء الله التي تذكر في أصول الإيمان التي يجب اعتقادها من الأسماء ما هو اصطلاح طائفة من الناس، مع أنه يوهم معنى باطلًا. وهذا الوضع مما اضطرب فيه مع النصارى كثير من الناس. منهم من يجعل الصفات أعيانًا قائمة بنفسها وجواهر قائمة بنفسها. ومنهم من يجعل الأعيان القائمة بنفسها صفاتًا. والصفات لا تقوم بأنفسها، بل لا بد لها من موصوف تقوم به. والأولون نوعان: منهم من نفى الصفات، وقال: لو أثبتنا له حياة وعلما وقدرة، لازم أن تكون هذه آلهة. فإن القدم أقصى وصفه، فلو أثبتنا قديمًا ليست هي الذات، لازم أن يشارك الذات في أقصى وصفها، فتكون ذاتًا أخرى قائمة بنفسها. وهذه طريقة كثير من نفاة الصفات من مبتدعة المسلمين واليهود والنصارى. احتجوا على نفي الصفات بأن لو أثبتناها لازم أن تكون آلهة. وقال من قال من المتسبين للإسلام: إن لو أثبتنا الصفات لقلنا بقول النصارى، حيث أثبتوا لله الأقانيم. وحجة هؤلاء قائمة على النصارى، وهم النوع الثالث. فإنهم أثبتوا لله الصفات، وجعلوها جوهرًا قائمًا بنفسه. وقالوا: إن الله موجود حي ناطق، ثم قالوا: حياته جوهر قائم بنفسه، ونطقه وهو الكلمة جوهر قائم بنفسه. وقالوا: هذا إله من إله، وهذا إله من إله. فأثبتوا صفات الله وجعلوها جواهر قائمة بنفسها، ثم قالوا: الجميع جوهر، فكان في كلامهم أمور كثيرة من الباطل المتناقض. منهم من جعل الصفات جوهرًا، ومنهم من جعل الجواهر المتعددة جوهرًا واحدًا. والذين قالوا من نفاة الصفات: المعتزلة والجهمية، إن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى، هو متوجه على من جعل الصفات جواهر. وهؤلاء هم النصارى يزعمون أن الصفات جواهر آلهة. ثم قالوا: ولا إله إلا الله، فلا صفة له. وقالت النصارى: بل الأب جوهر إله، والابن جوهر إله، وروح القدس جوهر إله، ثم قالوا: والجميع إله واحد. ونفس تصور هذه الأقوال التصور التام يوجب العلم بفسادها. وأما الرسل وأتباعهم، فنطقوا أن لله علمًا وقدرة وغير ذلك من الصفات، وثبتوا أن الإله إله واحد. فإذا قال القائل: عبدت الله ودعوت الله، فإنما دعا وعبد إلهًا واحدًا، وهو ذات مثبتة بصفات الكمال. لم يعبد ذاتًا لا حياة لها ولا علم ولا قدرة، ولا عبد ثلاثة آلهة ولا ثلاثة جواهر. بل نفس اسم الله يتضمن ذاته المقدسة المتصفة بصفاته سبحانه. وليس الصفات خارجًا عن مسمى اسمه، ولا زائدة عن مسمى اسمه. بل إذا قدر ذاتًا مجردًا عن الصفات، فالصفات زائدة على هذه الذات المقدرة في الذهن المجرد عن الصفات. ليست الصفات زائدة على الذات المتصفة بالصفات، فإن تلك لا تحقق إلا بصفاتها. فتقديرها مجردًا عن صفاتها تقدير ممتنع. وقد تنازع المثبتة: هل يقال: الصفات عين الذات؟ أم يقال: ليست عين الذات؟ أم يقال: لا يقال: هن غير الذات، ولا يقال: ليست غير الذات؟ وتنازعوا في مسمى الغيرين: هل هما ما جاز مفارقة أحدهما الآخر مطلقًا؟ أو ما جاز مفارقته بوجود أو زمان أو مكان؟ أو هما ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر؟ وغاية ذلك منازعات لفظية. وكثير منهم فرق في الصفات اللازمة بين بعضها وبعض، فجعل بعضها زائدًا على الذات، وبعضها ليست بزائدة على الذات. وكان الفرق بحسب ما يتصوره، لا بحسب ما الأمر عليه في نفسه. فإذا أمكنهم تصور الذات بدون صفة، قالوا: هذه زائدة. وإلا قالوا: ليست زائدة. وهذا يقتضي أنها زائدة على ما تصوروه من الذات، لأنه في الخارج ذات مجرد عن تلك الصفة، وصفة زائدة عليها. بل ليس إلا الذات المتصفة بتلك الصفات. ولكن يجب الفرق بين أن يقال: إن الصفات غير الذات، وبين أن يقال: إنها غير الله. فإن اسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته. فإذا قال القائل: دعوت الله وعبدت الله، فلم يدع ذاتًا مجردة، ولا صفات مجردة. بل دعا الذات المتصفة بصفاتها، فاسمه تعالى يتناول ذلك. فليس صفاته خارجًا عن مسمى اسمه، ولا زائدة على ذلك. وإن قيل: إنها زائدة على الذات المجردة. ومن ظن أنها زائدة على الذات المتصفة بصفاتها التي تدخل صفاتها في مسمى اسمه، فقد غلط. ولكن في الأذهان والألسنة زلل في هذا الموضع كثيرًا. فإذا قيل: الصفات غير الذات، لم يكن في هذا من المحذور ما في قولنا: إن صفات الله غير الله. فإن اسم الله يتناول صفاته. فإذا قيل: إنها غيره، فهم من ذلك أنها مباينة له، وهذا باطل. ولهذا كان النافون إذا ناظروا أئمة المسلمين، كما ناظر الإمام أحمد بن حنبل في محنته المشهورة، فقالوا له: ما تقول في القرآن وكلام الله؟ أهو الله أم غير الله؟ عارضهم بالعلم، وقال لهم: ما تقولون في علم الله؟ أهو الله أم غير الله؟ وأجاب أيضًا بأن الرسل لم تنطق بواحد من الأمرين. فلا حجة لهم في كلام الله ورسوله. فإن الله لم يقل لكلامه: وأنا، ولقال: إنه غيري، حتى يقول القائل: إذا كان قد جعل كلامه غيره وسواه، فقد أخبر أنه قال: قل كل ما سواه. فإن كان الاحتجاج بالسمع، فلا حجة فيه. وإن كان الاحتجاج بالعقل، فالمرجع في ذلك إلى المعاني لا إلى العبارات. فإن أراد المريد بقولي: هل كلامه وعلمه غيره؟ أنه مباين له، فليس هو غيرًا له بهذا الاعتبار. وإن أراد بذلك أن نفس الكلام والعلم ليس هو العالم المتكلم، فهو غير له بهذا الاعتبار. وإذا كان اللفظ مجملًا، لم يجز إطلاقه على الوجه الذي يفهم المعنى الفاسد. وأما الذين جعلوا الأعيان القائمة بأنفسها صفاتًا، فهم هؤلاء المتفلسفة نفاة الصفات، ومن أشبههم. فإنهم قالوا: إن رب العالمين عقل وعاقل ومعقول. ولفظ العقل عندهم، وإن كانوا يقولون: هو جوهر قائم بنفسه، فقد صرحوا أيضًا بأنه نفسه علمه. حتى صرحوا بأن رب العالمين علم، كما صرح بذلك إمام رشد وغيره، ونقلوه عن أرسطو. وأن العقول العشرة كل منها علم، فهو علم وعالم ومعلوم. فقالوا: عقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق وعشق، وذائق وملتذ ولذة. فجعلوه نفسه لذة وعقلًا وعشقًا. وجعلوا ذلك هو العالم العاشق الملتذ. وجعلوا نفس العلم نفس العشق ونفس اللذة. فجعلوه نفسه صفات، وجعلوه ذاتًا قائمة بنفسها. وجعلوا كل صفة هي الأخرى. وهذا مما يعلم بصريح العقل بطلانه. ومنهم من لا يصرح بأنه نفسه علم، فإنه يقول: هو عاقل ومعقول وعقل. يقول: إنه يعلم نفسه بلا علم من علمه، بل هو العالم وهو المعلوم وهو العلم. وحقيقة كلامهم تعود إلى قول أولئك. فإنهم إذا قالوا: إن العلم الذي يعلم به ذاته هو العالم وهو المعلوم، فقد جعلوا نفس العلم نفس العالم ونفس العلم نفس المعلوم. وهي حقيقة قول أولئك. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. الوجه الثاني: أن يقال لهم: أنتم تقولون: إنكم متبعون للكتب الإلهية. وإذا كان كذلك، لم ينبغ لكم في شريعة إيمانكم من الأسماء إلا ما جاءت به الأنبياء عليهم السلام. والأنبياء لم يسموا الله أحد منهم جوهرًا. وإنما سماه بذلك أرسطو وأمثاله. وهؤلاء كانوا مشركين يعبدون الأصنام، ولم يكونوا يعرفون الله المعرفة الصحيحة. ولم يكونوا يقولون: إنه خالق السماوات والأرض، ولا إنه بكل شيء عليم، ولا على كل شيء قدير. وإنما كانوا يعبدون الكواكب العلوية والأصنام السفلية، ويعبدون الشياطين، ويؤمنون بالجبت والطاغوت. وإنما صاروا مؤمنين لما دخل إليهم دين المسيح صلوات الله عليه وسلامه، بعد الإسكندر المقدوني صاحب أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة. ويقال: إنه آخر ملوكهم كان بطليموس، وكانوا يسمون الملك من ملوكهم بطليموس، كما يسمون القبط ملكهم فرعون، والحبشة ملكهم النجاشي، والفرس كسرى، ونحو ذلك. وحينئذ، فعدولكم عن طريقة الأنبياء والمرسلين إلى طريقة الكفار والمشركين المعطلين، من الضلال المبين. وفي كتبهم: أن بولاس لما صار إلى أيثينية دار الفلاسفة، وفيها دار الأصنام، وجد مكتوبًا على باب دار العلماء: الإله الخفي الذي لا يعرف، وهو الذي خلق العالم. فكانوا لا يعرفون رب العالمين، فكيف يعدل عن طريقة رسل الله وأنبيائه، كموسى وداود والمسيح، إلى طريقة هؤلاء الكفار المشركين المعطلين؟ ولكن النصارى ركبوا دينًا من دينين: من دين الأنبياء الموحدين، ودين المشركين. وصار في دينهم قسط مما جاءت به الأنبياء، وقسط مما ابتدعوه من دين المشركين في أقوالهم وأفعالهم. كما أحدثوا ألفاظ الأقانيم، وهي ألفاظ لا توجد في كلام الأنبياء. وكما أحدثوا الأصنام المرقومة بدل الأصنام المجسدة، والصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب بدل الصلاة لها، والصيام في وقت الربيع، ليجمعوا بين الدين الشرعي والأمر الطبيعي، وغير ذلك. الوجه الثالث: قولهم: إن الذي يشغل حيزًا ويقبل عرضًا هو الجوهر الكثيف، فأما الجوهر اللطيف فما يقبل عرضًا ولا يشغل حيزًا، مثل جوهر النفس وجوهر العقل وجوهر الضوء. فيقال: الكلام في الجواهر: هل هي منقسمة إلى متحيز وغير متحيز؟ أو كلها متحيزة؟ متصل بالكلام على نفس الإنسان الناطقة. فنقول: إن المسلمين من أعظم الناس معرفة بوجود الملائكة والجن، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وكذلك سلف الأمة وأئمتها يعرفون وجود النفس التي هي روح الإنسان التي تفارق بدنه حين الموت، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأمة. وإن كان كثير من أهل الكلام يجعلونها عرضًا من أعراض البدن، أو جزءًا من أجزائه، فهذا قول محدث في الإسلام، لم يذهب إليه أحد من السلف والأمة. وإن كان محكيًا عن أكثر المتكلمين، فليس الذين قالوا هذا من سلف الأمة ولا أئمتها، بل هم من أهل الكلام المحدث والمذموم عند السلف وأئمة الأمة. وكثير من المتفلسفة الداخلين في أهل الملل يقولون: إن الذوات التي تسميها الأنبياء الملائكة، هي التي تسميها المتفلسفة المشاؤون عقولًا أو عقولًا ونفوسًا. وهذا غلط عظيم، كما قد بسط في موضعه. فإن العقول التي يثبتها هؤلاء المتفلسفة لا حقيقة لها عند الرسل وأتباعهم، بل ولا حقيقة لها في المعقول الصريح. بل حقيقة كلامهم: أنها أعراض قائمة بنفسها. وقد صرحوا بأن واجب الوجود نفسه هو علم، وجعلوا نفس العلم هو نفس العالم ونفس التصور. وهذا القول يكفي في العلم بفساده. كما أن هؤلاء المتفلسفة أتباع أرسطو لا يعرفون الملائكة، بل ولا الجن. وإنما علمهم معرفة الأجسام الطبيعية. وتكلموا في الإلهيات بكلام قليل نزر، باطله أكثر من حقه، كما قد بسط في موضع آخر. وهؤلاء يزعمون أن العقل الأول أبدع ما دونه من العقول والأفلاك، إلى أن ينتهي الأمر إلى العقل العاشر، فهو مبدع ما تحت فلك القمر. وهذا كله من أعظم الكفر عند الرسل وأتباعهم أهل الملل. فإن مضمون هذا: أن ملكًا من الملائكة خلق كل ما تحت السماء، وملكًا فوقه خلق كل ما سوى الله سبحانه. وهذا من أعظم الكفر في دين المرسلين وأهل الملل المسلمين واليهود والنصارى. قال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾. فأخبر أن الملائكة لا تسبقه بالقول، ولا تعمل إلا بأمره، فضلًا عن أن يكون ملك خلق كل شيء. وهؤلاء يقولون: إن الوحي والكلام الذي جاءت به الرسل إنما هو فيض من هذا العقل الفعال على قلوب الأنبياء. والله تعالى عند هؤلاء لم يكن يعرف موسى ولا عيسى ولا إبراهيم ولا محمدًا، ولا غيرهم من الرسل، ولا يعرف الجزئيات. بل عند أرسطو وأتباعه: أنه لا يعلم شيئًا من الأشياء، بل ولا خلق عندهم شيئًا، بل ولا يقدر عندهم على خلق شيء، فضلًا عن أن يكون على كل شيء قدير، وأن يكون أحاط بكل شيء علمًا. وأرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام بمقدونية وأثينية وغيرهما من مدائن فلاسفة اليونان. وكان وزيرًا لإسكندر ابن فيلبس المقدوني. وكان هذا قبل المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة. ولم يكن وزيرًا لذي القرنين الذي بنى سد يأجوج ومأجوج. وعامة علم القوم علم الطبيعيات والحسابيات. وأما العلم الإلهي، وهو الذي يسمونه علم ما بعد الطبيعة، وهو منتهى فلسفتهم، فإنما تكلموا فيه على أمور كلية. قسموا الوجود إلى جوهر وتسعة أعراض، اجتمعوا بيتان: زيد طويل الأسود، ابن مالك في داره بالأمس، كان متكئًا في يده سيف، نظامه فانتظى. فهذه عشر مقولات، وهي: الجوهر، والكم، والكيف، والأين، ومتى، والإضافة، والملك، والوضع، وأن يفعل، وأن ينفعل. وقد نازعهم أتباعهم وغيرهم في هذا الحصر، وقالوا: إنه لا دليل عليه. ومنهم من جعلها ثلاثة، ومنهم من قال غير ذلك. وأثبتوا العلة الأولى بناء على حركة الفلك أو الفلك، وأنه يتحرك حركة شوقية، فلابد له مما يتشبه به. فالعلة الأولى هي غاية لحاجة الفلك إليها من جهة أنه متحرك ليتشبه بها، كحركة المؤتم بإمامه والمقتدي بقدوته. وقد يقولون: كتحريك المعشوق لعاشقه. وكلام أرسطو في ذلك موجود، وقد نقلته بألفاظه، وتكلمت عليه في غير هذا الموضع. وقد ذكر ذلك في مقالة اللام، ويآخر آخر فلسفته ومنتهى حكمته. وفي كتاب أثولوجيا. ولم يثبت أن الرب مبدع لفلك وعلة فاعلة، ولا يسمى واجب الوجود، ولا قسم الموجودات إلى واجب قديم وممكن قديم. بل ذلك فعل المتأخرين كمنسين وأمثاله. وقد بسطنا الكلام عليهم في غير هذا الموضع. والمتأخرون الذين سمعوا كلام أهل الملل أرادوا إصلاح كلامه وتقريبه إلى العقول، لعله يوافق ما علم بصريح المعقول وصحيح المنقول. وأما الفرابي فهو الذي وسع القول في هذا الباب، وقسم الوجود إلى واجب وممكن، وجعل الأفلاك ممكنة واجبة به. وفي ذلك من الفساد والاضطراب ما قد بسط في غير هذا الموضع. وبنى منسين الكلام في نفي صفاته على كونه واجب الوجود. وأما الفرابي في كتاب آراء المدينة الفاضلة وغير ذلك، فاعتمد على كونه أول. وكذا أرسطو في كتاب أثولوجيا اعتمد على كونه الأول، وشباهه بالأول في العدد. وعلى ذلك بنوا نفي الصفات. وإنما لو أثبتناها لخرج عن كونه أول، مع أنهم لم يقيموا حجة على كونه أول بهذا المعنى الذي زعموه، كما لم يقيموا حجة على كونه واجب الوجود بالمعنى الذي ادعوه. بل تكلموا بألفاظ مجملة متشابهة تحتمل حقًا وباطلًا. فإنه معلوم أن الله واجب الوجود بذاته، موجود بنفسه، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، وهو القديم الأزل الذي لم يزل ولا يزال. وهؤلاء جعلوا وجوب الوجود بمعنى أنه لا يتعلق بغيره، فلا يكون له صفة. وكونه أول بمعنى أول أعداد الذي لا تعدد فيه. فمعلوم أن الواحد والأول المجرد عن كل شيء إنما يقدر في الأذهان لا في الأعيان. فالذهن يقدر واحدًا واثنين وثلاثة وأربعة إلى سائر الأعداد المجردة. والعدد المجرد عن المعدود إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان. فأما الموجود في الخارج، فإنما هو أعيان قائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها. والأول منها هو ذات مثبتة بصفاتها، لا توجد في الأعيان ليس بذات قائمة بنفسها، ولا صفة قائمة بغيرها. بل لا توجد ذات مجردة عن صفاتها. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. ولكن نبهنا هنا عليها لأن هؤلاء القوم قالوا: إنا نعجب من هؤلاء القوم أنهم ذو فضل وأدب ومعرفة، ومن هذا صورته، وقد قرأ شيئًا من كتب الفلاسفة والمنطق، فما حقهم ينكرون علينا هذا. فكل كلام هؤلاء النصارى يتضمن تعظيم الفلاسفة وأهل المنطق، وأن من قرأ كتبهم عرف بها من الحق في الإلهيات ما لا يعرفه سائر أهل الملل. وهذا يدل على جهل هؤلاء النصارى بما جاءت به الرسل، وبما يعرف بالعقل المحض. حسب كلامه هنا إن شاء الله. سمعنا بهذا الفصل رده رحمه الله تعالى على النصارى فيما ادعوه في جعلهم الصفات تقوم مقام الجواهر، ثم بيّن كذلك إحداثهم لفظ الجوهر وأنه ليس له أصل في دين الأنبياء، فضلًا أن ينسب أنه قد ذكر في كتاب الله أو في شيء من كتب الله المنزل على أنبيائه. وبيّن رحمه الله تعالى أن أكثر ذلك مأخوذ من فلاسفة اليونان ومشركيهم. ثم استطرد رحمه الله كما سمعنا في عرض مقولات ظلال اليهود والنصارى والمسلمين في هذا الباب، وكيف دخل عليهم باطل وضلال فلاسفة اليونان ومشركيهم، فتشابهت أقوالهم وتقاربت لأخذها من هذا المعين، معين المشركين، فهو منبع ذاك الشر وذاك الظلال والتحريف الذي دخل على أتباع الرسل. وكما وجد في اليهود والنصارى ظلال، كذلك بيّن رحمه الله وهذا من الإنصاف، ليبين كذلك أن الظلال لا ينحصر بالنصارى، بل وجد في المسلمين من ضل كظلالهم. واستطرد في ذلك ليبرهن لكل منصف أن حقيقة دين النصارى مخلوط بين بعض ما جاءت به الأنبياء وكثير منه محرف، وبين ما خلط وأدخل معه من دين الفلاسفة المشركين. وذكر هنا بعض تلك المباحث ورد عليها على وجه الإجمال، وأشار لأن بسط الرد على تلك المقولات الباطلة قد ذكره في غير هذا الموضع، وأكثره ذكره في درء تعارض العقل والنقل. وقد مرت معنا بعض هذه المسائل فيما قرناه في دروس سابقة في درء تعارض العقل والنقل. طيب إلى هنا والله أعلم.