الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على دعاوي النصارى وتحليل موقفهم من الإسلام

يتناول الرد على النصارى ودعاويهم بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يبعث إليهم، ويبين أن القرآن حجة عليهم. كما يشير إلى استدلال أهل البدع بنصوص مشتبهة.

التناقض بين اليهود والنصارى وتكفيرهم لبعض

يتناول التناقض بين اليهود والنصارى وتكفير كل طرف للآخر، ويبين أن كلا الطرفين قد ضل عن الحق. كما يشير إلى أن كفر النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم أعظم من كفر اليهود.

تحليل آراء النصارى في رسالة نسبت زورا إلى أحد علمائهم

يناقش آراء النصارى حول الإسلام والنبي محمد كما وردت في رسالة مزعومة، ويبرز تحليل الشيخ لهذه الآراء ويبين كذبهم وتضاربهم. يشرح المنهج في الرد على هذه الرسالة.

عدل الإسلام في التعامل مع أهل الكتاب

يتناول عدل الإسلام في دعوة اليهود والنصارى إلى الدين الحق، ويشير إلى تاريخ الخلاف بينهم وبغي كل طرف. يقدم مثالاً على عدل عمر بن الخطاب في تنظيف بيت المقدس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: سابقه الجواب الصحيح من بذل دين المسيح، وقد أقبل النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا بد من وقوعها في بعض هذه الأمة، وإن كان قد أقبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال في أمته أمة قائمة على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة، وأن أمته لا تجتمع على ضلالة، ولا يغلبها من سواها من الأمم، بل لا تزال منصورة متبعة لنبيها المهاجر المنصور. لكن لا بد أن يكون فيها من يتتبع سنن اليهود والنصارى والروم والمجوس، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتأخذن أمتي ما أخذت الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع». قالوا: يا رسول الله، فارس والروم؟ قال: «فمن الناس إلا أولئك؟». وفي المظهرين للإسلام منافقون، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار تحت اليهود والنصارى. فلهذا كان ما ذم الله به اليهود والنصارى قد يوجد في المنافقين المنتسبين للإسلام، الذين يظهرون الإيمان بجميع ما جاء به الرسول ويبطنون خلاف ذلك، كالملاحدة الباطنية، فضلا عن من يظهر الإلحاد منهم. ويوجد بعض ذلك في أهل البدع ممن هو مقر بعموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، لكن اشتبه عليه بعض ما اشتبه على هؤلاء، فاتبع المتشابه وترك المحكم، كالخوارج وغيرهم من أهل الأهواء. وللنصارى بصفات الله سبحانه وتعالى استحسان بالمخلوقات ضلال، شاركهم فيه كثير من هؤلاء، بل من الملاحدة من هو أعظم ضلالا من النصارى. والحلول والاتحاد نوعان: عام وقاطع. فالعام كالذين يقولون إن الله بذاته حال في كل مكان، أو إن وجوده عين وجود المخلوقات. والقاطع كالذين يقولون بالحلول والاتحاد في بعض أهل البيت كعلي وغيره، مثل النصيرية وأمثالهم، أو بعض من ينتسب إلى أهل البيت كالحاكم وغيره، مثل الدرزية وأمثالهم، أو بعض من يعتقد فيه المشيخة كالحلاجية وأمثالهم. فمن قال إن الله سبحانه وتعالى حل أو اتحد بأحد من الصحابة أو القرابة أو المشايخ، فهو من هذا الوجه أكبر من النصارى الذين قالوا بالاتحاد والحلول في المسيح، فإن المسيح عليه السلام أفضل من هؤلاء كلهم. ومن قال بالحلول والاتحاد العام، فضلاله أعم من ضلال النصارى. وكذلك من قال بقدم أرواح بني آدم أو أعمالهم أو كلامهم أو أصواتهم أو مداد مصاحفهم أو نحو ذلك، ففي قوله شعبة من قول النصارى. فبمعرفة حقيقة دين النصارى وبطلانه يعرف به بطلان ما يشبه أقوالهم، ومن أقوال أهل الإلحاد والبدع. وفي المناظرة ما يشبه أقوالهم من أقوال أهل الإلحاد والبدع. فإذا جاء نور الإيمان والقرآن أزاح الله به ما خالفه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ وَإِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. وبأن الله سبحانه وتعالى أبان من فضائل الحق ومحاسنه ما كان به محققا، وكان من أسباب نصر الدين وظهوره أن كتابا ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى بما يحتج به علماء دينهم وفضلاء ملتهم قديما وحديثا من الحجج السمعية والعقلية، فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصل به فصل الخطاب وبيان الحق من الصواب، لينتفع بذلك أولو الألباب، ويظهر ما بعث الله به رسله من الميزان والكتاب. وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلاً فصلاً، وأتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعا وأصلا وعقدا وأحكاما. وما ذكروه في هذا الكتاب هو عمدتهم التي يعتمد عليها علماؤهم في مثل هذا الزمان وقبل هذا الزمان، وإن كان قد يزيد بعضهم على بعض بحسب الأحوال. فإن هذه الرسالة وجدناهم يعتمدون عليها قبل ذلك، ويتناقلها علماؤهم بينهم، والنسخ بها موجودة قديمة، وهي مضافة إلى بولس الراه، أثقف صيداء الأنطاكي، كتبها إلى بعض أصدقائه، وله مصنفات في نصر النصرانية. وذكر أنه لما سافر إلى بلاد الروم والقسطنطينية وبلاد الإفرنج وبعض أعمال الفرنج ورومية، واجتمع بأجلاء أهل تلك الناحية، وفاوض أفاضلهم مع علماءهم. وقد عظم هذه الرسالة، وسماها الكتاب المنطقي. ومضمون ذلك ستة فصول: الفصل الأول: دعواهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يبعث إليهم، بل إلى أهل الجاهلية من العرب، ودعواهم أن في القرآن ما يدل على ذلك، والعقل يدل على ذلك. الفصل الثاني: دعواهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى في القرآن على دينهم الذي هم عليه، ومدحه بما أوجب لهم أن يثبتوا عليه. الفصل الثالث: دعواهم أن نبوات الأنبياء المتقدمين كالتوراة والزبور والإنجيل وغير ذلك من النبوات تشهد لدينهم الذي هم عليه من الأقانيم والتثليث والاتحاد وغير ذلك بأنه حق وصواب، فيجب التمسك به، ولا يجوز العدول عنه إذا لم يعارضه شرع يرفعه، ولا عقل يدفعه. والفصل الرابع: تقرير ذلك بالمعقول، وأن ما هم عليه من التثليث ثابت بالنظر المعقول، والشرع المنقول موافق للأصول. والفصل الخامس: دعواهم أنهم موحدون، والاعتذار عن ما يقولونه من الألفاظ التي يظهر منها تعدد الآلهة، كألفاظ الأقانيم، فإن ذلك من جنس ما عند المسلمين من النصوص التي يظهر منها التشبيه والتجسيم. والفصل السادس: أن المسيح عليه السلام جاء بعد موسى عليه السلام بغاية الكمال، فلا حالة بعد النهاية إلى شرع يزيد على الغاية، بل يكون ما بعد ذلك شرعا غير مقبول. ونحن ولله الحمد والمنة نبين أن كل ما احتج به من حجة سمعية من القرآن أو من الكتب المتقدمة على القرآن أو عقلية، فلا حجة لهم في شيء منها، بل الكتب كلها مع القرآن والعقل حجة عليهم لا لهم. بل عامة ما يحتجون به من نصوص الأنبياء ومن المعقول فهو نفسه حجة عليهم، ويظهر منه فساد قولهم، مع ما يفسده من سائر النصوص النبوية والموازين التي هي مقاييس عقلية. وكذلك يوجد عامة ما يحتج به أولو البدع من كتب الله عز وجل في تلك النصوص ما يتبين أنه لا حجة لهم فيها، بل هي بعينها حجة عليهم، كما ذكر أمثال ذلك في الرد على أهل البدع والأهواء وغيرهم من أهل القبلة. وإنما عامة ما عند القوم ألفاظ متشابهة تمسكوا بما ظنوه تدل عليه، وعدلوا عن الألفاظ المحكمة الصريحة المبينة، مع ما يقتلع بذلك من الأهواء. وهذه حال أهل الباطل، كما قال تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. فالمؤمنون الذين تاب الله عليهم من الجهل والظلم، ومثابة الأنبياء عليهم السلام، فإن الأنبياء بُعثوا بالعلم والعدل، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فبين سبحانه وتعالى أنه ليس ضالا جاهلا، ولا غاويا متبعا للهوى، لا ينطق عن هواه، إنما نطقه وحي أوحاه الله سبحانه وتعالى. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. فالهدى يتضمن العلم النافع، ودين الحق يتضمن العمل الصالح، ومبناه على العدل، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. وأصل العدل العدل في حق الله تعالى، وهو عبادته وحده لا شريك له، فإن الشرك ظلم عظيم، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ الآية، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس هو كما تظنون، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟». ولما كان أتباع الأنبياء هم أهل العلم والعدل، كان كلام أهل الإسلام والسنة مع الكفار وأهل البدع بالعلم والعدل، لا بالظن وما تهوى الأنفس. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار». رواه أبو داود وغيره. فإذا كان من يقضي بين الناس في الأموال والدماء والأعراض إذا لم يكن عالما عادلا كان في النار، فكيف بمن يحكم في الملل والأديان وأصول الإيمان والمعارف الإلهية والمعالم الكلية بلا علم ولا عدل، كحال أهل البدع والأهواء الذين يتمسكون بالمتشابه المشكل، ويدعون المحكم الصريح من نصوص الأنبياء، ويتمسكون بالقدر المشترك المتشابه في المقاييس والآراء، ويعرضون عما بينهما من الفروق المانعة من الإلحاق والاستواء. كحال الكفار وسائر أهل البدع والأهواء الذين يمثلون المخلوق بالخالق والخالق بالمخلوق، ويضربون لله الأمثال بالقول الهزيل. وذلك أن دين النصارى الباطل إنما هو دين مبتدع ابتدعوه بعد المسيح عليه الصلاة والسلام، وغيروا به دين المسيح. ثم لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كفروا به، فصار كفرهم وظلالهم من هذين الوجهين: تبديل دين الرسول الأول، وتكذيب الرسول الثاني. كما كان كفر اليهود بتبديلهم أحكام التوراة قبل مبعث المسيح، ثم تكذيبهم المسيح عليه السلام. ونبين إن شاء الله أن ما عليه النصارى من التثليث والاتحاد لم يدل عليه شيء من كتب الله، لا الإنجيل ولا غيره، بل دلت على نقيض ذلك، ولا دل على ذلك عقل، بل العقل الصريح مع نصوص الأنبياء يدل على نقيض ذلك. بل وكذلك عامة شرائح دينهم محدثة مبتدعة لم يشرعها المسيح عليه السلام. ثم التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم هو كفرهم المعلوم لكل مسلم، مثل كفر اليهود بالمسيح عليه السلام. أبلغ وهم يبالغون في تكفير اليهود بأعظم مما يستحقه اليهود من التكفير، إذ كان اليهود يزعمون أن المسيح ساحر كاذب، بل يقولون إنه ولد زنا، إنه ولد غيه -بالفتح- كهي وطل مريم أبوهد عظيمة. والنصارى يدعون أنه الله الذي خلق الأولين والآخرين، أنه ديان يوم الدين. فكانت الأمتان فيه على غاية التناقض والتعادي والتقابل. ولهذا كل أمة تذم الأخرى بأكثر مما تستحقه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى ديد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رافع بن حُريم لليهود: «ما أنتم على شيء»، وكفر بعيسى والإنجيل جميعا. فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: «ما أنتم على شيء»، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله ذلك في قولهما: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. قال: كل يكفر بما في يد صاحبه. قال قتادة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: بلى، قد كان أوائل النصارى على شيء، ولكنهم تفرقوا. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: بلى، قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. فاليهود كذبوا بدين النصارى، فقالوا: ليسوا على شيء. والنصارى كذبوا بجميع ما تميز به اليهود عنهم، حتى في شرائع التوراة التي لم ينسخها المسيح، بل أمرهم بالعمل بها. وكذبوا بكثير من الذي تميزوا به عنهم، حتى كذبوا بما جاء به عيسى عليه السلام من الحق. لكن النصارى وإن بالغوا في تكفير اليهود ومعاداتهم على الحجج الواجبة عما ابتدعوه من الغلو والضلال، فلا ريب أن اليهود لما كذبوا المسيح صاروا كفارا، كما قال تعالى للمسيح: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وقال تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. وكفر النصارى بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وبمخالفة المسلمين أعظم من كفر اليهود بمجرد تكذيب المسيح، فإن المسيح لم ينقض من شرع التوراة إلا قليلا، وسائر شرعه قائم على التوراة. ولكن عامة دين النصارى أحدثوه بعد المسيح، فلم يكن في مجرد تكذيب اليهود له من مخالفة شرع الله الذي جاء به كتابا مستقلا من عند الله، لم يحل شيئا من شرعه على شرع غيره. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. والقرآن أصل كالثوراة، وإن كان أعظم منها. ولهذا علماء النصارى يقرنون بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال النجاشي ملك النصارى لما سمع القرآن: «إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة». وكذلك قال ورقة بن نوفل، وهو من أحبار نصارى العرب، لما سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «إنه يأتيك الناموس الذي يأتي به موسى، يا ليتني فيها جذعا حين يخرجك قومك». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجي هم؟» قال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما أتيت به إلا عُودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ولهذا يقول سبحانه وتعالى بين التوراة والقرآن في مثل قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. فلم ينزل كتاب من عند الله أهدى من التوراة والقرآن. ثم قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وهؤلاء النصارى ذكر كاتب كتابهم في كتابه أنه لما سأله سائل أن يبحث له فحصا بينا عما يعتقده النصارى المسيحيون المختلفة ألسنتهم، المتفرقة في أربع زوايا العالم من المشرق إلى المغرب، ومن الجنوب إلى الشمال، والقاطنون بجزائر البحر والمقيمون بالبر المتصل إلى مغيب الشمس. وإن الأسقف جميامس الملك الرومي اجتمع بمن اجتمع به من أجلائهم ورؤسائهم، وفاوض من فاوض من أفاضلهم وعلمائهم فيما علمه من رأي القوم الذين رأاهم بجزائر البحر قبل دخوله إلى قبرص، وقاطعهم في دينهم وما يعتقدونه ويحتجون به عن أنفسهم. قال الكاتب على لسان الأسقف: إنهم يقولون: «إن سمعنا أن قد ظهر إنسان من العرب اسمه محمد، يقول: إنه رسول الله، وأتى بكتاب، فذكر أنه منزل عليه من الله، فلم نزل إلى أن حصر الكتاب عندنا». قال: «فقلت لهم: إذا كنتم قد سمعتم بهذا الكتاب وهذا الإنسان، واجتهدتم على تحصيل هذا الكتاب الذي أتى به عندكم، فلأي حال لم تتبعوا؟ ولا سيما وفي الكتاب يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؟». أجابوا قائلين: «لأحوال شتى». قال: «فقلت: وما هي؟» قالوا: «منها أن الكتاب عربي، وليس بلساننا، حسب ما جاء فيه يقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾». قال في سورة الشعراء: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، قال في سورة البقرة: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. وقال في سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. وقال تعالى في سورة القصص: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال في سورة السجدة: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. قالوا: «فلما رأينا هذا علمنا أنه لم يأت إلينا، بل إلى جاهلية العرب الذين قال: إن لم يأتهم رسول ولا نذير من قبله، وإنه لا يلزمنا اتباعه؛ لأننا نحن قد أتانا رسل من قبله خاطبونا بألسنتنا، وأنذرونا بديننا الذي نحن متمسكون به يومنا هذا، وسلموا إلينا التوراة والإنجيل بلغاتنا، على ما يشهد لهم هذا الكتاب الذي أتى به هذا الرجل، حيث يقول في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. وقال في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾، وقال في سورة الروم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. فقد صح في هذا الكتاب أنه لم يأت إلى عدله، وليس من عدله أن يطالب يوم القيامة أمة باتباع إنسان لم يأت إليهم، ولا وقفوا له على كتاب بلسانهم، ولا من جهة داع من قبله». هذه ألفاظهم بأعيانها في الفصل الأول. وهذا الفصل لم يتعرضوا فيه إلا لتصديقه، ولا لتكذيبه، بل زعموا أن في نفس هذا الكتاب أنه لم يقل: إنه مرسل إليهم، بل إلى جاهلية العرب، وإن العقل أيضا يمنع أن يرسل إليهم. إلى هنا حسب ما اجتمع هذا الذي خرج اليوم على مجموعة من المباحث. أولها: التحذير من اتباع بدع اليهود والنصارى، وأن جنس ما وقع فيه اليهود والنصارى وقع فيه بعض أهل الإسلام، أي ممن ينتسبون إلى الإسلام. ومنهم من وقع في بدعة تخرجه من دين الإسلام، وهو ما أشار إليه من حال بعض الملاحدة الباطنية. ومنهم من هو دون ذلك. ثم مثل بمسألة الحلول والاتحاد، وكيف أنه وجد عند الطوائف. وهذا من صدق ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي سعيد وأبي هريرة: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» الحديث. ومثل ببعض أهل البيت الذين يعني يزعمون أنهم من أهل البيت، وعندهم من ذاك الغلو في أهل البيت. وهكذا كذلك من عقيدة الحلول والاتحاد ما هو شبيه بدين النصارى القائلين بذلك، مثل النصيرية، وهي فرقة من فرق الشيعة، ومن غلاتهم الباطنية المنتسبة إلى محمد بن نصير النميري. وهكذا قوله: «كالحاكم» المراد به الحاكم الفاطمي. وهكذا قوله: «كذلك الدرزية» وهم من غلات الشيعة، كذلك من الإسماعيلية، وكفرهم معلوم عند أهل العلم. وهكذا الحلاجية وهم من غلات كذلك الباطنية، وغير ذلك مما أشار إليه مما فيه متابعة لدين النصارى. فهو ينبه أنه في هذه الأمة من جنس ما وقع من الضلال في تلك الأمة. ثم انتقل رحمه الله إلى سبب تأليف الكتاب، وهو رسالة أظهرها بعض من كان في زمانه أنها من تأليفه، وهي في الحقيقة ليست من تأليفه، فهي رسالة قديمة. وبه يشير الشيخ رحمه الله تعالى أن أهل الدين الباطل لا يتورعون بالكذب، وأول الكذب أنهم ينسبون إلى أنفسهم ما ليس لهم. وهذا يكفي في ابتداء بيان ضلال هؤلاء وكذبهم. فمن لم يتورع بالتشبث بما ليس له، فإنه لا يؤمن أن يغطي على الحق ويظهر الباطل بالكذب. ثم أبان رحمه الله لمن هذه الرسالة منسوبة. وهذا يدل على تحقيق الشيخ رحمه الله ليس فقط في كتب أهل الإسلام، بل في كتب غيرهم، فعنده من الاطلاع ما استطاع به أن يخرج أصل هذا المؤلف لمن عند النصارى. ثم أبان فصول هذا الكتاب، وهي عبارة عن ستة فصول كما أشار رحمه الله، وسيرد عليها فصلا فصلا، وبين طريقته في الرد عليه بأنه يرد الفصل ثم يرد عليه. وهذا يدلنا أن بعض النصارى ليسوا على جهل بدين الإسلام، بل اطلعوا عليه اطلاعا دقيقا حتى انتقوا منه الشبه ما يلبسون به على عامة النصارى، بل وربما يلبسون به على بعض المسلمين. ومما يدل على كذبهم أنهم لا يسيرون على منوال واحد، فأحيانا يزعمون كما ذكر في الأصل الأول أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو مرسل للعرب فقط، فهم كأنهم يقرون أنه رسول، ولكنه ليس لهم. هم الذي أرسل به نبيهم ورسولهم. والسبب الثاني أنهم كذبوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مع علمهم بما أنزل في الكتاب الذي أنزل إليهم، وبعث به رسولهم أنه يجب عليهم الإيمان به. وقد أخبروا ببشارات مبعثه عليه الصلاة والسلام. وأشار كذلك إلى الخلاف بين اليهود والنصارى ليبين أن الهوى لم يكن جديدا، بل هو قديم. الهوى عند اليهود والنصارى قديم. وقد كفر اليهود النصارى، وكفر النصارى اليهود، ولا يزال تاريخ الأرض مليء بالحوادث التي فيها من بغي كل الطائفتين على الأخرى. ولما نصر الله عز وجل الإسلام في أرض الشام، ودخل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى بيت المقدس، كنس بنفسه ما كان فيه من مزبلة النصارى. وإن النصارى لما تسلطوا على بيت المقدس من شقدهم وشدة عداوة من اليهود، جعلوا المسجد الأقصى مزبلة لهم، جعلوه مزبلة لهم. فعمر رضي الله عنه كنس بيده رضي الله عنه أرضاه. وهذا يدلك على عدل الإسلام، فالإسلام يدعو اليهود ويدعو النصارى إلى الدين الحق بعدل، من دون ما عليه اليهود من الجفاء ومن البغي على النصارى. وكذلك مما عليه النصارى من الجفاء والبغي على اليهود. فكانت أمة الإسلام أرحم الأمم باليهود وبالنصارى، وأعدلها في دعوة من آمن منهم إلى الدين الحق. وسيأتي إن شاء الله في جواب الشيخ ما يبين ويكون فيه جواب الشبهة الأولى. طيب لهنا إن شاء الله.