الدرس في القواعد والأصول الجامعة 40، الدرس الأربعون : من : ( القاعدة السادسة عشر ... وكل ما أشبه هذه المسائل يجري هذا المجرى ) . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع مفهوم العدل والفضل في العبادات والمعاملات، حيث يُعتبر العدل واجبًا والفضل مسنونًا. العبادات لها جانبين: جانب العدل الذي يتمثل في أداء الواجبات، وجانب الفضل الذي يتضمن أداء المستحبات.
يتناول المقطع حديث النبي عن كفران العشير ويناقش عدم جواز كفر الزوجة لزوجها أو العكس، ويشير إلى أن كفران العشير أكثر شيوعًا بين النساء. كما يوضح أن على الرجل أن يتقبل بعض نواقص زوجته ويتذكر حسناتها.
القاعدة التي يذكرها المؤلف عامة وتشمل العبادات والمعاملات، حيث يريد المؤلف رحمه الله تطبيق هذه القاعدة على مختلف جوانب الحياة الدينية والدنيوية. يُبيّن أن العدل والفضل يشملان جميع نواحي الحياة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: العدل واجب بكل شيء، والفضل مسنون. قال: العدل هو أن تعطي ما لديك كما تطلب ما لك، والفضل الإحسان الأصلي أو الزيادة على الواجب. ومعنى الإحسان الأصلي: أي الإحسان لغير سبب، يعني كما يقال إحسان ابتدائي، والزيادة على الواجب كذلك من الفضل. قال الله تعالى: ﴿وَأَقْصِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. قال: فأباح الله مقابلة الجاني بمثل جنايته، وهو العدل، ثم ندب إلى العفو، وهو الفضل. ويريد بذلك أن ينبه بهذه القاعدة إلى أمر يتعلق بالقاعدة التي قبلها، وهو أن قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار»، يستثنى منه مسألتان: المسألة الأولى: أنه يجوز الضرر بمن أضر بك، والمسألة الثانية: أن العفو أفضل. ثم ذكر هذه القاعدة في العدل والفضل، وذكر أدلّة عامة تدل على هذه القاعدة، فهي كتتمة في الحقيقة للقاعدة التي قبلها. قال: وكذلك المتعاملان بجميع أنواع المعاملات، العدل فيها واجب، وهو أن تعطي الذي عليه كما تأخذ الذي لك، كالزوجين: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف. كما أنك تريد منها شيئًا، هي تريد منك شيئًا، كما أنك تطلب منها شيئًا، هي تطلب منك شيئًا، كما أنك تحب أن تعطيك شيئًا، فهي تحب أن تعطيها شيئًا. فالعدل واجب في هذا المقام. قال: والفضل فيها مسنون إليه. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، والآية في سياق ذكر ما بين الزوجين. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ يعني ما كان من إحسان وما كان من عشرة حسنة. فهو بمعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام، أو قول النبي عليه الصلاة والسلام تفسير لهذه الآية: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا آخر». وقوله عليه الصلاة والسلام عن النساء: «أنهن يكفرن العشير»، فلا يجوز للمرأة أن تكفر عشيرها، يعني تتسخط عليه، تتكلم عليه في المجالس: زوجي ما رأيت منه خير، زوجي، زوجي، زوجي. كذلك لا يجوز للرجل أن يتسخط المرأة. ولماذا لم ينفِ الرجل بأنه يكفر؟ هل ما يكفر الرجل للمرأة؟ الجواب: يكفر الرجل، يكفر المرأة، لكن قليل هذا الخلق في النساء كثير، وهو في الرجال قليل. وفي الغالب إذا وقع في الرجل فهو رجل ساقط. لماذا؟ لأن المرأة خصامها وقوتها في كلامها، أو من منشئها في الحلية، وهو في الخصام غير مبين. فلذلك كما يقولون تبلبل، لكن الرجل ما يحتاج بلبل، ما يحتاج بلبل. فلذلك في الغالب الكفران يكون من النساء، لا يكون من الرجال. فإذا وقع من الرجال فهي خسة ودناءة لا تليق برجولته. لكن ما الذي يقع من الرجل؟ يقع من الرجل الظلم، يقع من الرجل التجبر، يقع من الرجل حكم العدل إذا كان متزوجًا بأكثر من واحدة. فهنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الرجل بقوله: «لا يفرك رجل امرأة، إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا آخر»، يعني لا تنسى الخير الذي عندها. فالمرأة عندها نقص، ولكن عندها خير كثير، لا تنسى. قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، قال: وهو العفو عن بعض الحق، والمحاذاة في المعاملة لأجل ما كان من عشر حسنة. قال: وعمر تعالى لأخذ الحق من الواجد حالًا، وإنظار المعسر، وهذا هو العدل، ثم ندب إلى الفضل، فقال: وأن تصدقوا خير لكم. كما قال: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: وأباح مخالطة اليتيم في الطعام والشراب، وأباح التعادل فيه، وندب للفضل والاحتياط. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ يعني الذي يخلط ماله بمال اليتيم حيلة ليأكل مال اليتيم ما يخفى على الله، والذي يخلط ماله بمال اليتيم لأنه عاجز عن إطعام اليتيم من أصل ماله. يوجد من الناس من هو نزيه يريد أن يطعم اليتيم من أصل ماله، لكن ما عنده مال، هو فقير، فيضطر أن يأخذ من مال اليتيم ما يعين في النفقة، ولكن لا يأخذ الكثير. وهذه الحكمة في الخلق: لأنه لو كان بخيلًا شحيحًا سينفق عليه من ماله فقط، يعني من مال اليتيم، ولن ينفق عليه من أصل ماله. لكن لما كان عنده شيء من الكرم، لكنه فقير، خلط بعض مال اليتيم بماله لأجل أن ينفق على اليتيم بمشاركة من أصل ماله. فإذا أحدهما مصلح، وهو الذي يخلط مال اليتيم بقصد إعانة اليتيم أن لا ينقص ماله، فيأخذ منه قليل ما ينقص من النفقة، والمفسد الذي يريد أن يحتال بخلق المال أن يأكل أكثر مما يأكل اليتيم، فأحدهما مصلح وأحدهما مفسد. قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. قال: وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. قال: فهذا العدل. ثم قال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ إذا تصدقت فهو كفارة لك بإذن الله تعالى، يعني بأن عفوت عن عينك أو أنفك أو أذنك أو سنك أو جرحك الذي ظلمت فيه. قال: وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. قال: فهذا المقامان لأهل العدل المنصفين، والفضل للسابقين، ومن قصر دونهما فهو من الظالمين. ويتفرع على ذلك العبادات. فالوضوء والصلاة والصوم والحج وغيرها: منها كامل وهو الفضل الذي يؤتى فيها بالواجبات والمستحبات، ومنها مجزء وهو العدل الذي يقتص فيها على ما يلزم. وكل ما أشبه هذه المسائل يجري هذا المجرى، مثل الرجل الذي قال: والله لا أزيد ولا أنقص. قال: «أفلح إن صدق». فإنه أخذ ما أخذ العدل. «أفلح إن صدق» يعني الفلاح هو الإجزاء بالإتيان بأقل الواجب، والكمال أن تأتي بما هو أكمل وفضل فوق الواجب. فتزيد مثلًا في الصلاة سننها ورواتبها، وتزيد في الوضوء كذلك سننه وفضائله، وهكذا في كل عبادة: الصوم والحج وسائر العبادات الأخرى، يوجد شيء عدل وهو أقل ما يجزئ، ويوجد فضل وهو الشيء الزائد عن ذلك. ومراد المؤلف رحمه الله أن هذه القاعدة عامة تشمل المعاملات وتشمل كذلك العبادات.